الدكتور محمد العربي الزبيري.. مدرسة التاريخ الوطني
قبل عدة أعوام كتبتُ مقالا تحت هذا العنوان عن الصديق الأستاذ الدكتور العربي الزبيري رحمه الله الذي شاءت قدرة العلي القدير أن يغادرنا في الأول من أكتوبر الجاري، أي قبل شهر كامل على الأول من نوفمبر من دون أن يتمكن من حضور حدثٍ كم كان عزيزا عليه وهو احتفالات الذكرى السبعين لثورة أول نوفمبر 1954، ذلك اليوم المشهود الذي كان سي العربي واحدا من رجالاته من تلك الصفوة من أولئك الشهداء والمجاهدين الذين قد قرروا من خلاله التضحية بكل ما يملكون من نفسٍ ونفيس لاستعادة استقلال هذا الوطن ومن ثمة استعادة بناء الدولة الوطنية كما حلم بها أولئك الرجال والنساء .
وقد ارتأيت أن ألخّص لكم ذلك المقال وأقوم بهيكلته من جديد وتعديل بعض ما جاء فيه بحق هذا المجاهد الثائر الذي التحق بالثورة في ريعان شبابه.
كان هذا المناضل الشرس من أبرز مفكري جبهة التحرير وواضعي الكثير من نصوصها وأدبياتها بعد استعادة الاستقلال، وكان أستاذا بارزا في علم التاريخ عرفته الجامعة الجزائرية مدافعا صلبا من أجل التأسيس لمدرسة وطنية للتاريخ حتى اعتبره البعض فارس التاريخ الوطني لما تركه من مؤلفات وما استحدثه من منظومة قيم وأفكار ومن تحديد للمصطلحات، بل إن الرجل كان أول من سعى لفتح أول فرع لدراسة التاريخ بجامعة الجزائر.
كان سي العربي لا يتلاعب بمنظومة المفاهيم ويعمل على استخدام المصطلحات استخداما دقيقا، فهو يرفض أن يقال إننا نِلنا استقلالنا، بل يلحّ في القول إننا استرجعنا استقلالنا وافتككناه افتكاكا، وهو يؤكد أننا قمنا بثورة هي أعظم ثورة في القرن العشرين، ولم نقم بحرب كما يقول بعض المستلبين ثقافيا وفكريا.
لقد كان هذا المناضل الشرس من أبرز مفكري جبهة التحرير الوطني وواضعي الكثير من نصوصها وأدبياتها بعد استعادة الاستقلال، وكان أستاذا بارزا في علم التاريخ عرفته الجامعة الجزائرية مدافعا صلبا من أجل التأسيس لمدرسة وطنية للتاريخ حتى اعتبره البعض فارس التاريخ الوطني لما تركه من مؤلفات وما استحدثه من منظومة قيم وأفكار ومن تحديد للمصطلحات، بل إن الرجل كان أول من سعى لفتح أول فرع لدراسة التاريخ بجامعة الجزائر وجابه من أجل ذلك كل العراقيل قبل أن يصبح للتاريخ مكان بارز في مختلف جامعات الوطن تتولاه نخبة من الأساتذة الدكاترة الذين كان عدد منهم من طلبة الدكتور العربي زبيري رحمه الله وجزاه خير الجزاء عما فعل من أجل الجزائر ومن أجل تاريخها المجيد.
ولئن كنا قد تعوّدنا أن نُرثي الأموات بعد رحيلهم فإن الدكتور العربي حتى وإن رحل عنا جسدا، فإنه سيبقى حيّا بيننا بما خلّفه من أفكار وكتب وبما نستحضره له من مواقف نضالية وفكرية.
تعوّدنا أن تأتي الكاميرات لجنازات بعض الراحلين فتنقل كلمات التأبين عنهم للناس وتنعتهم بكل أوصاف الوطنية والثقافة أو العلم أو الجهاد بعد أن تم تناسيهم قبل ذلك وهم أحياء عدة عقود من الزمن، وربما تكون قد صدرت بحقهم كثير من أوصاف الإساءة لهم وتحقيرهم إن لم يكن قد تم تخوينهم أو تهميشهم أثناء حياتهم، فتأتي جل تلك الكلمات بعد وفاتهم بما فيها من النفاق والرياء الذي تنفر منه النفوس الأبيّة.
