الجزائر والصورة المضادّة لفرنسا: كيف ولماذا؟
كلما تَمَاهت الجزائر مع الصورة الذهنية الثقافية والشعورية واللغوية الفرنسية كلما عادت القهقرى إلى الوراء وألغت عقودا بل قرونا من الكفاح لأجل التميّز بثقافتها وشخصيتها وتاريخها عن الغرب.. وبقدر هذا التماهي في صورة الآخر الفرنسي بقدر فقدان القدرة على اتخاذ القرار المستقلّ والوجودي إن على الصعيد الاقتصادي أو السياسي. ولعل هذا ما نعيشه اليوم من محاولة إلغاء ما تبقى من تلك الصورة الثقافية والذهنية المستقلة التي نمتلك عن أنفسنا من خلال ما يُعَدّ له من إصلاحات في مجال التعليم غايتها الأخيرة إلغاء كلُ تَشكيلٍ للعقل الجزائري على أساس من العودة إلى الذات والتميُّز الثقافي صانع التقدم والانعتاق البعيد عن التغريب.
هناك مَن يَعمل بوعي كامل لكي لا تتميّز الجزائر ثقافيا عن فرنسا حتى لا تَتَشَكَّل في صورة المنافس الذي لا تريده أن يُضادّها في سياساتها الهادفة للدفاع عن نفسها أو للهيمنة على المنطقة. الجزائر وكل المنطقة المغاربية هي المجالُ الحيوي المتبقي للسياسة الفرنسية في إفريقيا وفي العالم، من خلالها تُعبِّر عن كونها قوّة على المستوى العالمي، وبدونها لا يمكن أن تَدَّعي تجاوز الأسوار الأوروبية، حيث لا تستطيع منافسة أقرانها مثل ألمانيا وبريطانيا…
المجال المغاربي هو وحده الذي يُمكِّن فرنسا من أن تكون أقوى من الأوروبيين الآخرين، ولذلك تجدها تحرص كل الحرص ألا يَفلت من أيديها، سلاحها في ذلك هو التغريب من خلال الطوق الثقافي واللغوي الذي ينبغي أن يَبقى مُحكمَ الإِطباق ولا يَعرف أي ارتخاء.. وهو ما فعلت خلال الحقبة الاستعمارية، وما عَملت وتعمل لتكريسه اليوم، رغم بعض المقاومة هنا وهناك…
ينطلق الفرنسيون عند تَمَثُّل الآخرين وخاصة “نحن” في الضفة الجنوبية من تلك الدروس التاريخية التي تركها الساسة عبر صراعهم مع الجنوب منذ العهد الروماني، وبدرجة أولى من ذلك الإرث الثقافي الذي تركه المستشرقون الذين اضطلعوا بفهم “الآخر” ثقافيا وتاريخيا ونفسيا، وإذا كانت الموسوعات قد حفظت لنا طبيعة النِّزال بين “نوميديا” و”روما” وطبيعة الدور الذي لعبته في التأثير على الحضارة الغربية ـ بما في ذلك على الديانة المسيحية ذاتها من خلال الدور الكبير الذي لعبه القديس أوغسطين ـ فإن العشرات من المستشرقين الذين تخصَّصوا في مختلف الميادين قد ساهموا في تشكيل التَّمَثُل الفرنسي لنا، وفي الغالب ما كان تمثلا يقضي بأننا في حاجة إلى أن نُنقل من مستوى ما دون الحضارة، إلى المستوى الحضاري، لأننا على حدّ وصف كارل ماركس للفلاحين الفرنسيين “لا يستطيعون تمثل أنفسهم ولا بد أن يمثلهم أحد” (ماركس: 18 من برومير لويس بونابرت)…
من “دي توكفيل” إلى “رينان” إلى “ماسينيون” و”جاك بارك”… إلى الاستشراق المعاصر المتمثل في العمل الجماعي لمراكز البحث والجامعات، استمرت النظرة الغالبة في العمق الفكري الفرنسي تُفيد أننا دون مستوى الحضارة، وفي حاجة إلى الارتقاء من خلال اللغة والثقافة الفرنسيتين إلى مصافِّ الدول المُتَمَدينة… وبدونهما ـ وخاصة إذا كان من خلال اللغة العربيةـ لن نستطيع التقدّم…
وتمكّنت الأداة الثقافية الفرنسية من جعل فئة من الجزائريين تعتنق هذه الحقيقة المفروضة فرضا ولا تجد نفسها إلا من خلالها (منذ الحقبة الاستعمارية وإلى اليوم)، فعناصرها من الرجال والنساء لا يجدون أنفسهم إلا وهم يَتمَاهون مع الفرنسي في كل شيء لغةً وسلوكا ومبادئ، غير هذا يعتبرون أنفسهم لا شيء بل ويحتقرونها عندما تتذكر ـ لاإرادياـ في بعض المواقف أنها ذات جذور يحتقرها الفرنسي أو يَنظر إليها من قبيل بقايا الماضي… إلى درجة أن بعضهم يَسعد عندما يقول: “لا أجد نفسي إلا في الثقافة واللغة الفرنسيتين”، ولا يعتبر أنه يمكن أن يوجد بدونهما، وخير نموذج على ذلك هو ذلك الإصرار المستمرّ على التمسك بالتعليم الفرنسي، وذلك الارتباط المطلق به، والعودة باستمرار إلى مناهجه وطرقه وخبرائه، وإلى من يُدافع عنه على المستوى الرسمي والسياسي، وإن كان ذلك في مستوى وزارة استراتيجية كوزارة التربية…
