الساعة قبل الأخيرة في غزة
الساعة الأخيرة هي التي تبدأ فيها حالة تهدئة، أما ما قبلها فالحرب مستمرة وطول هذه الساعة يعبّر عن الأهداف المتخفية خلف التصريحات، بعد أن أصبحت قيادة الكيان الصهيوني مضطرة لاستخدام كل إمكانات المناورة، بل واستدعاء القوى الإقليمية والدولية لمشاركتها في التصدي لخطر المقاومة الفلسطينية.
الساعة الأخيرة في الحرب هي التي تكون دوما أقسى دقائق الحرب وأخطر ما يمكن أن تنبثق عنه الحرب، لأنها ساعة التمترس خلف المواقف أو القوانين أو الأهداف أو الدعاية، لذلك أصبح قادة إسرائيل حريصين تماما على التمظهر بالمنتصر والمتشدد في مطالبه بإنهاء المقاومة والمتغطرس في خطابه.
ولكن بعيدا عن المناورة وقريبا من الميدان، تسجل وقائع الحرب اقتدارا معتبرا لقوى المقاومة الفلسطينية التي أثبتت أنها لم تنم على راحة الزمن، بل استفادت منه بكل وسعها فدربت شبابها في مناطق صعب التستر فيها، وتزودت بالسلاح عبر طرق ملتوية وشاقة رغم عسس المخابرات الصهيونية والعربية.. المقاومة الفلسطينية حفرت الأرض التي لم تبخل عليها بأن منحتها أداة فعالة استراتيجية عدلت في ميزان القوى، وأضافت لقوة المقاومة عنصرا مفاجئا ومربكا، حقق في المواجهات غرضه كاملا.. كما أنها تكون قد رصدت كل الأهداف الصهيونية من مطارات وقواعد عسكرية، وتجمعات مستوطنين على طول المدى الذي يصل إليه صاروخها المتقدم.
في الميدان، تطاحن طالت ساعاته وسقط من العدو جنود وضباط من النخبة العسكرية الصهيونية، واغتيل أولاد وصبية وشيوخ ونساء بقنابل زنة الواحدة طنا أو اثنين من المتفجرات.. هذا المشهد هو الأكثر تميزا في هذه الحرب، إن شهداء فلسطين في معظمهم من الأطفال والنساء والشيوخ والأمنين، في حين أن قتلى إسرائيل جنود وضباط مدججون بالسلاح، وهم في ساحة القتال.. كما أن المقاومة ضربت في حيفا وتل أبيب والخضيرة والقدس الغربية، كما في كل الغلاق الاستيطاني حول غزة وأماكن عديدة وبأشكال مختلفة.. في الميدان بلاء عظيم تبديه المقاومة الفلسطينية.
وفي هذه الساعة قبل الأخيرة تشتد الحرب اضطراما والعنف انتشارا في محاولة دؤوبة من قادة إسرائيل لحرمان المقاومة من أي نتيجة إيجابية على الصعيد الإنساني.. وفي هذه الساعات تتكاثف الجهود الأمريكية والفرنسية والبريطانية والألمانية لصياغة اتفاق يخرج إسرائيل من ورطتها ويحميها أمام المجتمع الدولي ويرفع عنها وزر ما ارتكبت من جرائم حرب في غزة.
الاتصالات والمفاوضات أحيانا بالنار وأحيانا باللقاءات، مساحة واسعة تشمل الإقليم والعالم وتتعدد وسائلها من الإغراء إلى التهديد ويجمع الكل على أن حدثا خطيرا حصل ولا بد من تداركه والتعامل على ضوئه.
في هذه الساعة الأخيرة يجد الفلسطينيون ضرورة الانتباه تماما للتفاصيل والعناوين التي تندرج تحتها الاتفاقية المزمع التوصل إليها.. ورغم تواضع مطالب المقاومة وانحصارها في دائرة الاحتياجات الإنسانية، إلا أن إسرائيل تعمل جهدها لأن لا تخرج المقاومة بأي إنجاز ويشترك مع إسرائيل في هذا الموقف كل الذين يرون أن انتصارا ولو معنويا للمقاومة سينعكس بالسلب على أوضاعهم في بلدانهم، حيث يخوضون معركة ضد الإسلاميين في بلدانهم، هذه الخلفية التي حرمت المقاومة في غزة من تعاطف كثير من الأنظمة التي انقلبت على الإسلاميين.
في الساعة ما قبل الأخيرة انتباه وخطورة وعنف وقسوة وضرورة البقاء على يقين أن العدو يمكن أن يضرب بخطورة في اللحظات الأخيرة.. كان الله في عون غزة ونصرها وأعزها وتولانا الله برحمته وغفر لنا تقصيرنا.