لم تستهو هذا الرجلَ لا المناصب ولا المكاسب، بالأمس عرفته جبال الجزائر أثناء ثورة أول نوفمبر شابا مجاهدا يمتشق السلاح وهو دون السابعة عشر من عمره، ثم فضَّل بعد استعادة الاستقلال أن يكون مناضلا بفكره وقلمه ولسانه.
كان سي العربي لا يتلاعب بمنظومة المفاهيم ويعمل على استخدام المصطلحات استخداما دقيقا، فهو يرفض أن يقال إننا نِلنا استقلالنا، بل يلحّ في القول إننا استرجعنا استقلالنا وافتككناه افتكاكا، وهو يؤكد أننا قمنا بثورة هي أعظم ثورة في القرن العشرين، ولم نقم بحرب كما يقول بعض المستلبين ثقافيا وفكريا، لأن الحرب تقوم بين طرفين متكافئين في السلاح والعتاد والرجال، فالآخرون كانوا يمتلكون جيشا جرارا يمتلك كل أدوات الدمار، بينما كان ثوارنا رجالا لا يمتلكون سوى إيمانهم بالنصر وأسلحة بسيطة بعضها كان مخصصا للصيد.
كان هذا الرجل الدكتور الحامل لأكثر من شهادة في أكثر من تخصص يسافر برا شرقا وغربا، شمالا وجنوبا محاضرا أو مشاركا في ندوة حول التاريخ، وكان لا يغيب عن أيّ ندوة أو ملتقى إن تمت دُعي لإلقاء محاضرة أو لحضور مناقشة رسالة دكتوراه حول التاريخ في أي جامعة من أرض الوطن.
وما أظن أن الرجل قد فشل في مسعاه، وقد رأيتُ كثيرا من الكفاءات من طلبته الحاملين لأعلى الشهادات ولديهم قدرة فائقة على الحماس، وهم يؤطرون اليوم مختلف أقسام التاريخ في الجامعات والمراكز المختلفة يبحثون ويدققون في الوثيقة ويسافرون لأبعد نقطة في العالم من أجل وثيقة مكتوبة أو مقروءة أو مسموعة تهم تاريخ الجزائر.
على العكس من ذلك أحس أن الراحل نجح، والدليل هو هذا التوجس بل الخوف الفرنسي من تاريخ الجزائر الذي أصبح قنبلة موقوتة بالنسبة لهم وليس لنا، وقد بات مسؤولوهم مرعوبين من الكشف عما ارتكبته الأيادي الآثمة لمجرميهم في الجزائر .
ما أظن أن الرجل قد فشل في مسعاه، وقد رأيتُ كثيرا من الكفاءات من طلبته الحاملين لأعلى الشهادات ولديهم قدرة فائقة على الحماس، وهم يؤطرون اليوم مختلف أقسام التاريخ في الجامعات والمراكز المختلفة يبحثون ويدققون في الوثيقة ويسافرون لأبعد نقطة في العالم من أجل وثيقة مكتوبة أو مقروءة أو مسموعة تهم تاريخ الجزائر.
لتهنأ يا دكتور الزبيري وأنت في قبرك، وتأكد أن التاريخ لن يُطمس مهما حاول العابثون، إنه لن يكون مجرد قصة نحكيها للأجيال عن ماضينا ومقاوماتنا وثورتنا ضد المحتل، ولكنه سيكون كما أردتَ الضوء الذي سيبقى متوهجا ينير الطريق لكل الأجيال لكي ترى المستقبل بوضوح وجلاء.
منذ عرفته وقد سافرنا معا للعديد من جهات الوطن بقي الدكتور الزبيري شعلة من النشاط والحيوية والثورية التي سكنته مذ كان في ريعان شبابه، فعندما تجلس إليه في بيته أو في أي منتدى تحس بأن هذه القامة الفكرية والسياسية من مناضلي جبهة التحرير الوطني تنتابه كثيرٌ من الهموم والهواجس على مستقبل جبهة التحرير الوطني، فقد كان يشعر بكثير من الحماس في نقاشاته عن عديد القضايا الوطنية والسياسية والنضالية والثقافية والتاريخية.
نضال متواصل..
كان هذا المناضل الصِّدَامِي الذي لا يعرف المجاملات ولا أنصاف الحلول حتى مع الكبار، خصوصا عندما يتعلق الأمر بموقف وطني أو قومي ونضالي، إذ تجده يتحول إلى ثائر يصول ويجول في نقاش علمي مطبوع بفكره الثوري الذي جُبل عليه.
