الرأي

الأئمة بين الأجر الدنيوي‮ ‬والأجر الأخروي

الشروق أونلاين
  • 3621
  • 0

كثر الحديث مؤخرا عن وظيفة الأئمة وأجرهم وسقطات بعضهم،‮ ‬حديث ـ للأسف الشديد ـ فيه مغالطات ومزايدات إذ لا‮ ‬يراد به النصح والنقد المثمر بقدر ما‮ ‬يراد به تعقيد الأئمة وزعزعة الرأي‮ ‬العام فيهم وفي‮ ‬وظيفتهم التي‮ ‬تحظى بثقة المجتمع‮.‬

إن الإمامة هي‮ ‬وظيفة الأنبياء والرسل،‮ ‬فضلها مشهور وأجرها عظيم،‮ ‬يكفي‮ ‬في‮ ‬بيانه أن نعرف أن نبينا عليه الصلاة والسلام مارسها بنفسه وكذلك خلفاؤه الراشدون من بعده عليهم الرضوان،‮ ‬يقول الإمام الشاطبي‮: ‬الإمام خليفة رسول الله في‮ ‬المنبر‮. ‬ولذلك كان ازدراؤها وازدراء أصحابها هو ازدراء للدين والقيم‮.‬

تمارس هذه الوظيفة في‮ ‬أطهر وأقدس البقاع على وجه الأرض وهي‮ ‬المساجد التي‮ ‬كانت ولا تزال محكمة للحق،‮ ‬وجامعة للعلم،‮ ‬ومركزا للتجمع،‮ ‬ونقطة لانطلاق الألوية‮.‬

لقد جمع الأولون بهذه الوظيفة بين الإمامة في‮ ‬الدين والإمامة في‮ ‬السياسة أو ما‮ ‬يطلق عليه الإمامة الكبرى،‮ ‬فكان أصحابها أئمة في‮ ‬المساجد وعلى المنابر وأمراء في‮ ‬القصور وعلى الدول‮. ‬وكان‮ ‬يفرض لهم من بيت المال ما‮ ‬يكفيهم،‮ ‬وهذا ما حدث لخليفة رسول الله أبي‮ ‬بكر رضي‮ ‬الله عنه فقد روى ابن سعد في‮ ‬الطبقات عن عطاء بن السائب قال‮: “‬لما استخلف أبو بكر،‮ ‬أصبح‮ ‬غاديا إلى السوق وعلى رقبته أثواب‮ ‬يتجر بها،‮ ‬فلقيه عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح فقالا له‮: ‬أين تريد‮ ‬يا خليفة رسول الله قال‮: ‬السوق،‮ ‬قالا‮: ‬تصنع ماذا وقد وليت أمر المسلمين؟ قال‮: ‬فمن أين أطعم عيالي؟ قالا‮: ‬انطلق حتى نفرض لك شيئا‮. ‬ففرضوا له ما‮ ‬يكفيه‮. ‬

ولما جاء زمن الفصل بين الإمامتين صارت وظيفة الإمامة مقتصرة على المساجد ودور القرآن والكتاتيب وكان أصحابها‮ ‬يتقاضون أجورهم من الأوقاف والأحباس،‮ ‬إلى أن جاء زمن الاحتلال الفرنسي‮ ‬الذي‮ ‬نهب الأوقاف والأحباس والخيرات كلها،‮ ‬وأصبحت حاجيات الأئمة تقضى وزيادة من طرف جموع المسلمين في‮ ‬القرية أو المدينة ممثلين في‮ ‬أعيانها،‮ ‬ولم‮ ‬يكن ذلك إلا تقديسا منهم لهذه الوظيفة وتقديرا لأصحابها‮. ‬

وبعد الاستقلال أصبحت الإمامة مرتبطة براتب شهري‮ ‬يتقاضاه الأئمة من ميزانية الولاية،‮ ‬وليس هذا الراتب في‮ ‬مقابل العبادة وإنما هو لأجل التفرغ،‮ ‬فالإمام ـ كغيره من الناس ـ‮ ‬يحتاج إلى مال‮ ‬يعول به أهله،‮ ‬فلو لم‮ ‬يدفع إليه ما‮ ‬يسد حاجته فإنه‮ ‬يضطر إلى السعي‮ ‬على نفسه وعلى عياله بدل التفرغ‮ ‬للعلم وتحضير الدروس والمحاضرات والخطب وحتى التواجد الدائم في‮ ‬أوقات الصلوات وكذلك رفع الآذان وتعليم الناشئة القرآن مما‮ ‬يعرض المساجد للفوضى والتلاعب‮. ‬

