استغلالٌ مقيت لعرق العمال
فجأة، قرّرت الحكومة إلغاء التقاعد النسبي والتقاعد المسبق بعد اجتماع شكلي مع أرباب العمل وبعض نقابات السلطة، يتقدّمها اتحادُ العمال الجزائريين الذي تخلّى عن العمال وتحوّل إلى ممارسة السياسة وتأييد مختلف مشاريع السلطة وقراراتها وتوجُّهاتها منذ بداية التسعينيات، وأصبحت وظيفته الوحيدة هي تهدئة الجبهة الاجتماعية وإطفاء حرائقها مقابل ريوعٍ وامتيازات مغرية لقياداته.
قرارٌ بهذا المستوى من التأثير في المسار المهني لملايين العمال الجزائريين كان يُفترض أن لا يُتّخذ بهذه الطريقة المفاجئة، وبهذه السرعة، ودون استشارةٍ واسعة تشمل مختلف فعاليات المجتمع وممثلي العمال الحقيقيين؛ أي النقابات المستقلة التي تحرص على حقوق العمال فعلاً، وليس نقابة “سيدهم السعيد” التي باعت العمال بالفول للسلطة، فباعوها بقشوره وهجروها إلى نقاباتٍ أخرى.
القانون الحالي الذي قرّرت الحكومة تعديله يشترط على الأجير العمل 32 سنة للحصول على التقاعد بغضّ النظر عن سنّه، فإذا بدأ العمل بلا انقطاع وهو في العشرين من عمره مثلاً، فيمكنه التقاعدُ بعد بلوغه سنّ الـ52، لكن الحكومة تريد إسقاط هذا المكسب العمّالي والعودة إلى القانون القديم الذي يشترط على العامل بلوغ الستين من العمر للحصول على حقه في التقاعد، وبهذا الشكل قد يجد الكثير من العمال أنفسهم يشتغلون مدة طويلة قد تصل إلى 40 سنة، قبل الحصول على حقهم في التقاعد، ثم يتساوون بعد ذلك مع من اشتغل 32 سنة وبلغ الستين من العمر، هل هذا عدل؟ أليست هذه انتهازية واستغلالاً مقيتاً لعرق ملايين العمال؟
أما الأدهى من ذلك، فهو أن هذا القانون لا يشمل الجميع؛ فالإطارات السامية للدولة يمكنها بعد سنواتٍ قليلة من العمل، الحصول على تقاعد بنسبة 100 بالمائة، كما يمكن للنواب الذين “أنتُخِبوا” لعهدتين متتاليتين الحصول على الامتياز نفسه بعد 10 سنواتٍ من “عملٍ” شكلي لا يتعدى رفع الأيدي، في حين يُرغَم من بدأ العمل شابا، ولو في مهنةٍ شاقة، على الاشتغال مدة قد تصل إلى 40 سنة، ليحصل بعدها على 80 بالمائة من مرتبه. أهذه هي المساواة بين الجزائريين جميعاً أمام القانون؟
لقد أحدث قرار الحكومة غليانا عماليا كبيرا تجسّد في احتجاجات حاسي الرمل والمنطقة الصناعية بالرويبة، في حين تعجّ مواقع التواصل الاجتماعي بالتعليقات الساخطة على القرار والداعية إلى الدخول في إضرابات واعتصامات عمالية، ما يُنذر بدخول اجتماعي ساخن هذه السنة إذا لم تتراجع الحكومة عن قرارها.
لقد برّر الوزير الأول عبد المالك سلال مراجعة منظومة التقاعد بـ”التضامن بين الأجيال؟!“، لكننا نرى أن هذا القرار هو مجرّد رضوخ لنزوات أرباب العمل الاستغلاليين، ونوع من العقاب للجزائريين على اختلالات لم يتسبّبوا فيها، إذا كان صندوق التقاعد يعاني اختلالاً مالياً، فلتبحث الحكومة عن مصادر مالية أخرى لمعالجته بعيدا عن استغلال عرق العمال واستنزافهم سنواتٍ إضافية أخرى دون وجه حق.