ولم يكن باستطاعة تلك الوعكة الصحية التي ألمت به قبل عشر سنوات أن تبعده عن عوالمه النضالية والسياسية والفكرية، فبمجرد تعافيه قام كالمارد وهو على كرسي متحرك، ثم وهو يمشي بواسطة العكاز يسعى لقهر المرض ويواجهه بإرادة قوية.
عايش سي محمد العربي مختلف الأحداث منذ استعادة الاستقلال الوطني وعرف الكبار وجلس إلى الرؤساء الراحلين أحمد بن بلة وهواري بومدين والشاذلي بن جديد وعلى كافي ومحمد بوضياف، كما عرف الرئيسين زروال وعبد العزيز بوتفليقة.
عمل مع مختلف قيادات جبهة التحرير الوطني، وكان مسؤولا مع البعض، واختلف مع البعض الآخر ورفض العمل معهم.
رفض الوزارة والسفارة معًا، وغادر المنصب وهو في أوج العطاء رغم إلحاح الرئيس الشاذلي بن جديد رحمه الله عليه بمواصلة العمل، خصوصا بعد أن شعر الرئيس أن قرار سي العربي بالتقاعد المبكر كان تضامنًا مع صديقه محمد الشريف مساعدية بعد تنحيته من الحزب عقب أحداث أكتوبر 1988 .
في نهاية عام 1957 وبعد أن تجاوز السادسة عشر من العمر، التحق بالثورة بواسطة أحد أخواله الذي كان مسؤولا بالمنطقة، وتم إرساله لتونس قبل أن يلتحق بالقاعدة الشرقية التي كان على رأسها المجاهد الراحل علال الثعالبي، وبقي هناك إلى غاية استعادة الاستقلال الوطني في 1962.
عمل تحت قيادة محمد خيضر والحاج بن علا والشريف بلقاسم وقايد أحمد ومحمد الشريف مساعدية، وكان صديقا وفيا لهذا الأخير وأحد أبرز مساعديه الأساسيين، لكن تلك الصداقة لم تمنعه كذلك من نسج علاقات صداقة متينة مع محمد الصالح يحياوي، خليفة الراحل مساعدية.
ومع ذلك، فقد امتنع سي محمد العربي عن مواصلة العمل مع صديقه يحياوي عام 1977 عندما عُين الأخير منسقا للحزب من طرف الرئيس الراحل هواري بومدين، ولكن سي العربي اقترح على سي يحياوي صديقا مشتركا هو محمد بلعيد ليكون مسؤول أمانة الحزب، وهو المنصب الذي كان سي العربي يتولاه مع الراحل مساعدية، فقبِل ذلك يحياوي من دون تردد .
الطفل القادم من ربوع الزيبان
وُلد العربي الزبيري في مدينة الفاتح العربي الإسلامي سيدي عقبة في ولاية بسكرة من ربوع الزيبان في الثامن أفريل 1941.
حفظ الطفل محمد العربي الزبيري القرآن الكريم على يد مشايخ المنطقة، وكان في الوقت ذاته تلميذا بالمدرسة الفرنسية، وأظهر تفوقا ونبوغا على باقي زملائه في القسم، ومن بينهم بعض الفرنسيين، إذ بالرغم من كونه كان الأول، فإن معلمه الفرنسي راح يفاوضه بأن يتخلى عن الجائزة الأولى التي كانت مخصصة له لصالح تلميذة فرنسية كي لا يقال إن هذا التلميذ “العربي” الذي ينتمي إلى (طائفة الأهالي) تفوّق على تلميذة فرنسية.
عندما سمع مدير المدرسة الفرنسية أن الطفل محمد العربي يزاول تعليمه كذلك بمدرسة تدرّس العربية، قام باستدعاء والد التلميذ العربي وخيَّره بين المدرسة الفرنسية أو المدرسة العربية، فاختار الوالدُ لابنه من دون تردد المدرسة العربية.
قام المدير الأوروبي باتخاذ قرار تعسفي يقضي بتوقيف التلميذ العربي عن الدراسة رغم أنه كان الأول في قسمه.
بقي التلميذ العربي محروما من الدراسة مدة شهر كامل إلى أن قامت معلمته الفرنسية بزيارة تلميذها في بيته، ولما سألته عن سبب غيابه أخبرها بما جرى له مع المدير، فقررت تلك المعلمة وقد تحركت فيها المشاعر الإنسانية إرجاعه للدراسة من جديد رغم أنف المدير.
في عام 1951 قرر الوالد الرحيل إلى مدينة الحَرُّوش حيث واصل ابنه العربي تعليمه التكميلي .
