-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

“الشورى” الألمانية.. درسٌ للسلطة والمعارضة

“الشورى” الألمانية.. درسٌ للسلطة والمعارضة

مادام مَن في السلطة اليوم لا يفكر بأنه سيكون ذات يوم في المعارضة، فإنه لن يُشرك هذه الأخيرة في أي تصور لمستقبل البلاد، ومادام الأمر كذلك، فإن أي احتمال لوصول معارضة إلى السلطة سيعني إعادة النظر في كل المسار الذي سبق، وخسارة كل تراكم في الخبرة الاقتصادية والاجتماعية أساس كل تقدم. إننا في حاجة اليوم إلى إعادة نظر كلية في مفهوم كل من السلطة والمعارضة على طريقة “الشورى” الألمانية.

جوهر الديمقراطية يقضي بأن تكون هناك سلطة في الحكم تُطبق برنامجا اقتصاديا واجتماعيا، ومعارضة تراقبها وتنتقدها من وجهة نظر المصالح الوطنية العليا. وفي أرقى الديمقراطيات، لا تجرؤ السلطة الحاكمة على اتخاذ قرارات مصيرية لها علاقة بالأجيال القادمة من غير توافق مسبّق مع المعارضة باعتبار أن هذه الأخيرة ستحكم ذات يوم وينبغي أن لا تُراجع كل شيء تمّ من قِبل سابقتها، خاصة فيما تعلق بالخيارات الكبرى لهذه الدول. حدث هذا في أكثر من بلد مارس ومازال يمارس الديمقراطية بطريقة صحيحة.

عندما أراد الألمان أن يقرروا بشأن مستقبل الطاقة النووية في بلادهم، وفتحوا ملف المفاعلات النووية والآجال التي ينبغي أن ينتقلوا فيها إلى الطاقة البديلة النظيفة والمتجددة الناتجة عن الرياح أو المياه أو الشمس أو باطن الأرض أو غيرها من البدائل.. لم تتخذ السلطة الحاكمة بمفردها القرار رغم أنها تملك الأغلبية في البرلمان، وأغلبية صحيحة غير مزيفة أو مزورة، إنما أخذت المسار الطبيعي الذي ينبغي أن يتبعه أي بلد ديمقراطي. أخذت بتطبيق مبدأالشورىأولاً.

بدأ المستشار الألمانيغيرهارد شرودر، ممثلا للحكومة الفيدرالية، في سنة 2000 باستشارة واسعة مع ممثلي أكبر الشركات المنتجة للطاقة الكهربائية تُوجّت بوثيقة أصبحت مشروع قانون صادق عليه البرلمان الألمانيالبوندستاغبمختلف فصائله (معارضة وسلطة بما في ذلك الحزب البيئي) في شهر جوان 2001، وسُمّيت الوثيقة المصادق عليها بـالقانون النووي، وأصبحت ملزمة للجميع، سلطة ومعارضة، باعتبار أن الأمر يتعلق بقرار استراتيجي له علاقة بمصير الأمة الألمانية وليس بمصير حكومة أو حزب، فما بالك أن يكون مرتبطا بمصالح مجموعة ضيقة من الأشخاص أو بشخص واحد بعينه

ولم يكتف هذا القانون بتحديد آجال الانتقال إلى الطاقات البديلة غير النووية، بل فصّل في كل المسائل المتعلقة بكيفية إزالة المفاعلات النووية ومواقع ردم النفايات وتشجيع الشركات المنتِجة للطاقات البديلةالخ.

