الإلحاد الإيجابي !
إن الذين يعملون على تخريب العلاقة بيننا وبين تركيا وتونس الشقيقتين لأسباب لها علاقة بطبيعة الحكم وبأيديولوجية الممسكين بزمام الأمور نتيجة الأغلبية التي تحصلوا عليها بوعي واقتدار، لا يحسنون التدبير والسياسة وهم في مساعيهم فاشلون لأن ما يهمنا بالنسبة لهذين البلدين هو مدى الحفاظ والاستثمار في التاريخ المشترك فيما بيننا ومدى تمسك شعبيهما بالهوية العربية والإسلامية، ويبدو أنه رغم محاولة فرض العقيدة العلمانية في نسخها المتطرفة في تركيا والبورقيبية المعتدلة نسبيا في تونس إلا أن الانتصار في كل مرة كان حليف الهوية الإسلامية في طابعها الوسطي المعتدل والمستنير الذي يحاول الاستفادة من محاسن العلمانية التي ليست في اعتقادي كلها شر كما يروج لذلك الأصوليون المتشددون والسلفيون المتزمتون، وهذا إذا اكتفينا ببعض الجرعات بما يحقق المصلحة العامة والتنمية الشاملة مثل التي نشاهدها اليوم على يد الأتراك الجدد .
بعدما قدم ابن جمعية العلماء المسلمين وخريج الزيتونة وأول من تولى حقيبة وزارة الشؤون الدينية في عهد الاستقلال، المرحوم الأستاذ أحمد توفيق المدني أوراق اعتماده كسفير للجزائر لرئيس جمهورية تركيا المرحوم جودت صناي، طلب مباشرة مقابلة مفتي تركيا الذي لازال قائما في دولة علمانية، وأول سؤال طرحه على الشيخ هو: ما هو سر وجود مفت أكبر بعاصمة دولة جمهورية علمانية؟ فكان رد المفتي بأن خيار العلمانية أملتها ظروف خاصة وهي اجتهاد اقتضته المصلحة العامة، ومع ذلك الحكومة لا تجهل بأن الشعب التركي في مجموعه شعب مسلم عريق في الإسلام وأنه لا يرضى عن الإسلام بديلا، فاستعاضت الحكومة عن مشيخة الإسلام القديمة بمنصب المفتي الأكبر الذي عليه واجبات ثقيلة منها مراقبة وإرشاد وإعانة المفتين وتعيين الأئمة ودفع رواتب السلك الديني والتسيير الإداري وهذه المصاريف كلها يوضح المفتي من مداخيل الأوقاف.
بعد عزوف معظم أولياء التلاميذ بتركيا عن إلحاق أبنائهم بالمدارس الابتدائية بسبب إلغاء التعليم الديني، ودفعهم عوضا عنها للكتاتيب وللمداس القرآنية التي كان يشرف عليها بعض محدودي التأهيل، أصاب الحكومة قلق لها العزوف المضر بمستقبل الأجيال والوطن وبعدما تبين لها السبب أعادت إدراج التعليم الديني في المدارس بما فيه المواضيع التي تشير لآيات الجهاد وهذا استشعارا منها بالمسؤولية دون تعصب لرأي أو لموقف أو لمنظومة تربوية مغضوب عليها، ولما وصل هذا العرض من عند سيدة ملحدة، نعم ملحدة كما تقر هي بذلك ومستشارة في الأمور الثقافية والدينية للأستاذ توفيق المدني كما روى هو ذلك، يقول بأنه لما سمع هذا الكلام أصيب بالدهشة وتبددت مخاوفه من أن يرتد الشعب التركي عن دينه وتفاءل بمستقبله والظاهر أن تفاؤله لمكر هذا والذي يعود لسبعينيات القرن الماضي كان في محله على ما نشاهده اليوم ولكن ومع هذا التفاؤل تمنى المدني من بعض الدول العربية الإسلامية من أن تعرف واجبها وتساير شعبها فتضمن له مستقبلا دينيا قائما على الدعائم المتينة وبذلك تتحقق النهضة الإسلامية الحقة ولكن وللأسف ما تمناه المدني لم يتحقق بالشكل المشرف من بعده في الجزائر وبالخصوص لما تم إلغاء التعليم الأصلي ولم تقدر البدائل المطروحة أن تكون في مستوى التحديات وإن كنا نستبشر خيرا بعودة منارة الزيتونة بجوارنا في تونس الخضراء والتي كان لها دور كبير في تخريج العديد من الأعلام والمراجع الجزائرية التي بدأت تنقرض تدريجيا، ونحن نتفرج دون التوصل للأسف إلى تخريج رجال دين ولا رجال دولة في مستوى تلك السيدة التركية الملحدة.
.
* كاتب وبرلماني سابق