الشاذلي، القذافي والكتاب الأخضر
حين بدأ التفكير في دوائر الحكم الليبي السابق في كيفية إقامة وحدة بين ليبيا والجزائر كلفت رئاسة الجمهورية الجزائرية المعهد الوطني للدراسات الإستراتيجية تحضير دراسة مفصلة حول الكتاب الأخضر وعلاقته بالقذافي، ورفع ملخصها باللغة الفرنسية إلى الرئيس الشاذلي بن جديد في حين بقيت (الدراسة - الوثيقة) طي الكتمان حتى الآن، فما السر في ذلك؟ .
- الوجه الآخر للكتاب الأخضر
- بمجرد ما استلم الدكتور بوعلام بن حمودة المعهد الوطني للدراسات الإستراتيجية الذي انشئ العام 1986م اجتمع بطاقمه لوضع رزنامة عمل كانت في مقدمتها احتياجات الرئاسة إلى الكشف عن مضمون كتاب الأخضر للقذافي، وتم تحضير دراسة، تحصلت عليها مؤخرا، تضم 52 صفحة من حجم 21x 27، موزعة على 12 محورا، تعالج الجوانب الفكرية والسياسية والعلمية والعقائدية والتشريعية والاقتصادية والاجتماعية وتسلط الضوء على النواحي المنهجية والمنطقية والتطبيقية، وتتوقف عند الحالة النفسية لصاحبه. وكتبت هذه الدراسة باللغة العربية وترجمت إلى اللغة الفرنسية واعتبرت من الوثائق السرية التي يمنع نشرها في عهد الشاذلي بن جديد.
- وجاء في تقرير (الدراسة – الوثيقة):”إن الكتاب الأخضر يمثل مجموعة من الانطباعات والأفكار المصاغة بطريقة تنم عن وجود أفكار مسبقة وأحكام قبلية لدى الكاتب يحاول التعبير عنها وإثباتها لتسجيل بعض المواقف المتخذة إزاء عدد من الموضوعات والقضايا الحيوية والحساسة المتعلقة بجوانب مختلفة من حياة المجتمع البشري، تم انتقاؤها بتحيز من طرف الكاتب”.
- وتضيف:” توخيا للدقة المنهجية المطلوبة لنقد الكتاب وما له وما عليه … يمكن تقسيم الزوايا المنظور من خلالها في هذه العملية التقويمية إلى اثنتي عشرة زاوية أو ناحية” (ص 1).
- تلاحظ الدراسة أن الكتاب على المستوى الفكري: ”يتسم بطابع العمومية والسذاجة والسطحية وإطلاق الأحكام الاعتباطية المشوبة بضيق الأفق ومحدودية الزاوية المنظور من خلالها إلى الواقع” ، مسجلة ما يلي:
- أ- وجود تكرار ممل للأفكار بصيغ مختلفة مع استطرادات كثيرة غالبا ما تخرج القارئ عن الموضوع المراد التحدث عنه في النص .
- ب - عدم الالتزام المنهجي بمضمون العنوان المحدد في الفصل مثلا في صفحة 191 نجد العنوان التالي (الألحان والفنون) ولا يوجد حديث عنهما.
- وبالنسبة لشمولية النظرية تقول الدراسة:”إن في الكتاب كلاما عما يسمى بالنظرية الثالثة الموصوفة بالعالمية، لكن المتعمق في المحتوى لا يجد ما يؤكد مصداقية هذه التسمية سواء في كونها نظرية أو عالمية أو ثالثة”، ومن الناحية السياسية تشدد الدراسة على أن صاحب الكتاب:” يعمل على الحكم الفردي أو المفروض على الشعب” (ص21)، وتشير إلى الخطر الكامن في الكتاب مثل الدعوة إلى الاعتراف بالأقليات فتنص على ما يلي بالحرف الواحد:”إن هذه الأقليات قد تكون عرقية أو دينية أو لغوية قابلة للإدماج إذا توفرت الحكمة السياسية ذات النظرة الإستراتيجية، لأن بقاء أية أقلية في أي بلد – دون إدماجها – هو بركان خامد قابل للانفجار في أية لحظة، والقضاء على مقومات الأقلية هو التصرف السياسي الحكيم وربما الوحيد لنزع الفتيل من القنبلة في الوقت المناسب وبالكيفية المناسبة” (ص24)، وتذهب الدراسة إلى أن النظرية الثالثة ”تعاني فراغا رهيبا ومدمرا للحياة المدنية والاجتماعية للأمة والدولة”، وتريد أن تتجاوز العقيدة الإسلامية والماركسية (الشيوعية) والليبرالية .
- وتسجل مآخذ كثيرة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية كإلغاء الربح وإلغاء العمل بالأجر وكذلك النقود والوظائف، وتبين الأخطاء العلمية والخلط في المصطلحات المتعلقة بهذا المجال.
- صورة القذافي في الدراسة
- تكشف (الدراسة- الوثيقة) عن “الدوافع النفسية والمكبوتات الكامنة في أعماق الكاتب والمعبر عنها شعوريا أو لا شعوريا” في مختلف نصوص الكتاب وتحددها في ستة عناصر هي: معاناة الكاتب من عقدة الشعور بالنقص والدونية والعمل على تعويضه بالظهور بمظهر العظيم الزعيم والقائد الرائد – والشعور الداخلي بعدم شرعية ودستورية السلطة الحاكمة في البلاد – والشعور الداخلي بممارسة السلطة الفردية المطلقة – والشعور بالخوف من الاتهام بالتبعية العقائدية إلى النظم الديكتاتورية العسكرية المعروفة في العالم – والشعور بالخوف من الغضب الجماهيري على النظام السياسي الممارس والخوف من بروز المعارضة – والمعاناة من عقدة نقص مستفحلة لدى الكاتب من العلم والعلماء.
- تخلص الدراسة إلى أن هذه العوامل الذاتية والدوافع النفسية المختلفة هي التي كانت وراء كتابة القذافي للكتاب الأخضر، دون أن تبحث عن الكاتب الأصلي للكتاب الأخضر وعلاقته بالقذافي.
- وبالرغم من أن (الدراسة – الوثيقة) كانت متداولة على نطاق أصحاب القرار فقط إلى أن القذافي استطاع أن يتسلل إليهم وكاد أن يورطهم في مشروع وحدة قاعدتها الميثاق الوطني الجزائري والكتاب الأخضر.
- العارفون بالشأن الجزائري يقولون إن جبهة التحرير الوطني بقيادة المرحوم محمد الشريف مساعدية لم تكن على اطلاع بالوثيقة مما جعلها تعمل على إقامة هذا المشروع المشترك الذي دفعت ثمنه فيما يسمى بانتفاضة 5 أكتوبر 1988م.