الأنظار تتجه إلى الحكومة الجديدة وهذا هو السيناريو المرجّح
بعد إسدال الستار على الانتخابات التشريعية وإعلان المحكمة الدستورية عن النتائج النهائية، تتجه الأنظار إلى الحكومة المقبلة، مع ترقب القرار الذي سيتخذه رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون بشأن تركيبتها ومصير الوزير الأول، وسط تساؤلات حول خياراته في تشكيل الجهاز التنفيذي الجديد، بين الاستعانة بوجوه سياسية، أو الاعتماد على كفاءات من الإدارة والجامعات والمؤسسات، أو الإبقاء على جزء من التشكيلة الحكومية الحالية.
وفي هذا الإطار، تشير المعطيات السياسية والدستورية استمرار النهج الذي طبع تشكيل الحكومات خلال عهدتي رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، حيث غلبت عليها الكفاءات والإطارات القادمة من الإدارة والجامعات والمؤسسات العمومية على حساب التمثيل الحزبي، والذي ظل محدودا في معظم التشكيلات الحكومية، كما أن الانتخابات التشريعية الأخيرة أفرزت أغلبية رئاسية داعمة لبرنامج رئيس الجمهورية، ولم تفرز أغلبية سياسية مغايرة تفرض قيام حكومة حزبية، فضلا عن الانتقادات التي وجهت إلى الأحزاب عقب الانتخابات الأخيرة وتحميلها مسؤولية العزوف المسجل، ما يجعل استمرار الرهان على الكفاءة والخبرة في تشكيل الحكومة المقبلة السيناريو الأقرب.
حشاني: الأغلبية الرئاسية تعبد الطريق لاستمرار حكومة الكفاءات
وفي هذا الإطار، يرى المحلل السياسي علي حشاني في تصريح لـ”الشروق” أن النقاش المرتقب بشأن تشكيل الحكومة المقبلة سيبقى محكوما بطبيعة النظام الدستوري، مؤكدا أن قراءة المرحلة لا يمكن أن تتم بمعزل عن أحكام الدستور، مشيرا إلى أن هذا الأخير يميز بين حالتين، الأولى تتمثل في وجود أغلبية برلمانية مغايرة للأغلبية الرئاسية، وهو ما يفضي إلى تعيين رئيس حكومة من تلك الأغلبية، أما الحالة الثانية فتتعلق بوجود أغلبية رئاسية داعمة لبرنامج رئيس الجمهورية، وفي هذه الحالة يعين وزير أول، وهو السيناريو الذي عرفته المرحلة السابقة.
وأضاف أن الحالة الأولى لا تنطبق على نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة، بالنظر إلى أن الأحزاب الفائزة لم تفرز أغلبية برلمانية مغايرة، بل أفرزت أغلبية رئاسية تواصل دعم برنامج رئيس الجمهورية، مشيرا إلى أن تلك الأحزاب تحوز الأغلبية ضمن مقاعد المجلس الشعبي الوطني، ما يجعل المسار الدستوري يتجه نحو استمرار صيغة الوزير الأول، مع إمكانية التحاق قوى سياسية أخرى بهذه الأغلبية مستقبلا.
وانطلاقا من هذه المعطيات، يستبعد حشاني أن تتجه الحكومة المقبلة إلى طابع سياسي أو حزبي واسع، لافتا إلى أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت أن الحكومات التي شكلت في عهدتي رئيس الجمهورية اعتمدت أساسا على الكفاءات والإطارات، فيما ظل الحضور الحزبي محدودا، وهو ما يعكس، حسبه، تركيز رئيس الجمهورية على معيار الكفاءة والخبرة أكثر من الانتماء السياسي في اختيار أعضاء الجهاز التنفيذي.
وفي السياق ذاته، أوضح أن أحزاب الأغلبية الرئاسية قد تقترح أسماء لتولي بعض الحقائب الوزارية، غير أن ذلك يبقى في إطار الاقتراح فقط، لأن سلطة التعيين تبقى، دستوريا، من الصلاحيات الحصرية لرئيس الجمهورية، الذي يعود إليه القرار النهائي في اختيار أعضاء الحكومة.
وبخصوص حجم التعديل الحكومي المرتقب، رجح المتحدث ألا يكون واسعا، متوقعا أن يقتصر على بعض الحقائب التي لم تحقق، حسب تقييم رئيس الجمهورية، النتائج المرجوة أو لم تواكب تنفيذ البرنامج الرئاسي، مضيفا أن رئيس الجمهورية انتهج خلال عهدتيه سياسة قائمة على الحفاظ على استقرار الجهاز التنفيذي، وتجنب التغييرات المتكررة، معتبرا أن هذا الخيار حقق نتائج أفضل من اللجوء إلى تعديلات حكومية متواصلة.
أما فيما يتعلق بمصير الوزير الأول، فقد أكد حشاني أن وجود أغلبية رئاسية داعمة لبرنامج رئيس الجمهورية يجعل فرضية استمراره الأقرب، مشيرا إلى أنه قد يقدم استقالته لرئيس الجمهورية في إطار الإجراءات المتبعة، مضيفا أنه إذا قرر رئيس الجمهورية تغيير الوزير الأول، فسيقبل الاستقالة ويعين خلفا له.
كما يمكن، حسب المحلل، أن يقبل الرئيس الاستقالة، ثم يكلف الوزير الأول بتسيير المرحلة وفتح مشاورات لتشكيل الحكومة الجديدة، مع الأخذ بعين الاعتبار الأسماء التي قد تقترحها أحزاب الأغلبية والكفاءات الوطنية، على أن يبقى القرار النهائي لرئيس الجمهورية، مع إمكانية التشاور مع الوزير الأول بشأن إعادة ترتيب أولويات العمل التنفيذي.
واوضح محدثنا أن رئيس الجمهورية يوجد اليوم أمام واقع دستوري يمنحه صلاحيات واسعة في تعيين الوزير الأول وأعضاء الحكومة، معتبرا أن المرحلة المقبلة ستكون مرتبطة أساسا بتنفيذ سياسات الدولة وتجسيد البرنامج الرئاسي، أكثر من ارتباطها بتوزيع الحقائب الوزارية بين الأحزاب والقوى السياسية.
ويرى أن هذا المعطى يشكل مفتاح فهم طبيعة الحكومة المقبلة، والتي يرجح أن تكون حكومة كفاءات قادرة على الاستجابة لتطلعات المواطنين، وتجسيد برنامج رئيس الجمهورية، من خلال الجمع بين الكفاءة المهنية والعمل المؤسساتي.