لقد تمّ بعد عقود من العمل الدؤوب إيصال أبنائنا إلى الاعتراف الصريح بأنهم عاجزون عن تطوير لغتهم أو ثقافتهم الوطنية، وعليهم في أحسن الأحوال أن يختاروا بين ثقافتين: إما الفرنسية وهي الأقرب، أو الأمريكية وهي التي تحتاج إلى شكلٍ آخر من الهيمنة، لقد تمّ إلغاء بديل النهضة الذاتية تماما، وأصبح الحديث عن اللغة العربية مُرادفا للحديث عن الارتباط بالعرب المتخلفين المتصارعين غير القادرين على الاتفاق فيما بينهم… أما الحديث عن الأمازيغية فهو من الترف الثقافي الذي لا يُفيد إلا في مجال التَّميز عن العربي المتخلف الغازي وغير القادر على النهوض من كبوته، أبدا ما تمّ النظر لا إلى العربية ولا إلى الأمازيغية ضمن إطار التميّز عن الآخر لبناء ذاتٍ متفوّقة عليه، باستمرار هناك سعيٌ لإبقاء أي تفكير في هذا المجال ضمن الحدود الدونية التي لا تُخرِج العربية عن كونها لغة الأدب والشعر، والأمازيغية عن لغة الغناء والفلكلور، ليس هناك أيّ مجال للتفكير في جعل أي منهما لغة العلوم والتكنولوجيا لأن إحداهما عاجزة عن مواكبة العصر، والأخرى مازالت في طور الإحياء…
وهكذا يتمّ تكريس الدونية للآخر، ومَنع أي محاولة للشعور بالقدرة على تجاوزه ثقافيا، فما بالك أن يتم التفكير في ذلك على المستويين العلمي والتكنولوجي والسياسي في آخر المطاف؛ فالهوة ينبغي أن تكبر أكثر والأمل في ذلك ينبغي أن يزول.
ولعل هذا ما أصبح مقبولا لدى فئة من سياسيينا الذين تبوأوا أماكن مرموقة في مستوى اتخاذ القرار، لا مجال للتفكير في أن تتشكل الجزائر في صورةٍ مخالفة لما تريده فرنسا، فما بالك في صورة ندِّية لها، لأنها لا تستطيع من منظورهم، ولن تستطيع ذلك حتى ولو أرادت.. هناك نظرة دونية وصورة ذهنية ثابتة لديهم أننا هكذا ينبغي أن نكون ولا مجال للمزايدة والبحث عن البديل، في تعبير واضح على الشعور بالاستسلام للهيمنة الثقافية وللتفوّق الأوروبي وللسلطة الفكرية التي هي علينا من قبل الفرنسيين…
ألم يعُد شائعا اليوم أننا لا يمكن أن نفعل أي شيء بدون الفرنسيين، وأنهم هم الذين يحكمون من خلف الستار أو من أمامه، وأنه باستطاعتهم إحداث التغيير الذي يريدون، وتحديد الوجهة التي ينبغي أن تكون لبلدنا…؟ ألم يعُد من العسير علينا اتخاذ موقف وطني واضح من شأنه أن يتضارب مع المصالح الفرنسية ولو كان مع الأمريكيين؟
تلك حقائق أصبحت تتجلى اليوم في سلوك أكثر من مسؤول، ينبغي علينا تداركُها إذا أردنا استعادة سيادتنا وهيبتنا بحق، وأول ما ينبغي أن ننتصر فيه هو فكّ ذلك التّماهي مع الثقافة الفرنسية، ووضع حد لثقافة الهيمنة التي تفرضها اللغة الفرنسية، وكسر ذلك الحاجز النفسي الذي تم تكريسه بداخلنا أننا لن نستطيع فعل شيء بدون الفرنسيين، وأننا لن نتمكن من البقاء إذا ما أردنا تشكيل صورة عن أنفسنا مختلفة عن تلك التي يضعها الفرنسيون لنا فما بالك أن تكون مضادة لهم.
ألم يعُد شائعا اليوم أننا لا يمكن أن نفعل أي شيء بدون الفرنسيين، وأنهم هم الذين يحكمون من خلف الستار أو من أمامه، وأنه باستطاعتهم إحداث التغيير الذي يريدون، ألم يعُد من العسير علينا اتخاذ موقف وطني واضح من شأنه أن يتضارب مع المصالح الفرنسية ولو كان مع الأمريكيين؟