ولذلك قال فقهاؤنا إن أجر الإمام المذكور في‮ ‬النصوص الناهية إنما هو الأجر الذي‮ ‬يأخذه الإمام معاوضة على عمله،‮ ‬حيث‮ ‬يشترط على من‮ ‬يدعوهم إلى الله أو‮ ‬يصلي‮ ‬بهم أن‮ ‬يعطوه مالا مقابل دعوته لهم وصلاته بهم‮. ‬أما ما‮ ‬يأخذه الإمام أو المؤذن راتبا من بيت المال فلا خلاف في‮ ‬جوازه،‮ ‬بل قد نقل الإجماع على جوازه،‮ ‬وهو ما أفتى به المعاصرون كالشيخين ابن باز والعثيمين رحمهما الله‮.‬

وجاءت المرحلة التي‮ ‬أصبح فيها الأئمة تحت وصاية وزارة تسمى وزارة الشؤون الدينية والأوقاف والتي‮ ‬جاءتهم بالوعود العالية والأماني‮ ‬الغالية لرفع قدرهم وحفظ كرامتهم وفتح الباب واسعا أمامهم ليكونوا القدوة والقادة في‮ ‬المجتمع،‮ ‬وعود لم‮ ‬يتحقق منها إلا القليل وأماني‮ ‬لا تزال أحلاما تنتظر التجسيد‮. ‬وبدل أن ترفع كرامتهم حطت من طرف كثير من المسئولين الولائيين والمركزيين،‮ ‬وأغلق الباب في‮ ‬وجوههم حتى لا‮ ‬يكونوا قدوة ولا قادة في‮ ‬المجتمع،‮ ‬وأريد لهم أن‮ ‬يكونوا تابعين لا متبوعين،‮ ‬وأثقل كاهلهم بمهام ليست من مهامهم وفيها من الشبهات والاتهامات وحتى المخاطر ما قاد الكثير منهم إلى المحاكم والسجون فضلا عن المستشفيات‮.‬

وصار الإمام‮ ‬يمارس ما أسند إليه من مسؤولية إدارة المسجد والموظفين العاملين فيه،‮ ‬وأصبح هو مدير المدرسة القرآنية وهو المشرف على أقسام محو الأمية ودروس التقوية،‮ ‬مع إلقاء الدروس والخطب والمحاضرات،‮ ‬وعقد مجالس الصلح وعقود الزواج،‮ ‬والمشي‮ ‬في‮ ‬قضاء حاجات الفقراء والاستماع لانشغالات المواطنين والإجابة على أسئلتهم،‮ ‬كما أصبح في‮ ‬وقت معين مسؤولا عن تحصيل الزكاة ويعاقب في‮ ‬حالة كساد الصندوق،‮ ‬ويضطر أحيانا إلى فتح وغلق المسجد ورفع الأذان والإقامة وإمامة المصلين وأحيانا أخرى‮ – ‬وليس عيبا‮ – ‬يكون هو المنظف لمراحيض المسجد‮.‬

وإذا تحدثنا عن ساعات وأيام العمل فإنه لا‮ ‬يملك منها‮ ‬يوم عطلة لا في‮ ‬الأسبوع ولا في‮ ‬المناسبات الدينية ولا الوطنية ولا العالمية كما هو شأن الموظفين في‮ ‬القطاعات الأخرى،‮ ‬إذ لا تتجاوز أيام عملهم‮ ‬05‮ ‬أيام في‮ ‬الأسبوع‮ ‬غالبا و200‮ ‬يوما في‮ ‬السنة،‮ ‬ولو تحدثنا عن عمل الإمام في‮ ‬رمضان‮ (‬خاصة إذا تزامن مع فصل الصيف‮) ‬فإننا نجده‮ ‬يصلي‮ ‬الصبح على الساعة‮ ‬03‭:‬40‮ ‬صباحا بعد أن‮ ‬يفتح المسجد بساعة قبل الأذان ولا‮ ‬يغلق المسجد إلا بعد صلاة التراويح التي‮ ‬تنتهي‮ ‬في‮ ‬حدود منتصف الليل‮.‬

