-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

السبيل إلى حل مشكلتنا مع المستقبل

السبيل إلى حل مشكلتنا مع المستقبل
ح. م

يتفق الاستشرافيون عبر العالم، على أن الدول والمجتمعات تحتاج، لكي تستمر وتبقى، تفكيرا استباقيا تُقدَّر مدته عند البعض بنحو عشرين سنة، وعند البعض الآخر بعمر جيل كامل أي بأكثر من ثلاثين سنة، بما يعني أن مهمة جيل اليوم ليست فقط أن يُدير شؤون الحاضر ويحلّ مشكلاته بل أن يَضع الحلول للذين سيعيشون بعده خلال الخمسين سنة القادمة.. أين نحن من هذا المنهج في الحياة؟ وكيف ينبغي أن نكون؟

يقول الأمريكيدانيال بالDaniel  bell صاحب نظريةالمجتمع ما بعد الصناعيوالأب الروحي لكبار الاستشرافيين الأمريكيين ما يلي: “إن توجيه الاستثمارات الرئيسة، سواء تعلق الأمر بالدفاع، أو الفضاء، أو التربية أو الصحّة ينبغي أن يتقرّر بجيل كامل قبل الوقت“. ويضيف أنجميع المشكلات التي تستدعي التخطيط للرأسمال البشري، أي التي تهدف إلى صناعة المواهب، أو تكوين أطباء، أو معالجة مشكلات البُنى الاجتماعية، إنما تتطلب تفكيرا استباقيا يكون ما بين 20 و30 سنة، بما يعني أننا لا يمكن أن نَدّعي إمكانية حل مشكلات اليوم مهما كانت قدرتنا إذا لم نكن قد قُمنا بما ينبغي القيام به لمواجهتها قبل 20 سنة على الأقل. إن أي مشكلة نعرفها اليوم إنما تجد جذورها في العقدين الماضيين أو أبعد من ذلك، كما أن أي مشكلة سنعرفها في العشرين سنة القادمة بالتأكيد عناصرها الأولى هي الآن تتحرك بين أيدينا ولا نعيرها أي اهتمام أي أننا لا نقوم بمهمتنا الرئيسة اليوم المتمثلة في استباق مشكلات الغد

ما الذي ينبغي أن نفعل حتى نوقف هذا العجز المزمن أمام المستقبل؟ ما الذي علينا أن نُدركه حتى نَكسر هذه الحلقة المفرغة التي دخلنا فيها منذ نحو عشرين سنة وأكثر؟ كيف نَدفع بمن لديهم سلطة القرار في بلادنا إلى الخروج من حلقة التفكير الضيّق إلى التفكير بطريقة أخرى في المستقبل؟ كيف يمكننا مواجهة الكثير من العقول المتكلسة التي تزرع فينا اليوم مشكلات الغد عن جهل مطبق، أو عن تطبيق أعمى لمخططات الآخرين، أو عن خيانة كبرى لهذا البلد؟ أيّ سلوك ينبغي أن نُحدثه لنَمنع تحول الغد إلى كابوس يهدد حياة الجميع؟

يبدو لي أن البداية ينبغي أن تكون أولا من إشاعة ثقافة المستقبل، من إقناع كبار وصغار المسؤولين بأنهم إذا ما استمروا في العمل وفق منهجية حل المشكلات بعد وقوعها، والإسراع في ذلك، فإننا سنستمر لقرون ونحن نعرف نفس المشكلات، ولن تحلّ إطلاقا. علينا أن نشترط على أي منهم، مادام قد قبل تحمل المسؤولية، أن يفكر وبالتوازي بطريقتين في ذات الوقت:

ـ الأولى تقليدية مفادها حل مشكلات اليوم التي هي نتاج سيرورة تاريخية ماضية.

ـ والثانية استشرافية تقوم على وضع قائمة بالمشكلات التي ستعرفها البلاد، ضمن حدود اختصاصه، بعد عشرين سنة من الآن وبدائل الشروع في حلها الآن.

وعليه أن يمتلك القدرة على ذلك، دونها ينبغي إعلانه غير مؤهّل لتبوء أي مسؤولية، وتغييره من غير تردد، لأنه سيكون عبئا على الحاضر والمستقبل إن لم يَجُرّ الماضي معه أيضا.

فكم لدينا من مسؤول يُمكن أن يستوفي الشرطين؟

كم من مسؤول لديه القدرة على حل  المشكلات الحالية والقدرة على الاستباق؟

بل كم هيئة أو وزارة أو قيادة تدعي أنها تملك القدرتين معا؟

وما الذي علينا أن نفعل في ظل إدراكنا أننا عاجزون بحق أمام المستقبل، ونتيجة عجزنا هذا، نحن هكذا متخلّفون أمام الحاضر؟ ما الذي ينبغي أن نقوم به إذا ما أصبح لدينا الوعي التام بأن فشلنا اليوم هو حصاد سنوات سالفة لم نقم خلالها بالخيارات الصائبة ولم ننفق خلالها أموالنا بطرق رشيدة؟

لعل انتقالنا مما يسميها أحد كبار الاستشرافيين الفرنسيينجاك لوزورنJacques Lesourne من حالة تفكير الأفراد في حل المشكلات كل بطريقته reflexion d_avenir إلى حالة امتلاك الأفراد القياديين لرؤية متكاملة عن المستقبل D’avenir Vision يمكنه أن يكون البداية الصحيحة نحو الحل المستقبلي الشامل.