وذهب شرودر في 2005 الممثل لأكبر حزب معارض في ألمانيا (وهو حزب اجتماعي ديمقراطي تحول في المدة الأخيرة إلى الليبرالية الاجتماعية)، وجاءتأنجيلا ميركلممثلة عن حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الألماني، وهو حزب كان باستمرار تقليديا في الحكم، ووجدت أمامها القانون الذي كانت قد صادقت عليه من قبل، ولم تبدأ بمراجعة كل شيء أو محو كل شيء أو شيْطنة المعارضة التي كانت قبلها في الحكم، ولم تلغ جميع قراراتها أو تقم بأكثر من ذلك، بل العكس هو الذي حدث تماما، أعلنت بداية احترامها للأجل المحدد لغلق أكثر من 17 مفاعلا نوويا قبل 2022، وعندما رأت بأن الأجل المحدد للتخلص من جميع هذه المفاعلات النووية غير كاف، عادت إلى القانون الذي توقع ذلك عندما ربط الأجل بكمية الكهرباء المنتَجة واقترحت على البرلمان تعديلا على القانون لتمديد مدة الغلق 12 سنة أخرى ستكون أيضا ملزِمة للجميع سلطة ومعارضة.

وكان للموقف الألماني من مستقبل الطاقة تأثيرٌ على النقاش في فرنسا المرتبطة أكثر من ألمانيا بالطاقة النووية (74 بالمائة من الإنتاج الإجمالي)، ولم  تقم السلطة الحاكمة هي الأخرى بالفصل في الأمر آنذاك بل أن اليمين بقيادة جاك شيراك فتح نقاشا عاما عن الطاقة استمر من شهر مارس 2003 إلى ماي من نفس العام، ومازالت فرنسا إلى اليوم تعتمد على الطاقة النوويةأما في مجال الغاز الصخري فقد رفضت أغلبية القوى السياسية مشروع قانون استخراجه في شهر جوان سنة 2011 بعد مناقشة واسعة وشورىموسّعة إلى كافة الأطراف. وبذلك أصبحت فرنسا أول بلد يرفض استخراج الغاز الصخري عن طريق التفتيت بعد نقاش بين كافة القوى السياسية بما في ذلك القابلة لهذه التقنية، أي أن القرار لم تتخذه السلطة وحدها ولا المعارضة وحدها؛ لقد كان نتاج توافق الطرفين باعتباره مسألة إستراتيجية تتعلق بمستقبل البلاد وليست مرتبطة بحزب أو فئة أو مجموعة أشخاص.

القراءة في هذين النموذجين توحي لنا بأنه علينا أن نعيد النظر جذريا في كيفية النظر إلى كل من المعارضة والسلطة، الذين هم في السلطة ينبغي أن يتصرفوا على أساس أنهم يمكن أن يكونوا ذات يوم في المعارضة والعكس صحيح.

ينبغي أن ينتهي ذلك التصنيف البائد القائم على اعتبار أن السلطة هي الطرف الواحد الباقي والذي يملك الحقيقة، وما على البقية إلا الانصياع. نحن لا نتصور أن نُصبح بين عشية وضحاها مثل الألمان، ولكننا ينبغي أن نسير باتجاه إقامة ديمقراطية على الطريقة الألمانية تقوم بحق علىالشورىفي المجالات الإستراتيجية ونحن أولى بها منهم.. “شورىلا تخص  فقط الأحزاب، بل أيضا أرباب العمل والشركات والمجتمع المدني؛ ذلك أن هناك، في كل المستويات، مَن يستطيع أن يُساهم في خدمة بلده، ويبقى الفيصل في الأخير هو الشعب الذي يستطيع من خلال ممثليه المنتخبين بنزاهة أن يرجّح الكفة إلى هؤلاء أو إلى هؤلاء.