ومقابل ذلك كله‮ ‬يزايد عليه بالأجرة والراتب الشهري‮ ‬الذي‮ ‬يتقاضاه وكأنه‮ ‬يتقاضى‮ ‬15‮ ‬مليون سنتيم على‮ ‬غرار ما‮ ‬يتقاضاه زملاؤه في‮ ‬دول إسلامية أخرى،‮ ‬بينما هو في‮ ‬الحقيقة‮ ‬يتقاضى مليونيّ‮ ‬سنتيم شهريا إذا كان في‮ ‬رتبة المؤذن ويقوم بكل المهام المذكورة آنفا‮… ‬وإذا تحدث عن مطلب الزيادة نعقت أصوات من هنا وهناك حتى سمعنا‮ – ‬ممن أصابهم الخرف‮- ‬يقول‮: ‬بأن الإمام له مداخيل أخرى‮ … ‬ولا‮ ‬يحق له المطالبة بالزيادة لأن أجره أخروي‮ … ‬

وقد ثبت أنه من حق الإمام أن‮ ‬يطالب بالزيادة في‮ ‬أجرته،‮ ‬إذا لم تكن كافية له،‮ ‬كما وقع لأبي‮ ‬بكر الصديق رضي‮ ‬الله عنه في‮ ‬الحديث المذكور سابقا،‮ ‬حيث تتمته‮: ‬فَانْطَلَقَ‮ ‬مَعَهُمَا فَفَرَضُوا لَهُ‮ ‬كُلَّ‮ ‬يَوْمٍ‮ ‬شَطْرَ‮ ‬شَاةٍ‮ ‬وماكسوه فِي‮ ‬الرَّأْسِ‮ ‬وَالْبَطْنِ،‮ ‬ومعنى‮: ‬ماكسوه من المماكسة،‮ ‬قال ابن منظور‮: “…‬المماكسة في‮ ‬البيع انتقاص الثمن واسْتِحطاطُهُ‮ ‬والمنابذة بين المبايعين بمعنى أنهم فرضوا له نصف شاة،‮ ‬وأسقطوا عنه الرأس والبطن بعد أخذ ورد،‮ ‬كما‮ ‬يقع بين المبايعين،‮ ‬حيث‮ ‬يطلب البائع الزيادة في‮ ‬الثمن،‮ ‬ويطلب المشتري‮ ‬الحط منه،‮ ‬مما‮ ‬يعني‮ ‬أن أبا بكر رضي‮ ‬الله عنه ناقشهما وطالب بالزيادة وطالباه بالنقص‮.‬

وأوضحُ‮ ‬من هذا ما رواه ابن سعد أيضا‮:”..‬عَنْ‮ ‬عَمْرِو بْنِ‮ ‬مَيْمُونٍ‮ ‬عَنْ‮ ‬أَبِيهِ‮ ‬قَالَ‮: ‬لما استخلف أبو بكر جعلوا له ألفين،‮ ‬فقال‮: ‬زيدوني‮ ‬فإن لي‮ ‬عيالاً‮ ‬وقد شغلتموني‮ ‬عن التجارة،‮ ‬قال فزادوه خمسمائة،‮ ‬قال‮: ‬إما أن تكون ألفين فزادوه خمسمائة أو كانت ألفين وخمسمائة فزادوه خمسمائة‮”.‬

فالمطالبة بالزيادة في‮ ‬الرزق لا تنقص من دين الرجل،‮ ‬ما دامت حاجته ـ حسب ظروف زمانه،‮ ‬وحسب مجتمعه الذي‮ ‬يعيش فيه ـ‮  ‬تدفعه لزيادة النفقات‮.‬

