الجزائر ملتزمة بتمويل فلسطين.. ولن ننسى نصرتها للقدس
تحدث رئيس حكومة فلسطين د. رامي الحمد الله بقلب مفتوح مع “الشروق” ، وعبر عن شكر الفلسطينيين قيادة وشعبا للجزائر على العلاقة المميزة والتعاون في كل المجالات، كما عرض موقفه من قرار الرئيس الأمريكي ترامب بحق القدس والعقبات في وجه المصالحة، فضلا عن الحصار المالي الذي تواجهه حكومة التوافق الوطني جراء سعي فلسطين للحصول على حقوقها المشروعة في المحافل الدولية.
ما هي خطواتكم القادمة للاستفادة من المناخ الدولي المساند للحقوق الفلسطينية، وهل لديكم خشية من تصعيد أمريكي جديد ضد القيادة والحقوق الفلسطينية؟
لقد استطاعت الدبلوماسية الفلسطينية التصدي لمحاولات الالتفاف على حقوق الشعب الفلسطيني التي أقرتها المواثيق الدولية في انتصار سياسي واضح له ما بعده، وباعتقادي أن هذه المكاسب ستدفعنا لاتخاذ خطوات جديدة إلى الأمام على الصعيد الدولي، حيث يوجد لدينا رغبة في العودة إلى الأمم المتحدة للتقدم بطلب الحصول على عضوية كاملة لدولة فلسطين.
القيادة الفلسطينية مصممة على المضي قدما في ملف المصالحة الداخلية وهذا في رأيي هو صمام الأمان للشعب الفلسطيني للوقوف في وجه أية محاولات جديدة تهدف للنيل من حقوقنا وهي أمر غير مستبعد بطبيعة الحال بالنسبة للإدارة الأمريكية التي فقدت مرجعيتها كراع لعملية السلام، ونحن نعلم جيدًا ما نحن مقبلون عليه ولا يُمكن أن نخضع للابتزاز الأمريكي بأي شكل من الأشكال ولن تجبرنا تهديدات قطع المساعدات أو وقفها على تغيير مواقفنا أو الرضوخ لها.
صمام الأمان في تحدي الموقف الأمريكي هو المواطن الفلسطيني الصامد على أرضه، لم ولن نقبل الابتزاز السياسي.
ما هي الترجمة الحقيقية للمواقف الدولية المعلنة في إطار استكمال مسيرتكم نحو الحرية والاستقلال؟
نوّد في هذا المجال أن نتقدم بالشكر والامتنان لكل الدول التي وقفت إلى جانب الحق والعدل والسلام ورفضت القرار الأمريكي الذي نؤكد مرة أخرى أنه حبر على ورق ولن يغير على أرض الواقع شيء، المواقف الدولية تؤكد على الحق الفلسطيني وهي نتاج جهود فخامة الرئيس محمود عباس والدول الصديقة والدبلوماسية الفلسطينية التي ندعمها بكل السُبل. المرحلة القادمة هي تجسيد واقع الدولة الفلسطينية واعتراف دول العالم بدولة فلسطين وعاصمتها القدس الشرقية وقد شهدنا اعترافا بالدولة من عدة برلمانات أوروبية وسنستمر إلى حين تحقيق حلم الدولة الفلسطينية واقعًا على الأرض.
ما دور الحكومة في دعم صمود المقدسيين وما العقبات أمامكم، وهل تعانون عجزا في تعزيز الوجود الفلسطيني في القدس؟
الحكومة الفلسطينية تعمل بشكل حثيث لدعم صمود المواطنين المقدسيين وقد سخرّت كافة إمكانياتها لخدمة مواطنينا في القدس وكان آخرها تخصيص 25 مليون دولار لدعم المؤسسات المقدسية وتعزيز صمود المواطن المقدسي.
كل امكانيات الحكومة وبتوجيهات من الرئيس أبو مازن نسخرها للقدس ولتعزيز الصمود الفلسطيني في العاصمة، على سبيل المثال لا الحصر فإن الحكومة تعطي الأولوية لدعم مستشفيات القدس من خلال دائرة شراء الخدمة والتحويلات الطبية، كما تجدر الإشارة إلى تشكيل الرئيس لجنة طوارئ (اللجنة العليا للقدس) برئاسة فخامة الرئيس وتجتمع بشكل دوري برئاسة رئيس الوزراء للبحث في إمكانيات تعزيز الصمود الفلسطيني في القدس.
