الجزائر تُريد صِدقًا.. لا صَدَقات!
شُكرًا لذوي القلوب الرّحيمة الذين أثارت الجزائر شَفَقتهم فتبرَّعوا لها ببعض الصَّدَقات مِمَّا يَملِكون…! وسواء فعلوا ذلك حقيقة أو رِياءً، عن طيب خاطرٍ أو مُكرَهين، أقول لهم مِنْ عَلى هذا المنبر الذي أُريده فسحةَ أملٍ لكل أبناء هذا الوطن: إن الجزائر اليوم ليست في حاجة إلى صَدقاتكم أو تبرُّعاتكم أو التفاتتكم الطيِّبة، بل في حاجة إلى من يَصْدُقها القول والفعل والعمل… إلى صِدقٍ في كل شيء لا إلى صدقات ببعض الشيء.
بلدُنا اليوم في حاجة إلى من يَسُدّ تلك الثقوب الواسعة والضيِّقة في جسمه، التي تنزف كل يوم بملايين الدولارات بسبب سوء التسيير أو الفساد أو تَعمُّد الاختلاس وتهريب المال العام.. إلى مَن يُوقف هذا النزيف حتى لا تسقط أرضا، لا إلى مَن يُغطيه لبعض الوقت، ببعض الصَّدَقات، ليَظهرَ بعد حين أكثر قوة..
بلدنا يريد أن ينهض ويتقدَّم، ولكنه لا يُريد أن يَفتح بداخله منابر للصدقات.. فليحتفظ كلٌ بِحُرِّ ماله الحلال الذي امتلك، وليُعِدْ كلُ مَن ليس له هذا إلى خزينة الدولة، ولن نحتاج لأي كان…
أيها المتصدقون على هذا البلد العزيز: رجاء كُفُّوا عن هذا السلوك، لا تُعلِنوا الجزائر بلدا أصبح يمُدّ يده، ويَصيح: صدقة يا مُحسنين.. وأيُّ مُحسنين؟
لم يكن بلدُنا يوما من أيامه كذلك ولن يكون، وينبغي أن لا يكون؛ لأنه يملك من القدرات والامكانيات والأراضي الشاسعة والثروات وقبل ذلك من الرجال والنساء مَن يرفضون أن يَتمّ التصرف معه بهذا الشكل من قِبل مالكي أموال لم يكتسبوها بعرق جبينهم أو ناهبي ثروات لم يَطلهم القانون، أو مسؤولين رقَّت قلوبُهم في آخر اللحظات فانتبهوا إلى حاله يسعون لعلاجه بالقروض السَّندية تارة، وبالهبات التطوُّعية والإعفاءات الضريبية تارة أخرى، وأخيرا بالهِبة والصّدقات.
ليقف أبناءُ هذا الوطن المخلصون الصادقون ويَمنعوا عنه هذه الصَّدقات المُذِلَّة والتي تَمُس كبرياءه وعزّته وكرامته، وسيَسعد بأن يواجه معهم ثقل الأزمات المختلفة، وأن ينتصر على كافة الجبهات.
إننا نعلم جميعا أن المشكلات التي يعرفها هذا الوطن، بمختلف أنواعها ليست أبدا نتيجة قلّة إمكانات أو ضعف موارد أو ارتفاع أو انخفاض في أسعار المحروقات، إنما هي نتيجة ضعف الانسان المُسيِّر، وهبوط هِمَّته، وافتقاره للقيم التي تَمنعه من أن يعتقد بأنه صاحب فضل على هذا الوطن، وتُعلِّمه بأن العكس هو الصحيح، وأن الصدق في آخر المطاف هو أفضل الصَّدقات.