سجين في سن الـ14
عرف العديد من أطفال الجزائر مختلف ألوان العذاب، وذاقوا مرارة السجون والقمع والتنكيل والقتل على أيدي المحتلين، ولم تشفع لهم طفولتهم ولا براءتهم في ذلك .
قام عدد من أطفال الجزائر بأدوار بطولية، فنقلوا القنابل والرسائل للمجاهدين، وقدّموا المعلومات عن العدو .
كان الطفل محمد العربي الزبيري واحد من هؤلاء، ففي العشرين من أوت 1955 الذي شهد هجومات الشمال القسنطيني من طرف جيش التحرير الوطني في الشمال القسنطيني بقيادة الشهيد زيغود يوسف قامت القوات الاستعمارية برد فعل عنيف ضد المواطنين الجزائريين العزّل وارتكبت بحقهم أبشع المجازر.
كان الطفل محمد العربي صاحب الـ14 عاما في ذلك اليوم بالذات بالمسجد لأداء صلاة الظهر مع المصلين، إذ كان يداوم على الصلاة في مختلف الأوقات بالمسجد .
عندها قال له كريم بلقاسم: اسمع نحن نبحث عن الرجال الفحول من أمثالك ونقدّرهم .
راحت قوات الاستعمار المدججة بالمرتزقة تقتحم المسجد وتعتقل جميع المصلين الجزائريين بمن فيهم الطفل محمد العربي الذي بقي في الاعتقال مدة 48 ساعة .
كان قرار الوالد بعد اعتقال ابنه والمجازر الوحشية والتنكيل الذي طال آلاف المواطنين الجزائريين إثر هجومات الشمال القسنطيني، العودة إلى سيدي عقبة .
عندما عاد الطفل العربي صحبة أفراد عائلته إلى بلدتهم، كان يسمع همسا يدور داخل العائلة من أن فلانا أو فلانا -وهم من أخواله أو أعمامه- قد أصبحوا مجاهدين والتحقوا بالثورة في الجبال وتونس .
وهكذا ففي نهاية عام 1957 وبعد أن تجاوز السادسة عشر من العمر، التحق بالثورة بواسطة أحد أخواله الذي كان مسؤولا بالمنطقة، وتم إرساله لتونس قبل أن يلتحق بالقاعدة الشرقية التي كان على رأسها المجاهد الراحل علال الثعالبي، وبقي هناك إلى غاية استعادة الاستقلال الوطني في 1962.
وفي أعقاب استعادة الاستقلال، تم انتداب سي العربي إلى المحافظة السياسية للجيش الوطني الشعبي، لكنه قرر مغادرتها واختار النضال في صفوف جبهة التحرير الوطني .
خيضر يحثه على الدراسة
لم يكن سي محمد العربي يعرف المناضل محمد خيضر الأمين العام للمكتب السياسي مع استعادة الاستقلال، وعندما استقبله خيضر وراح يسأله عن سبب اختياره العمل في صفوف الحزب؟ راح الشاب محمد العربي يقول له :
إن السبب الرئيسي لاختياري هو أنت، لقد اقتنعت بعد الاستماع إليك بأنني سأستفيد منك.
وحينها يرد خيضر مستغربا ولم يكن قد التقاه من قبل: كيف؟
فيقول سي محمد العربي بكل تلقائية: لقد سمعتُ لك محاضرةً جعلتني أقتنع أن أعمل في الحزب إلى جانبك .
فسأله خيضر: ولكن هل لديك تجربة سياسية من قبل؟
يجيبه سي العربي بالنفي، فيقول له الراحل خيضر مبتسما: سأقبلك في الحزب ولكن بشرط واحد، وهو أن تسجّل في الجامعة وتواصل دراستك، وتأكدْ أنني لن أحاسبك عن العمل، بل سأحاسبك على الدراسة.
كان خيضر يريد أن يجعل الحزب مشتلةً للأفكار، وكانت الجامعة في رأيه القوة الأساسية المحركة التي تصنع الأفكار والبرامج وتهيئ لمستقبل الجزائر.
وهنا يذكر العربي الزبيري أن خيضر كان يصارحُه بأنه لا وجود لدولة قوية من دون حزب قوي.
كانت نصيحة خيضر دافعا للشاب محمد العربي الزبيري ليتابع دراسته وليبقى مناضلا بالحزب في الوقت ذاته .
