الزواج الهادئ.. دليل استقرار أم تنافر صامت
وجود بعض المؤشرات… لا صراخ، لا خصومات علنية، لا منشورات غاضبة على مواقع التواصل الاجتماعي، ولا شكاوى متكررة من الحياة الزوجية… توحي للجميع بأن العلاقة مثالية، مستقرة وناجحة، بدليل عدم الانفصال لسنوات طويلة، إلا أن المختصين وخبراء العلاقات، يجدون هذا النموذج غير صحي، ويوحي بالتباعد العاطفي.
توضح الدراسات النفسية أن الأزواج الأكثر استقرارا ليسوا أولئك الذين لا يختلفون أبدا، وإنما الذين يعرفون كيف يديرون خلافاتهم بطريقة صحية، بعيدا عن الإهانة أو العنف أو القطيعة. فالنقاش الحاد أحيانا حول تربية الأطفال، أو إدارة الميزانية، أو العلاقات العائلية، لا يعد مؤشرا عن فشل العلاقة، بل قد يكون دليلا على وجود تواصل حقيقي بين الطرفين، ذلك أن الزواج يجمع بين شخصين مختلفين في الطباع والخلفيات والتجارب والتوقعات، ولذلك، فإن الاختلاف في وجهات النظر أمر طبيعي بل وحتمي.
تشير الأخصائية النفسية خبيرة العلاقات، عقيلة دبوب، إلى أن “غياب الخلافات لا يعني بالضرورة وجود تفاهم عميق، فقد يكون أحيانا نتيجة تجنب المواجهة أو الخوف من النقاش… فالخلافات جزء طبيعي من الحياة الزوجية”. طرح تؤكده الكثير من الحالات الواقعية، إذ تتحدث سرين، 36 سنة، أم لثلاثة أطفال عن علاقتها بزوجها: “نوصف بالثنائي المثالي، فظاهريا لا نتشاجر كثيرا، بينما تتضارب أفكارنا ووجهات نظرنا وحتى ميولاتنا سرا، فالسبب وراء صمتنا ليس أننا متفقان دائما، بل لأن كل واحد منا أصبح يحتفظ بأفكاره لنفسه، مع مرور 14 سنة زواجا، تعلمنا تجنب المواضيع التي قد تثير الخلاف”.
النضج والوعي العاطفي يحدان الخلافات الزوجية
توجد بالفعل زيجات هادئة وصحية، يكون فيها غياب المشاكل الكبرى نتيجة وعي الطرفين ونضجهما النفسي. تؤكد الأستاذة دبوب عقيلة: “إن بعض الأزواج يطورون مع السنوات قدرة كبيرة على فهم بعضهم البعض، فيصبحون أكثر مرونة وأقل اندفاعا في ردود أفعالهم، كما يتعلمون التمييز بين الأمور المهمة والمسائل الثانوية التي لا تستحق تحويلها إلى معارك يومية، في هذه الحالات لا يتم تجاهل المشكلات، بل يتم حلها مبكرا من خلال الحوار والتفاهم، وهو ما يقلل من فرص تفاقمها”.
الأمر لا يتم بهذا الوضوح والوعي دائما، في حين إن بعض الأزواج يعيشون ما يسميه المختصون “الصمت الزوجي”، حيث تختفي المشاجرات لكن يختفي معها الحوار أيضا، بحيث لا يسأل أحد الطرفين الآخر عن مشاعره، ولا تتم مناقشة القضايا الحساسة، ولا يبذل أي منهما جهدا لفهم احتياجات الآخر، ومع الوقت تتحول العلاقة إلى مجرد روتين يومي لإدارة المنزل وتربية الأبناء، فيما يظهر هذا الوضع مستقرا للآخرين، لكنه في الواقع يعكس نوعا من الانفصال العاطفي الصامت. فهناك زيجات صاخبة لكنها متينة، وأخرى هادئة ظاهرياً لكنها تعاني من فراغ عاطفي عميق.
مؤشرات الهدوء الآمن في العلاقة الزوجية
يعتقد السواد الأعظم من الناس خطأ أن غياب الخلافات يعني وجود الحب الحقيقي، فالعلاقات الإنسانية بطبيعتها معقدة، وكلما كان الطرفان أكثر انخراطا واهتماما بالعلاقة، ظهرت بينهما اختلافات في الرأي من حين لآخر، وهنا يظهر أن المعيار الحقيقي ليس عدد الخلافات، بل طريقة التعامل معها، فالأزواج السعداء لا يربحون جميع النقاشات، لكنهم يحافظون على الاحترام حتى في أثناء الاختلاف. يقول عبد الكريم: “أتنازع مع زوجتي بمعدل مرتين إلى ثلاث أسبوعيا، ويستمر الخلاف يومين أحيانا، دون أن يتجاوز الثالث، هذه قوانين افتراضية في علاقتنا، وهكذا تستمر، لكن دون أن يتجرأ أحد منا على إهانة الآخر أو تقليل الاحترام، وهذا ما يجعل حبنا يكبر وعلاقتنا تتوطد بعد كل خلاف مهما كانت حدته”.
هنا، يحدد المختصون عدة مؤشرات تساعد على التمييز بين الهدوء الصحي والهدوء المقلق في الحياة الزوجية، أهمها وجود حوار منتظم وصريح بين الزوجين، الشعور بالأمان عند التعبير عن المشاعر والاحتياجات، مع استمرار المودة والاهتمام والتقارب العاطفي واتخاذ قرارات مشتركة، أما إذا كان الهدوء مصحوبا بالبرود العاطفي أو التجنب المستمر للنقاش أو الشعور بالوحدة داخل العلاقة، فقد يكون ذلك مؤشرا عن اختلال يستدعي الإصلاح في العلاقة.