وإذا حدث هذا، فإننا سنتحوّل تدريجيا من النظر إلى السلطة كصراع وتنافس أو تلاقي مصالح بين أفراد نافذين أو حتى زُمرٍ نافذة بيدها الحكم، إلى النظر لها كجزء من رؤية شاملة كما اشترك في إعدادها وصوغها الجميع، سيشتركون في تنفيذها عندما تتحول إلى استراتيجيات تتحرك في الميدان.

وهكذا نبدأ في حل مشكلتنا مع المستقبل، ونُصحح إدراكنا لمعنى العمل السياسي، ولمعنى تولي المناصب والمسؤوليات

لقد كان شائعا ومازال، أن تولي المسؤولية يعني امتلاك القدرة على حل مشكلات من يتولاها أولا ثم عشيرته الأقربين وفي مرتبة ثالثة مشكلات الآخرين المستعجلة، ولا يكاد يصل إلى مرحلة التفكير في مشكلات المستقبل، بل لا يفكر في أن يصل إليها باعتباره لا يتحرك ضمن رؤية إنما ضمن آليات تحقيق غايات، نادرا ما تكون متوسطة أو بعيدة المدى.

لذا أصبح لزاماً اليوم أن نُحدث تغييرا في هذا المستوى، ينبغي أن يوضع حد لكل من ليست لديه قدرة على استباق مشكلات وأزمات قطاعه وإيجاد الحلول لها الآن قبل عشرين سنة، أو قبل جيل كامل من أن تقع، على حد تعبيردانيا بال“. ليس محكوماً علينا أن نبقى نعيش ضمن حدود الماضي والحاضر فقط، أمامنا المستقبل، وهو الذي ينبغي أن نستثمر فيه، وأي دولة لا تُعير الأهمية الكافية لهذا لن تتمكن من الانطلاق مهما كان لديها من قدرات وإمكانات. ولعلنا نحن، إلى جانب الكثير من الدول التي مازالت دون التطلع إلى المستقبل، أفضل ما يُقدَّم كـمثال” “سيئ على ذلك.

تمر السنوات والعقود أمامنا وكأنها متشابهة، وإذا اختلفت فبشكل طفيف لا يمكن إدراجه ضمن رؤية واضحة للمستقبل، ولعل هذا ما جعلنا لا نكاد نشعر بطمأنينة نحو الغد، ونسعى كل  في مستواه لإنقاذ حاضره قبل فوات الأوان، دون أن يدري أن حاضره اليوم أصبح ماضيا، وحاضره الحقيقي هو الغد الذي لم يستبقه قبل عشرين سنة، وقد فات الأوان أيضا عليه، أن يفعل… إذا لم يفعل.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • بدون اسم

    شكرا أستاذ سليم على الموضوع القيم...
    إن الذي لا يأخذ العبرة و الاستفادة من التاريخ و لا يحسن التعامل مع مشكلات الحاضر لا يمكنه أن يخطط للمستقبل؟؟؟

  • نبيل

    استشراف المستقبل وانت تعد من الدول الضعيفة لن تستطيع تحقيقه حتى ولو كان استشرافك صحيح تماما لان الدول القوية في اكثر المجالات يمكنا ان تتحكم في المستقبل وتغيره لك ولانك ضعيف اقتصادياا لا يمكن تحقيق استشرافك ابدا لان الضعف لا يمكنه ان يتحكم او يسير باقي التوازناات العديدة لصالحك نحن نملك طل الثروات التي يمكن ان تجعلنا من العشر الاوائل عالميا لاكننا فشلنا في صناعة الفرد الذي يصنع المستقبل ويحققه ولكي ننطلق اعتقد علينا صناعة اولا اقتصاد بشري ذوا نوعية شاملة.

  • ناصر المهدي

    ارجع الى كتاب الله عز وجل و سنة الحبيب صلى الله عليه وسلم.فستعرف ما كان و ما هو كائن و ما سيكون باذن الله...اليس في الكتاب خبر ما قبلنا و نبأ ما بعدنا ...اليس هو بالفصل وليس بالهزل... اليس هو من لا يشبع منه العلماء و لا يمل منه الاتقياء..و خاصة في موقعنا الاستراتجي و طبيعة الاحداث لدينا و الادلة المادية الظاهرة بجلاء ..على كل حال انتظر خروج الامام المهدي من هته الارض الطيبة التي اسمها الجزائر ..نعم الجزائر. و ان اردت شيئا من التفصيل فاضرب لنا موعدا و سنأتيك بالملف اصل القضية و الملف الطبي .سلام