الزبيري وإدماج التاريخ في الجامعة
انضمّ الطالب محمد العربي إلى الجامعة، فدرس في كلية الآداب، وحصل على شهادتي ليسانس من بينها شهادة الكفاءة للتعليم الثانوي، وشهادة ليسانس من المدرسة العليا للترجمة.
نال أول دكتوراه في 1972 حول التجارة الخارجية للشرق الجزائري في الفترة بين 1792 و1830.
وقد طُبعت هذه الأطروحة في كتاب من 350 صفحة .
كما نال شهادة دكتوراه عام 1973 في تحقيق حول كتاب “المرآة” لـحمدان بن عثمان خوجة الصادر في 1833.
ونال الدكتوراه الثالثة عام 1976 ضمن أطروحة بعنوان: الجزائر في عهد حسين داي .
ورغم مسؤولياته بالحزب وكتاباته، بقي وفيا للجامعة يُدَرِّس بها مادة التاريخ. بل إنه يمكن القول إنّ محمد العربي الزبيري كان وراء إدخال تدريس مادة التاريخ بالعربية إلى الجامعة الجزائرية، ومع ذلك فإنه يقول بكل تحسُّر إنه بالرغم من كل المحاولات، بما فيها محاولة الدكتور سعد الله رحمه الله، فإننا لم نتمكّن بعد من خلق مدرسة جزائرية للتاريخ.
وقد توجه إلى عميد جامعة الجزائر المرحوم بن شنب في النصف الأول من ستينيات القرن الماضي وقال له: أليس من العار أن تبقى جامعة الجزائر لا تُدرّس مادة التاريخ بالعربية ؟
لكن العميد قال له إنه لا وجود لا للطلبة ولا للأساتذة.
غير أن سي العربي أصرّ على أن هناك أستاذا يمكن له أن يقوم بتدريس هذه المادة للطلبة، وأنه سيأتي هو بنفسه بمجموعة من الطلبة لدراسة التاريخ .
ثم دار حوارٌ بينه وبين الزبيري عن موقفه من جماعة تيزي وزُّو وجماعة تلمسان، فقال محمد العربي للراحل كريم بلقاسم: يا سيدي الوزير تلمسان وتيزي وزو مدينتان جزائريتان، ولكن كلًّا من مجموعة تلمسان وتيزي وزو مخطئتان في صراعهما على السلطة.
وهكذا أقنع عددا من زملائه وأصدقائه من بينهم المرحوم محمد الميلي بأن يكونوا طلبة رغم أنهم كانوا حاصلين على شهادات جامعية، والبعض لم تكن لهم رغبة أصلا في دراسة التاريخ.
لكن سي العربي الذي كان يعرف قيمة التاريخ في حياة الأمة ومستقبلها نفَّذ خطته.
وهكذا جرى افتتاح فرع لدراسة التاريخ بجامعة الجزائر رغم أنف العميد.
في أعقاب الحركة التي قادها الراحل هواري بومدين في التاسع عشر جوان 1965 ضد الرئيس بن بلة، أسند بومدين بعد أن أصبح رئيسا لما عُرف بمجلس الثورة والحكومة مهمة منسق الأمانة التنفيذية للحزب للمرحوم الشريف الذي كان سابقا ضمن ما يعرف بـ”فريق وجدة”، ويقول عنه سي العربي بأنه رغم أنه لم يكن يعرف الحزب، إلا أنه كان ذا مواقف جريئة .
وبعد تنحية الشريف بلقاسم وتعيين المرحوم قايد أحمد المعروف بالرائد سي سليمان مسؤولا للجهاز المركزي للحزب في 1968، أسـند هـذا الأخير للعربي الزبيري مسؤولية عضو الأمانة مكلفًا بالطلبة.
ويصف سي محمد العربي الراحل قايد أحمد بأنه كان شخصية كاريزمية قوية ومناضلا وسياسيا محنكا وصاحب أفكار حزبية جريئة.
كان قايد أحمد يريد أن يجعل الحزب قوة سياسية لها دورها المحوري في شتى المجالات ..
وعقب الخلاف الذي نشب بين الرئيس الراحل هواري بومدين ورفيقه السابق في هيئة أركان جيش التحرير الوطني المرحوم قايد أحمد ومغادرة هذا الأخير أرض الوطن، تولى مسؤولية الحزب الراحل محمد الشريف مساعدية رحمه الله عام 1972.
“أسبرين” مساعدية
تعود العلاقة بين محمد الشريف مساعدية ومحمد العربي الزبيري إلى أفريل 1964، فخلال انعقاد مؤتمر الحزب دعا محمد الميلي كلا من مساعدية ومحمد العربي الزبيري إلى تناول العشاء في بيته .
