التعليم في غزة هدف من أهداف الإبادة؛ كيف ولماذا؟
يعتقد الكثيرون بأن الإبادة الجماعية وجرائم التطهير العرقي التي ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي بحق الغزيين على مدار عامين كاملين، كانت تستهدف البشر والشجر والحجر فحسب، دون أن يمعنوا النظر فيما هو خلف هذه السياسات العدوانية الممنهجة، والتي هدفت إلى محو الذاكرة، واجتثاث الإنسان، وهدم كل أسباب الحياة وعوامل البقاء، في جريمة حرب مكتملة الأركان، لم يشهد التاريخ المعاصر لها مثيلًا.
وقد برز التعليم كهدف من أهداف العدوان منذ اليوم الأول، إذ أولاه الاحتلال الإسرائيلي اهتمامًا شديدًا، وقد ظهر ذلك بتعمده استهداف البنى التحتية التعليمية «رياض الأطفال، المدارس، والجامعات، والمرافق الإدارية التعليمية». فالمدارس والجامعات ليست أبنية صمّاء، بل حواضر العلم والمعرفة والثقافة، وقد برز أيضًا استهداف العقول العلمية من العلماء الجهابذة، والمعلمين والمعلمات الأكفاء.
لكن لماذا هذا الاستهداف الممنهج لمنشآت التعليم ذات الطابع المدني والأهلي؟
باعتقادي تحمل الإجابة كشفًا عن أهم عوامل قوة الشعب الفلسطيني، الذي يولي التعليم أهمية بالغة في موروثه الثقافي والمعرفي، ويُعد الإقبال على التعليم وحفظ القرآن وتدارسه من العادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية في فلسطين عمومًا وقطاع غزة خصوصًا. وقد انعكس ذلك لينتج مجموعة من الحقائق والأرقام ذات الدلالة، إذ إن فلسطين تشهد إقبالًا كبيرًا على التعليم لكلٍّ من الفتيان والفتيات، وخاصة غزة التي تضم أكبر نسبة من المتعلمين في العالم وحملة الشهادات الجامعية العليا، حيث يتراجع فيها مؤشر الأمية إلى مستويات قليلة جدًا قياسًا بغيرها من المجتمعات.
وقد كانت هذه الحقائق واضحة إبان التهجير القسري الذي تعرّض له الشعب الفلسطيني في نكبة عام 1948، حيث نتج عنه انتشار المعلمين والمعلمات الفلسطينيين في الأقطار العربية والإسلامية، وقد أسهموا إسهامًا واضحًا في تأسيس البنية التعليمية وتخريج أجيال متعلمة في الكثير من الدول والبلدان.
لذلك كان أحد أهم أهداف الاحتلال الإسرائيلي في غزة، في حرب الإبادة الجماعية، “التعليم والتلميذ والمعلم”، وفق منهجية واضحة وبيّنة، باستهداف مكونات العملية التعليمية مجتمعة، لتحقيق الهدف “إبادة التعليم”. فقد وثّقت لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة، في تقريرها الصادر في مارس 2025، أن الاحتلال الإسرائيلي دمّر أو ألحق أضرارًا مادية جسيمة بـ 2308 منشآت تعليمية في غزة، تشمل رياض أطفال ومدارس وجامعات، وبنسبة تقديرية بلغت 95% من مرافق التعليم في غزة طالها الدمار وآثار العدوان الإسرائيلي، إضافة إلى ما وثقته منظمة اليونيسف حول منع الاحتلال الإسرائيلي إدخال أي مواد دراسية إلى القطاع منذ أكتوبر 2023.
التلاميذ محور العملية التعليمية؛ فقد حرم الاحتلال الإسرائيلي، وفق ذات التقرير، ما مجموعه 658 ألف طالب وطالبة من التعليم النظامي منذ عامين، من بينهم 87 ألفًا من طلبة الدراسات العليا، الذين فقدوا أيضًا القدرة على الوصول إلى مقاعدهم الدراسية.
أما المعلمون والمعلمات والعلماء الفلسطينيون المنوط بهم إدارة العملية التعليمية ومباشرة التدريس، فقد تعمّد الاحتلال الإسرائيلي اغتيال المئات من العلماء والمعلمين والمعلمات ورؤساء الجامعات وأصحاب التخصصات العلمية النادرة، وفق سياسة متعمدة وممنهجة لحرمان الأجيال من إرثهم الحضاري والثقافي المهم، وبهدف واضح هو تجهيل المجتمع، واجتثاث التعليم، وتعطيل أي فرصة لعودة العملية التعليمية، لتحقيق هدف «انعدام الحياة» لتهيئة الظروف الملائمة لتهجير الغزيين.
أما على صعيد التداعيات الخطيرة المستمرة على التعليم، فهي كثيرة، ويمكن إيجازها وفق الآتي:
فقدان بيئة التعليم المستقرة والبنية المدرسية.
مع تدمير المرافق التعليمية واستخدام بعض المدارس المدمرة مآويَ للنازحين، تحطمت بيئة التعليم الرسمية وآليات التدريس.
انقطاع التعليم على مدى عامين، وهي فترة طويلة؛ إذ إن الطلاب لم يلتحقوا بأي تعليم نظامي أو غير رسمي منذ أكثر من عامين، ما يعني ضياع سنوات دراسية كاملة.
إضافة إلى الآثار النفسية والاجتماعية على الأطفال والشباب.
بسبب تداعيات حرب الإبادة، وسياسة التجويع الممنهجة، والإجبار على النزوح المتكرر، وعدم الاستقرار.
وبالتوازي مع تضرر المدارس والجامعات ومعاهد التعليم الفني والمهني، أصبح كثير من الطلاب بلا مستقبل تعليمي واضح، في ظل واقع جديد يفرض عليهم العمل لساعات يوميًا لتأمين مياه الشرب، والحطب لإشعال النار، والبحث عن عمل لإعالة أسرهم التي فقدت مقومات الحياة.
أضف إلى ذلك قيام الاحتلال الإسرائيلي بقتل أعداد كبيرة من المعلمين والمعلمات والعلماء الفلسطينيين، الذين كان لهم باع كبير في الإدارة التعليمية والتدريس.
أما فيما يتعلق بما هو مطلوب لاستعادة زمام المبادرة، وإعادة قطار التعليم إلى سكّته في القطاع المنكوب الذي لا يزال يتعرض للإبادة، فإن ذلك يتطلب بالضرورة إجبار الاحتلال على رفع الحصار، وفتح المعابر، والانسحاب من غزة، والتوقف عن خروقاته للاتفاق الموقّع، لتهيئة الظروف الملائمة لإعادة التعليم.