كما تعمل الحكومة من خلال مختلف الوزارات على التسهيل على المواطنين المقدسيين في كل المعاملات المطلوبة وقامت بدفع مبالغ مقطوعة للتجار المقدسيين مؤخرًا. يُمكن القول إن الحكومة تضع في أولويات خططها دعم القدس، ثم تبني بعد ذلك خططها المالية الأخرى.
كيف تواجه حكومتكم مشاريع الاستيطان المتنامية في الضفة والقدس؟
حكومة نتنياهو اليمينية تعمل على تغيير الواقع الديمغرافي وتستمر بعمليات الاستيطان غير الشرعي، نحن من جهتنا نقدم كل الإمكانيات المتاحة لهيئة مقاومة الجدار والاستيطان التي تعمل على فضح الممارسات الإسرائيلية، كما تقدمت القيادة الفلسطينية بمشروع لإدانة الاستيطان الذي يتعارض مع القانون الدولي والشرعية الأممية، نقوم بتعزيز العمل والاستثمار في المناطق المُسماة (ج) ونعمل بكل إمكانياتنا لاستصلاح الأراضي هناك وتشجيع المستثمرين للاستثمار رغم العراقيل الإسرائيلية المستمرة والمحاولات الدءوبة لحكومة الاحتلال لثنينا عن ذلك.
في أجندة السياسات الوطنية ركزت الحكومة على التنمية والتطوير في مناطق (ج) ويُمكن رصد انجازات الحكومة الكبيرة في تلك المناطق والتي تؤسس لبنية تحتية للدولة الفلسطينية المنشودة، حيث قمنا بتشكيل لجنة فنية لوضع السياسات وتحديد الأولويات والإشراف على التدخل في المناطق المسماة (ج) وتضم اللجنة غالب الوزارات والهيئات في الحكومة، وتعمل اللجنة بتنسيق كامل مع الجهات المختصة لتمكين المواطنين في المناطق المذكورة، وكذلك تشجيع الاستثمار هناك والعمل وفق أجندة السياسات الوطنية التي أقرّت تمكين الاستثمار في المناطق (ج) وكذلك العمل على تحشيد التدخل القانوني للمناطق المذكورة وكذلك تطوير الهيئات المحلية في تلم المناطق.
مؤخرا أعلنتم أن موارد الحكومة من المنح الدولية تراجعت، وما هي الدول التي تراجعت عن دعم الحكومة وما مبرراتها؟
المنح الدولية والدعم لخزينة الدولة تراجع بنسبة كبيرة في الأعوام الأخيرة، وقد زادت حدة التراجع عن الدعم لخزينة الدولة بعد قرار القيادة الفلسطينية الانضمام للمؤسسات الدولية والحصول على اعتراف الجمعية العامة للأمم المتحدة بفلسطين كدولة مراقب.
بعض الدول وجهت مساعداتها لدول ومناطق منكوبة في الإقليم وتبرر انخفاض مساعداتها لخزينة الدولة بذلك.
مثال على ذلك، فإن بعض الدول التزمت في مؤتمر القاهرة لإعادة إعمار غزة بتعهدات لم يصل منها إلا 36.5% فقط من مجموع التعهدات، ورغم ذلك قامت الحكومة بإعمار كل المناطق المهدمة جزئيًا و82% من المنازل المهدمة كليًا ولا تزال الحكومة مستمرة بعملية إعادة الإعمار.
الحكومة تعمل على تعزيز الاعتماد على الموارد الذاتية ونجحت في تعزيز الاستثمار ومكافحة التهرب الضريبي وتعمل وفق أجندة السياسات الوطنية للوصول إلى نموذج الاعتماد على الموارد الذاتية، ونؤكد في هذا السياق أنّ الاحتلال الإسرائيلي السبب الرئيسي في عدم الوصول إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي للموازنة، حيث أن الاستثمار في المناطق المسماة (ج) والاستفادة من الموارد الطبيعية فيها واستصلاح الأراضي في الأغوار يعزز الموارد المالية، لكن الاحتلال يعمل على وضع العراقيل في كل يوم بوجه الحكومة.