وقبل ذلك طلب مساعدية من الميلي أن يُعِدَّ له ورقة لتفيده في الكلمة التي سيلقيها أثناء المؤتمر .
وهنا قال الميلي لمساعدية بأنه لا أحد يعرف الحزب أو يكتب لك ورقة تُقَيِّمُ أوضاع الحزب مثل محمد العربي.
ابتسم مساعدية ثم تأمَّل في وجه محمد العربي الذي كان قد بلغ الـ23 من العمر، وراح يهمس في أذن الميلي بصوت خافت متعجبا :
هذا “البزويش”؟! بمعنى هذا الطفل يُعِدُّ لي ورقة أفكار عن الحزب؟..
سمع محمد العربي ذلك، ولكنه كتمه في صدره .
في أعقاب مأدبة الغداء ببيت الميلي أعدَّ محمد العربي تلك الورقة وسلَّمها لمساعدية، وكانت تتناول واقع الحزب ومستقبله .
عندما قرأ مساعدية تلك الورقة راح يتأمل محمد العربي جيدا، ثم يقول للميلي “والله عندك حق” .
ومنذ ذلك اليوم تولدت صداقة لم تنقطع إطلاقا بين الرجلين، بل إن تلك العلاقة ظلت تتعمق بمرور الزمن، إلى حد أن الشريف سيسبان رحمه الله كان يصف العربي الزبيري بأنه “أسبرين مساعدية.”
وعندما سأله سي العربي: ماذا تقصد بذلك؟
قال له: بأنه لا أحد يَقْدر على تهدئة مساعدية عندما يغضب مثلك يا سي محمد العربي.
في أعقاب تنحية محمد الشريف مساعدية من الأمانة الدائمة لحزب جبهة التحرير الوطني إثر أحداث أكتوبر 1988 واستخلافه بالأستاذ عبد الحميد مهري، قرر الدكتور محمد العربي تقديم استقالته من منصبه حيث كان إطارا ساميا في الحزب، ورغم أن الرئيس الشاذلي بن جديد رحمه الله رفض تلك الاستقالة، وعرض على الدكتور الزبيري منصب سفير إلا أنه ظل متشبثا بالاستقالة، وهو ما فسره الرئيس بأنه موقف مساند من الدكتور محمد العربي لصديقه مساعدية .
الزبيري مع الكبار
وإذا كان الدكتور الزبيري قد عرف عددا من قادة العالم من أمثال صدام حسين والأمير سيهانوك وحافظ الأسد والقذافي وغيرهم، فإنه عرف كذلك عددا من القادة والرجال الجزائريين في مختلف المواقع خاصة منها السياسية والعسكرية والفكرية .
وكانت له مع بعض هؤلاء القادة سواء من العالم أو من الجزائر قصص وذكريات، ومن بين هؤلاء الزعيم السوفيتي نيكيتا خروتشوف.
خروتشوف للزبيري: افطر لنعطيك دبابة !
كان الزعيم السوفيتي الشهير نيكيتا خروتشوف هو أول زعيم يلتقي به المجاهد الشاب العربي الزبيري في خريف 1961، وكان سي العربي حينها في العشرين من عمره ضمن وفد لجبهة التحرير الوطني يقوم بزيارة للاتحاد السوفيتي برئاسة الرائد مصطفى بن النوي .
كانت برودة الطقس وقتها ثلاثين درجة تحت الصفر في موسكو، ولم يكن الشاب محمد العربي يلبس سوى بذلةٍ صيفية شفافة مما جعل الزعيم السوفييتي يسأل سي العربي باستغراب: ألاَ تشعرُ بالبرد وأنت بمثل هذا اللباس؟
فيرد سي العربي ببرودة غير برودة الطقس، وكأنه يحمل معه خزَّانَ دِفء ٍمن الشمس داخل جسمه: أنا من الجنوب الجزائري !
فيقول له خروتشوف: أنا أيضا من جنوب الاتحاد السوفييتي، لكنني لا أقاوم هذا البرد .
فيرد: أنا شاب، وأنت كهل سيدي.
يبتسم خروتشوف ولا يعلق.
ثم يمازحه خروتشوف بعد أن علم أنه صائم :
ما رأيك أن تفطر حتى نعطيك دبابة؟!
