الإخلاص.. بلا تفخيم ولا تقزيم
ا نحتاج في هذه الفترة العصيبة إلا إلى مزيد من الإخلاص إذا أردنا أن نتجاوزها بسلام، إخلاص في كافة المستويات، بدءا من الأعلى إلى الأدنى، إخلاص في المواقف، وفي العمل، وفي الحديث، بعيدا عن كل تزييف أو خداع أو محاولة تغليط الناس…
الجميع يعرف الجميعَ، حتى من لَحْن القول، فلا مجال اليوم للظهور في أشكال مُزيَّفة، أو بوجوه خادعة، أو بخطابات مُنمَّقة لاستمالة الرأي العام أو للضحك على أذقانه.
اليوم زمن جدٍّ وكدٍّ وعملٍ وعطاء وتضحية.. زمن الحديث بصدق واعتراف بالتقصير، لا زمن الإشادة بمناقب هذا أو ذاك، أو الفخر بالإنجازات مهما كانت حقيقية. الاعتراف الوحيد اليوم المقبول ينبغي أن يكون حول أنَّنا لم نُنجز ما كان علينا إنجازه، وأننا قصَّرنا في حق بلدنا وفي حق مواطنينا.
ليس من ديننا أو أخلاقنا ولا من تقاليدنا، الفخرُ بالإنجازات حتى ولو كانت حقيقة، فما بالك لو لم تكن كذلك، أو كان يشوبها النقصان والرياء. لقد قيل لأحد السلف الصالح: ما بالُ كلام السلف أنفع من كلامنا؟ فقال: لأنهم تكلموا لِعزِّ الإسلام، ونجاة النفوس، ورضا الرحمن، ونحن نتكلم لعزِّ النفوس وطلب الدنيا ورضا الخلق.
فهل من شيمنا ذلك؟
لقد أصبحت أخْلقة الحياة السياسية بحق مسألة حيوية، في ظل انتشار -جنبا إلى جنب – خطاب المدح والإطراء والتعظيم والتفخيم والإجلال، أحيانا إلى درجة التنزيه، وخطاب الشتم والقدح والتقزيم، أحيانا إلى درجة الشيْطنة.
إن مشكلة الإخلاص في القول والعمل، هي أحد المشكلات الكبرى التي يعرفها النظام الديمقراطي اليوم، على حد تعبير أستاذ الفلسفة الإسباني Daniel Innerarity، ومشكلة الحديث بصدق للناس لم يتوقف الساسة عن إثارتها في عصر المعلومات هذا.
لقد فهم الألمان الإخلاص على أساس أنه “دِقة في العمل”، لا قيمة في المطلق تُرفَع شعارا. وفهمه الفرنسيون أنه “الحديث بصدق” على حد تعبير ميشال روكار (parler vrai)، بغضّ النظر عن النتيجة في الميدان. وفهمه الأمريكان على أساس “الانتصار للمؤسسات” بغض النظر عن التعامل العاطفي مع السياسيين أو الوقوع تحت تأثير الدعاية الإعلامية كما تابع ذلك Riesman في مؤلفه الشهير The Lonely Crowd (الجماهير الوحيدة)…
فكيف علينا أن نفهمه نحن؟
في جميع الحالات، علينا العودة إلى موروثنا الحضاري الذي يفرض علينا، ليس فقط أن نَقول الحقيقة أو نُتقن العمل أو نَنتصر للمؤسسات، إنما أن نفعل ذلك جميعا.. هل الشعوب الأخرى أحرص منا على ما نحن أولى به؟