تلكم هي‮ ‬بعض النوافذ على ما آلت إليه وضعية الإمام بعد أن أصبح له راتب شهري،‮ ‬فلا أحد من أولئك الناعقين نظر إليها أو التفت لتغييرها،‮ ‬وما ذاك إلا لتخلي‮ ‬الوزارة الوصية عنه‮. ‬ولو كان التخلي‮ ‬في‮ ‬الجانب المادي‮ ‬فقط لكان الخطب أهون،‮ ‬ولكن شمل التخلي‮ ‬جوانب أخرى أكثر أهمية أدى إلى تسليط سيف الحجاج على رقاب فرسان المنابر وحراس المحاريب بقانون تجريم الإمام‮- ‬بدل أن‮ ‬يسن قانون‮ ‬يسمح لهم بالأمر بالمعروف والنهي‮ ‬عن المنكر‮- ‬دون أن‮ ‬يجدوا حماية من وزارتهم،‮ ‬فتطاول عليهم المسؤولون الإداريون من داخل وخارج الوزارة،‮ ‬وطالتهم متابعات قضائية وأمنية في‮ ‬كثير من الأحيان،‮ ‬بسبب ما أدلوا به من مواضيع في‮ ‬خطبهم ودروسهم أرادوا من خلالها تبيين الصواب وإصلاح الخلل مما‮ ‬يرونه صحيحا وصوابا،‮ ‬غير أن ذلك وقع مخالفا لما تهواه جهات لا تقبل الانتقاد،‮ ‬فوجهت لهم أصابع الاتهام‮.‬

وتسلط عليهم في‮ ‬كثير من الأحيان سيف آخر وهو سيف الجمعيات الدينية التي‮ ‬تعمل خارج إطارها وصلاحيتها ومتى لم‮ ‬يرق الإمام لهواها فإنها تفتح عليه وابلا من المشاكل والعراقيل بدءا من محاولة تحويله،‮ ‬إلى ابتزازه بإخراجه من السكن‮.‬

ومما زاد الطين بلة صدور التعليمات وحتى العقوبات الموجهة للإمام ونشرها على صفحات الجرائد قبل أن تصل إلى المعني‮. ‬وفي‮ ‬ذلك خرق فاضح لخصوصيته،‮ ‬كما لم تخل صفحات الجرائد من سقطات وهفوات بعض الأئمة والتي‮ ‬تنقل أيضا على قنوات الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي‮ ‬دون تثبت،‮ ‬وما ثبت منها‮ ‬‭_‬‮ ‬ونحن لا نبرره‮ ‬‭_‬‮ ‬إنما هو نزر‮ ‬يسير جدا لا‮ ‬يرقى لأن‮ ‬يكون في‮ ‬خانة الشاذ الذي‮ ‬يحفظ ولا‮ ‬يقاس عليه‮.‬

إن وظيفة الإمامة لا‮ ‬يمكن أن تكون مثل الوظائف الأخرى،‮ ‬لأنها الوظيفة التي‮ ‬تحمل في‮ ‬طياتها الرسالة العظيمة التي‮ ‬جاء بها الإسلام وهي‮ ‬دعوة الناس لهذا الدين الخالد بالتعليم والإصلاح والأمر بالمعروف والنهي‮ ‬عن المنكر،‮ ‬رسالة‮ ‬يحمل الأئمة من خلالها همّ‮ ‬تعليم المجتمع وحمايته من مختلف الآفات والتطرف فيقوى وتقوى به أمتنا ويرتقي‮ ‬وترقي‮ ‬به حضارتنا،‮ ‬رسالة لن‮ ‬يتخلى عنها الأئمة وإن تخلت عنهم وزارتهم،‮ ‬لن‮ ‬يتخلوا عنها رغم الجراح والألم‮. ‬وسيعمل الأئمة على رفع الحق ودفع الباطل،‮ ‬وسيكونون الضوء الذي‮ ‬لا‮ ‬يسب الظلام بل‮ ‬يبدده،‮ ‬وسيستمر نضالهم لتحقيق رسالتهم وتحقيق مطالبهم المشروعة بكل الطرق والسبل الشرعية منها والقانونية،‮ ‬ولن‮ ‬يهدأ لهم بال حتى تشرق على أعمالهم شمس الأرباح ولا‮ ‬يقطعهم عن ذلك سوى القبر وعندئذ سينالون أجرهم الأخروي‮ ‬مرتين بإذن الله‮: ‬مرة على أداء وظيفتهم على أكمل وجه،‮ ‬ومرة على نضالهم في‮ ‬سبيل تحقيق العدل الذي‮ ‬قامت عليه السموات والأرض وتقوم عليه الدول القوية‭ .‬

مقالات ذات صلة