عندما خرج الوفد الجزائري من عند الزعيم السوفيتي راح أحد أعضاء الوفد يقول له: لماذا لم توافق على الإفطار حتى يعطينا دبابة؟
يرد سي العربي: ولكن حتى لو أفطرت فأين سنضع هذه الدبابة؟
حكاية مثيرة مع كريم بلقاسم
يذكر سي العربي أنه كان من بين أشد المعجبين بشخصية الزعيم الثوري التاريخي كريم بلقاسم، وقد أقدم هذا الأخير على تعيين العربي الزبيري عام 1961 مقررا ضمن اللجنة المكلفة بالمساعدات المالية التي كانت تقدم للاجئين الجزائريين بتونس .
كان كريم وقتها في أوج قوته، إذ كان وزيرا في الحكومة المؤقتة، ولم يكن الشاب الزبيري يتجاوز العشرين من عمره عندما استدعاه كريم بلقاسم لمكتبه وكلفه بتلك المهمة.
كانت المساعدات تتمثل في منح خمسة دنانير لكل فرد، وعندما لاحظ الزبيري أن البعض جاءوه بقوائم تتضمن أكثر من خمسين فردا لعائلة واحدة من دون استظهار أيّ وثيقة، رفض منحهم أي مبلغ قبل تقديم الوثائق اللازمة.
بلغ الأمر كريم بلقاسم فاستدعى محمد العربي لمكتبه فورا، وسأله: لماذا لم يقدِّم المساعدات المالية؟
كان رد الزبيري: لا يمكن أن أقدّم الأموال من دون وثائق تثبت أن هؤلاء يستحقونها، ولمَّا شعر الراحل كريم بلقاسم أن الرجل لا ينفذ أوامره انهال عليه بسيل من الشتائم .
استغرب الشاب محمد العربي الزبيري ذلك من شخصية كان يقدِّسها كما قال.
تراجع نحو الباب، ولما فتحه راح يشتم القائد الكبير كريم بلقاسم بكل أنواع الشتائم، ثم فرّ هاربا خوفا من أن يكون جزاؤه القتل على يد رجل كان معروفا عنه شِدَّتُه وصرامته .
وصل الأمر إلى الراحل أمحمد يزيد وزير الإعلام في الحكومة المؤقتة، فبحث عن الزبيري، ولما علم منه بفحوى ما جرى له مع كريم بلقاسم طلب منه الاختفاء فورا لأن الزعيم كريم قد يُعدمه لأنه أهانه بما تفوّه به .
وبعد فترة قصيرة قام الراحل يزيد بإرسال الشاب الزبيري إلى براغ لدراسة سلاح الإشارة من دون علم كريم بلقاسم حتى لا يناله بطشه.
ولم يمكث الطالب العربي الزبيري طويلا هناك، وعاد مع الأيام الأولى لاستعادة الاستقلال الوطني .
كان الشاب العربي الزبيري يجلس ذات صباح في فندق السفير بالعاصمة مع عدد من قيادات الجبهة، من بينهم الراحل صالح بوبنيدر المعروف بـ”صوت العرب”، وإذا بالراحل كريم بلقاسم يطلب من محمد العربي الزبيري بعد أن رآه أن يتقدم نحوه.
ساورته حينها شكوك من ردّ فعل الرجل إزاء ما قاله له ذات يوم بتونس، ولكن الراحل كريم بلقاسم راح يسأل الزبيري، وهو يربت على كتفه ويعانقه كأنه ابنه: أين كنت غائبا عنَّا كل هذه المدة يا بنيّ؟
ثم يضيف: لقد بقيتُ أبحث عنك منذ فترة .
يردّ محمد العربي: يا سيدي الوزير هربت خوفا من أن تقتلني .
عندها قال له كريم بلقاسم: اسمع نحن نبحث عن الرجال الفحول من أمثالك ونقدّرهم .
ثم دار حوارٌ بينه وبين الزبيري عن موقفه من جماعة تيزي وزُّو وجماعة تلمسان، فقال محمد العربي للراحل كريم بلقاسم: يا سيدي الوزير تلمسان وتيزي وزو مدينتان جزائريتان، ولكن كلًّا من مجموعة تلمسان وتيزي وزو مخطئتان في صراعهما على السلطة.
ثم أردف قائلا: هذا الصراع يحطم الثورة، لأن اتفاقيات إيفيان لم تحقق الحلم الذي كان يرجوه المجاهدون الذين أقاموا بفضل الثورة مختلف المؤسسات التي أحدثتها الجبهة من العدالة إلى الإدارة إلى المخابرات وغيرها، واتفاقيات إيفيان ستقضي على روح الثورة.