لك أن تتخيل أنّ الاحتلال يحصل على نسبة 3% من إيراداتنا الضريبية التي يقوم بتحصيلها بالنيابة عنا كقوة احتلال، ولكم أن تعلموا أن الاحتلال منعنا من الاستثمار في حقل بترول رنتيس الواقع في المناطق المسماة (ج) رغم جهوزيتنا الكاملة للتنقيب عن البترول في الحقل المذكور.
كما يمنع الاحتلال الحكومة من الاستفادة من غاز غزة، لكننا نعمل في الآونة الأخيرة على تغيير الشركة التي تقوم بالتنقيب عن الغاز لنتمكن من الاستفادة منه في مواردنا الذاتية.
ورغم كل العقبات التي تواجهها الحكومة فقد تمكنا من تخفيض الدين الخارجي بقيمة مليار دولار ونعمل وفق خطط مالية مرسومة على تخفيض الدين الخارجي قدر الإمكان.
ما هي أهم العقبات التي تواجه موازنة 2018، وهل قطاع غزة حاضر فيها؟
قطاع غزة لم يغب منذ أحد عشر عامًا عن موازنات الحكومات المتعاقبة، وقد صرفت الحكومة ما يقارب 16 مليار دولار منذ الانقسام الفلسطيني في 2007. وتواجه الحكومة عقبات متعددة أهمها تحكم الاحتلال في أموال الضرائب التي يحاول ابتزازنا فيها من خلال حجزها ووقف تحويلها للضغط على القيادة الفلسطينية في مواقفها.
إلى أين وصلت عملية المصالحة، وما العقبات الحقيقية التي تعرقلها؟
هناك قرار من الرئيس محمود عباس والقيادة الفلسطينية بأن لا رجعة عن المصالحة الفلسطينية الداخلية. المصالحة قرار استراتيجي ونحن مقبلون عليه بكل ما أوتينا من قوة. نؤكد أن أهم العقبات التي تواجه المصالحة هي مراكز القوى التي تعارض إنهاء الانقسام والتي ستتضرر مصالحها بفعل المصالحة وتوحيد مؤسسات الوطن.
حتى اللحظة هناك بعض العقبات التي تواجه عملية تمكين الحكومة من تسلم كافة مهامها في قطاع غزة وأهمها جباية الضرائب الداخلية وتمكين الوزراء من ممارسة مهامهم بشكل كامل، كما أن التمكين الأمني مطلوب لإدارة المؤسسات والوزارات بالشكل المطلوب، فالتمكين يعني أن تقوم الحكومة بمهامها في غزة كما تقوم بها في رام الله.
لدى حركة حماس مخاوف إقصائها من الشراكة في إدارة الشأن العام.. بماذا تردون؟
لا يمكن إقصاء أي تنظيم فلسطيني من الشأن العام، حماس جزء من الشعب الفلسطيني، لكن الشراكة لا تعني المحاصصة، فلا معنى لتأسيس قواعد لمؤسسات الدولة الفلسطينية إن بُنيت على أساس حزبي وعلى أساس المحاصصة، ولا بُدّ من بنائها على أسس مهنية عملية.
حركة حماس تخشى على الموظفين الذين عينتهم في عهد حكومتها المقالة.. ورغم تطميناتكم بعدم ترك أي موظف في الشارع.. كيف يمكنكم استيعاب أكثر من 30 ألف موظف؟
لا تزال اللجنة الإدارية القانونية تعمل، ومن المفترض أن تُنهي أعمالها نهاية شهر جانفي، لن نترك أي موظف في الشارع، لكن هذا لا يعني أن يتم دمج واستيعاب كل الموظفين المذكورين، لكن ستكون هناك حلول خلاقة وذكية للجميع ولن نترك أي شخص في الشارع.
ما هي ضوابط معالجة ملف الأمن في غزة المتشابك مع ملف المقاومة؟
الحكومة أداة تنفيذية لما تتفق عليه حركتا فتح وحماس وكافة الفصائل الفلسطينية، وحسب ما طلعت من تصريحات فلم يأت أي طرف على فتح ملف (سلاح المقاومة)، أما الملف الأمني فهو يحتاج للمعالجة المهنية بشكل يليق بضرورة بناء مؤسسة أمنية وطنية لا تقوم على أسس حزبية. عندما توجهت لقطاع غزة مؤخرًا قمت بزيارة وزارة الداخلية هناك وبحثت مع الجهات المختصة كيفية البدء بتمكين العمل الحكومي من الأجهزة الأمنية (المدنية) كالشرطة والدفاع المدني، وبدأنا بطرح أفكار وتقديم رؤى خاصة بالملف الأمني كي نتمكّن من العمل في المؤسسات والوزارات في القطاع بشكل مهني ومؤسساتي.