ومن هنا، تنبع أهمية إعادة صياغة المشروع الديمقراطي في بلادنا، وإن اقتضى الأمر تجديد القائمين به بجيلٍ آخر، يؤمن بحق أنْ هكذا ينبغي أن تكون الديمقراطية على طريقةالشورىالألمانية

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • تقنقورين

    اسمحلي اكتب بالدارجة
    واش راك اتخلط الالمان ثقافتهم شيء مقدس بالرغم من المحاولات الكثيرين لطمس هويتهم ولغتهم ..
    والجزائر اين ثقافته
    شعبنا يا حبيبي مستعمر عربيا من اغبى ثقافة وفرنسيا
    ارجو منك تحليل ما يلي= كيف لنا ان نركب مركبة التقدم والعلا بثقافة جرير والقرضاوي الحوثيون او موليير او او او
    بالله عليك
    ان ما سميته بالشورى معمول به قبل الاسلام
    اما ان تكون انسان اما ان تكون عربي لاشيء بينهما
    والبعض يريدننا عرب

  • moh

    قبل ذلك لا بد من رجوع الزمن الى القرن العاشر ميلادي و فعل ما فعلوه منذ ذلك الوقت الالمان باستثناء الحروب العالمية الى يومنا هذا.

  • أوسمعال سى براهيم

    سلام الله عليكم ورحمته وبركاته،لايخفى عليك أن طرفي المقارنة غير متعادلتان إجتماعيا سياسيا وثقافيا وعلميا،أما الفكرة في حد ذاتها صادمة لأن فشلنا في قيادة التنمية في الجزائر راجع لاعتمادنا على استيراد منتجات أفكار وأعمال الأخرين واستهلاكها دون أي إجتهاد لتكييفها لأننا أخضعنا كياننا للتسول بقوة ريع البترول .

  • عبد الحميد ونيسي

    إن الموضوع المقترح لذو أهمية لمستقبل البلاد ،ولكن الظروف التى مرت من ا لاستقلال جعلت السلطة تستحوذ على هياكل التسيير والتخطيط وسنالقوانين و المجتمع المدني ،وتغلق الآبواب على المعارضين ، فالتعيينات بانتماءات جهوية أو ايديولوجية أومن نظام مخابراتي نقل من دول برعت في تكميم الأفواه وتزوير للمعطيات والانخابات و معارضة على المقاس. فكيف يمكن أن تنشأ مشاركة حقيقية (الدساتير مث)وبعيد الاستقلال قيل:يادولة السوء مالقيت صالحة فهل لانقراضك من يوم فننتظر
    وكيف نرجو خلاصا أو نرى فرجا وفيك طول وفي أعمارنا قصر

  • مراد24

    (الذي يستطيع من خلال ممثليه المنتخبين بنزاهة أن يرجّح الكفة إلى هؤلاء أو إلى هؤلاء).
    هدا هو الصحيح - فانتظر البرلمان الحلم- ايها السيد الكريم.

  • نورالدين الجزائري

    و ترى مصلحتها و نفسها على الدوام !
    الشورى و أخواتها أصبحت في وقتنا مثل أصغر قطعة نقود، فمن يعطي قيمة ل: الدورو يعطي قيمة للشورى و الذي يعطي قيمة للمعرفة و تسلسل السقف فيها له شخصية كاملة و الذي ما يرمي الخبز في المزابل يعرف قيمة النِعمة و فضلها و بالتالي يدرك بعد النضج قيمة الحياة بأسرها!
    لأن الشورى تحتاج لتواضع علم و حق بين أعيننا و إلا لن تتحقق أبدا لأن فيها خصائص هي : تلقيح الرأي بأراء متعددة و العين ترى الشيء القريب و العبد و لكنها نفسها تعجز أن ترى نفسها عمل ينتظرنا .......إلى الملتقى .