مع الرئيس بن بلة ومع القذافي
بالرغم من أن الراحل محمد العربي الزبيري كان يختلف مع الرئيس الراحل أحمد بن بلة في كثير من النقاط والمواقف والحكم على الأشخاص، إلا أنه ارتبط به في علاقات متينة استمرت إلى أن وافت المنية الرئيس بن بلة رحمه الله .
ومنذ قرار الإفراج عنه في مطلع الثمانينيات، ظل الرئيس أحمد بن بلة يتردد على بيت الدكتور العربي الزبيري، مثلما كان هذا الأخير يزوره في بيته بالعاصمة ويتناقش معه في أمَّهات القضايا والمستجدات .
أنت تبذر أموال الشعب الليبي !
في أعقاب فوز الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بالانتخابات الرئاسية التي جرت ربيع 1999، أقام الرئيس حفلا خاصا على شرف عدد من القادة من بينهم الرئيس الراحل أحمد بن بلة والعقيد الليبي الراحل معمر القذافي .
وقد كلِّف الدكتور العربي الزبيري بمرافقة العقيد .
كانت علاقة العقيد الراحل معمر القذافي قد بدأت مع الدكتور محمد العربي الزبيري في منتصف السبعينيات خلال عهد الرئيس الراحل هواري بومدين .
وكان الشائع لدى القادة الليبيين وعلى رأسهم معمر القذافي أن الرئيس هواري بومدين يعمل معه مستشار ألماني هو سليمان هوفمان ابن مدينة حجوط !
علم الرئيس بومدين رحمه الله أن الدكتور الزبيري سيقوم بتمثيل الجزائر في وفد هام لحضور مؤتمر الشعب العامّ، فاستدعاه إلى مكتبه وطلب منه أن يرافقه في تلك الرحلة سليمان هوفمان لمحو تلك الصورة المترسخة في أذهان القادة الليبيين وقتها عن الراحل هوفمان.
صادفت الزيارة شهر رمضان المبارك، وقبيل استقبال القذافي لرئيس الوفد الدكتور الزبيري، دعا السيد أحمد الشحاتي وهو أحد القادة الليبيين في ذلك الوقت إلى مائدة الإفطار في بيته الدكتور العربي الزبيري الذي كان مرفَقا بسليمان هوفمان.
ما من شك أن المسؤول الليبي يكون قد أبلغ القذافي تلك الليلة بأن المستشار الألماني المفترض كان صائما وأنه صلى معهم .
وفي صبيحة اليوم الموالي، استقبل العقيد القذافي الدكتور محمد العربي الزبيري، وقد طلب هذا الأخير من العقيد الليبي أن يدعو مرافقه مستشار الرئيس بومدين سليمان هوفمان لاستقباله بناء على رغبة بومدين، فما كان من القذافي حينها إلا أن كلف مصالحه باستقدام مستشار الرئيس بومدين ليستقبله مع الزبيري، وبذلك زالت صورة المستشار “الألماني” من أذهان الليبيين بشأن الراحل سليمان هوفمان رحمه الله.
ولكن ماذا جرى بين العقيد الليبي وبين الدكتور محمد العربي الزبيري خلال الحفل الذي أقامه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة عام 1999 في إقامة زرالدة؟
قبيل بدء الحفل، جرى حوارٌ ساخن بين القذافي والدكتور الزبيري، فقد قال هذا الأخير بصراحته المعهودة للعقيد القذافي :
يا سي معمر بالنسبة لي أنت لا تعمل لا لفائدة الشعب الليبي ولا لفائدة الشعوب العربية، كيف تسمح لنفسك بتبديد أموال الشعب الليبي وتقدِّمها لبعض الأفارقة من دون استشارة شعبك؟ دعني أقول لك بصريح العبارة إنك مستبدّ!
غضب القذافي من كلام الدكتور الزبيري، وفي تلك اللحظة بالذات جاء الرئيس بوتفليقة وراح يقول للدكتور الزبيري: كيف تتعامل مع ضيفك هكذا؟!
لكن القذافي راح يقول للرئيس بوتفيلقة مبتسما: أنا راض بمناقشته.
ولئن ترك لنا رحيل الدكتور الزبيري غصة في الحلق، فالأكيد أن الرجوع إلى بعض مواقفه النضالية تعطينا جرعات من الأمل بأن أفكار الكبار مثله ستبقى تلهمنا لكي لا نيأس من المستقبل.