الحافلة… متى تسير؟
صار استثناءً أن يمرّ يومٌ، من دون أن يُعلن فيه الحداد في ولاية ما في الجزائر، بسبب حادث مرور تكون بطلته حافلة تقلّ أفرادا، ذنبهم الوحيد أنهم ركبوا وسيلة نقل ثقيلة، كان في زمن سابق كل من دخلها فهو آمن. وصار من المؤكد أن المشكلة ليست في قِدَم الحافلات وحالة عجلاتها ونقص قطع الغيار، وإنما في سائقيها الذين تعددت بالنسبة إليهم تواريخ نشأة الحافلات وماركاتها.. والموت واحد.
تكاد تنتصر الجزائر على كل أشكال الإرهاب من مسلح وفاسد وبيروقراطي، ولكنها صراحة مازالت عاجزة أمام إرهاب الطرقات، فكلما ضاعفت من نشاطها التحسيسي وقوانينها الردعية وضخت في الطرقات الحواجز والدوريات، ورمت قضية الحوادث في المدارس والملتقيات ووسائل الإعلام والمساجد، واصل منحنى الموت والإعاقة وتحطيم وسائل النقل صعوده إلى الأعلى، حتى صارت الجزائر في مقدمة دول العالم في حوادث السير من الدراجة النارية إلى الحافلة، مرورا بالسيارات السياحية والنفعية والشاحنات.
وكل الإحصاءات التي تتفضَّل بها شهريا مصالح الحماية المدنية والدرك الوطني في كل الولايات، تشير إلى أن الجانب البشري هو المتسبب الأول بنسبة تكاد تكون كاملة في حوادث المرور، حتى وإن كانت هناك أسبابٌ أخرى تتعلق بحالة الطرقات ونوعية قطع الغيار والسيارات والأحوال الجوية. وللأسف فإن كل الطرق التي استُعملت من أجل كبح عداوة السائق لمِقود السيارة، ولقوانين السياقة، باءت بالفشل الذريع.
يقولون منذ زمن بعيد وفي بلاد كثيرة: فن السياقة، أو متعة السياقة، فالتعامل مع المرْكبة يجب أن يكون فسحة تريح البال، فما بالك أن تكون السياقة عبر حافلة تضم عائلات بأطفالها ونسائها، وتتوجَّه إلى فندق سياحي أو شاطئ بحري في ليلة صيف مُقمرة، إذ من المفروض أن يندمج السائق في أجواء الفرح، فيقود حافلته بأهداف الرحلة السياحية التي طلبها الركاب من أجل الراحة وليس لأجل الموت، بل إن الحافلة في إحصاءات عالمية هي وسيلة النقل الأقل تعرُّضا للحوادث المميتة.
هناك مهنٌ كثيرة سقطت أسيرة بيد غير أهلها، ومنها سياقة الحافلات، وإذا كانت حافلات قسنطينة وبومرداس والنعامة قد نقلت الكارثة إلى العلن، فإن الوباء يعود إلى سنوات بعيدة، منذ أن فُتح النقل الجماعي عبر الحافلات في وجه الخواص، فصارت السياقة مهنةَ من لا مهنةَ له، وفي الغالب لمن له مهنة عنيفة، فتراه يتشاجر في قلب الحافلة ويناور ويغامر ويقامر بالركاب، وأحيانا يملأ رأسه بالمهلوسات في رحلات الليل الطويلة.
منّ الله على الجزائر بأرض شاسعة، يستوجب قطع بعض طرقاتها عبر الحافلة، ثلاثة أيام بلياليها، ومثل هذه المهمات لا تتطلب حامل رخصة سياقة ثقيلة، ولا سلامة بدنية ورؤية جيدة، وإنما ضميرا وخوفا من الخطأ قبل الخوف على النفس ونفوس الراكبين.
منذ أكثر من أربعين سنة أمتعنا المخرجُ الجزائري محمد زياني شريف والراحل عز الدين مجوبي، بمسرحية مقتبسة من أعمال إحسان عبد القدوس بعنوان “حافلة تسير”، تحكي أحلام مواطن، لا تزيد عن عيش كريم ونقل آمن، وهو الحلم ذاته الذي يعيش لأجله مواطن مازال يتمنى أن يرى حافلة.. تسير، وفقط.