  • نورالدين الجزائري

    القدرة الشرائية فينشط الإقتصاد أكثر ، فعارضت الشركات الكبرى القرار بشدة مما اضطر شرويدر تنحية زميله و وزيره ! و كذلك بالنسبة لــ Merkel إنها تواجه ضغوطات من البنوك و شركات التأمين و هي التي تموّل حملتها الإنتخابية و شركات المفاعل النووية في تعطيل و تأجيل غلقها ... بيت القصيد أن هناك ثمرة جد و مجدية محترمة و نافعة عادلة و مقسطة ..!! لا ضرر و لا ضرار !
    أما بلدان العربان كيف هو حال الشورى و مادونها ؟
    لا تشاور سواك إذا نابتك نائبة يوما و إن كنت من أهل المشورات
    فالعين تنظر منها مادنا و نأى و ترى

  • علوي

    ما تشيرون إليه وتدعون له، هو عين الصواب، ولكن.. أن خمسين سنة من الحكم غير الديموقراطي، أنتج ..خرابا في العقول.. فهل في رأيكم سيدي الكريم، يوجد من يؤمن بهذا المشروع من رجال السلطة وما يسمى بالمعارضة (كنخبة)؟ فهل هذا الشعب يرتفع إلى هذا المستوى من الوعي، لكي يميل الكفة لجهة دون أخرى لأسباب غير التي نعرفها منذ عرفت الجزائر الاستقلال؟
    تحياتي الخالصة لفضيلتكم

  • نورالدين الجزائري

    1 تنزع منه كل الشهادات حتى الإبتدائي
    2يدفع غرامة أو السجن
    3يُشهر به علانا و يُغسل غسيل الدوارة بوضع اسمه و صورته في الجرائد التي توزع على السكان مجانا فـــي Rundschau
    و لكن الألمان ليسوا بتلك الدرجة و المفهوم الشورى الشرعي ، رغم تبادل الأفكار البرامـج احترام الآخر و ما فيها من تدريب تعليم و أثر مثمر ! إلا أن مصالح الشركات الكبرى إذا تعارضت مع قرار السلطة فالأولى هي صاحبة التنفيذ ! Schroeder في حقبة حكمه أراد وزير الإقتصاد Oscar أن يرفع من ضريبة الشركات و يخفضها من دخل المواطن العامل لتزيد

  • نورالدين الجزائري

    الشوراقراطية و الشورى !! و لم نستطيع أن نطبق الأغرب منها ؟!
    الألمان مجتمع فيه خاصية مهمة و ملفتة: الإنضباط و الإستمرارية فمع مرور الزمن و سير الحياة في تكوين الشخصية تصبح جل حركات المجتمع بكل أطيافها خاصة السياسية منها لا تتحرك إلا تحت مطيّة الدستور Verfassung و كثرة القيّم على القوانين في بنوده ! ليصبح المواطن قليل الخطأ و الظلم و كثير الصواب و العدل. أعطي مثال ليتضح المقال : عندما يُمسك مواطن خاصة إذا كان صاحب نفوذ في السلطة متلبسا برشوة إو إختلاس مهما كان حجم هذه السيئة فإن حياته قد إنتهت !

  • نورالدين الجزائري

    شورى الألمان و استبداد العربان !
    تشتت أفكاري بين هذا و ذاك و حاولت عبثا أن ألُمَ بها بعض الإلمام ، و أنا أحاول إيجاد تعريفا: للشورى عندنا و عندهم محسوسة مرئية، و عندنا هي نصوص في قرطاس لا عملا بها بين الناس ! { و شاورهم في الأمر } 159 آل عمران { و أمرهم شورى بينهم} 38 الشورى { و شاورهم} 233 البقرة. العجيب أنها عندنا مذكروة تكرارا و توضيحا...
    وجدت أن هناك إشكالية في تحقيقها ربما حسب نظري أنها تحتاج إلى ميكانيزمات تدفع بعجلتها للهدف و المبتغى، فنحن و الحمد لله عندنا شورى و مشتقاتها: الديمقراطية

  • بدون اسم

    في الجزائر الكل يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة؟؟؟ و من ثم نرى "التغنانت" هي سيدة الموقف؟؟؟ و منه المجتمع يسير نحو الهاوية بسرعة كبيرة؟؟؟ إن لم يتنازل كل طرف (المعارضة و السلطة) عن "التغنانت" فمؤشر الوضع لا يبشر بالخير؟؟؟