في حال تمكنكم من العمل في القطاع، ما هي أهم المعالجات بحوزتكم للوضع شبه المنهار.. خاصة في ملف البطالة؟
الحكومة تعمل بكل إمكانياتها للتخفيف عن المواطنين في قطاع غزة، ولدينا خططًا جاهزة لذلك. البطالة من أهم الملفات التي تواجه خريجي الجامعات بشكل خاص وليس في قطاع غزة فقط، بل في الضفة أيضًا، وقد بدأنا ومن خلال وزارة التربية والتعليم على تشجيع التعليم المهني كون السوق الفلسطيني بحاجة إلى تخصصات مهنية وأُشبع بخريجي التخصصات الأكاديمية.
لذلك فإن أجندة السياسات الوطنية عالجت هذه المشكلة من خلال تشجيع وتوجيه الطلبة نحو التخصصات المهنية من جهة، والعمل على فتح أسواق عمل خارجية، وكذلك تشجيع الاستثمار في القطاع الخاص للتخفيف من البطالة.
في القطاع على وجه الخصوص عملنا من خلال وزارة العمل على توجيه مشاريع للحد من بطالة الخريجين وقد تم تشغيل ما يقارب 10 آلاف خريج في تلك المشاريع بالشراكة مع مؤسسات دولية، وسنعمل على تعزيز وتكثيف ذلك لتجهيز الخريج لسوق العمل الذي إن تم تمكين الحكومة في القطاع بشكل كامل ستكون هناك مجالات أوسع بالتأكيد للاستثمار وعمل الشركات الخاصة ما سيساعد في خفض نسبة البطالة بين الخريجين.
أبرز أوجه المعاناة في قطاع غزة التي تمس كل مواطن ملف الكهرباء.. كيف ومتى يمكن إيجاد حلول حقيقية؟
أعلم تماما أن المشكلة الأولى لدى المواطنين في قطاع غزة هي الكهرباء والحكومة، وحتى تاريخه تدفع شهريا (50 مليون شيكل) ثمنا للكهرباء في قطاع غزة وعلى مدار الأعوام الماضية قامت الحكومة برفع ضريبة البلو عن السولار المورد لمحطة التوليد وكذلك تدفع الحكومة ثمن خطوط الكهرباء الواردة للقطاع من إسرائيل أو من مصر، لكن المشكلة الحقيقية التي تواجهنا أن الإيراد الخاص بأثمان الكهرباء لا تغطي النفقات التي تدفعها الحكومة هناك، 80 مليون شيكل شهريا يجب أن تُجمع من المستهلك، ولكن لا يتم جمع هذه المبالغ، فتحسين وضع الكهرباء مرتبط ارتباطا وثيقا بتحسين الجباية، في الحكومة عملنا وسنعمل على تحسين وضع الكهرباء في قطاع غزة ولن ندخر جهدا في ذلك.
كيف تسير علاقاتكم مع الحكومة الجزائرية، وما هي أبرز مجالات التعاون؟
أستغل لقائي معكم لتوجيه رسالة شكر وتقدير وامتنان للجزائر رئيسًا، حكومًة وشعبًا على ما قدموه ويقدموه للشعب الفلسطيني، علاقاتنا مع الحكومة الجزائرية مميزة وتربطنا علاقات مميزة في كل المجالات، ومؤخرًا تم توقيع عدة اتفاقيات مع الحكومة الجزائرية. والجزائر هي الدولة العربية الوحيدة إضافة للمملكة العربية السعودية الملتزمة بدفع المخصصات الشهرية لموازنة الحكومة الفلسطينية.
رسالتكم للجزائر حكومة وشعب؟
لا يسعنا باسم فخامة الرئيس محمود عباس وباسم الشعب الفلسطيني إلا أن نشكر الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة والحكومة الجزائرية والشعب الجزائري على ما يقدمونه للشعب الفلسطيني في كل المجالات.


