الشيعة و الحوار الغائب؟(1)
سبق وأن حدثتكم عن ليلة العشاء التي جمعتني بالإخوة السلفيين الجزائريين المقيمين بالمملكة العربية السعودية للدراسة والعمل ولمآرب أخرى، وهذا خلال أدائي لمناسك الحج سنة 2010 وتفاصيل تلك الليلة يمكن الرجوع إليها في أرشيف جريدة الشروق التي سمحت لي بهذه المساحة لطرح بعض الإشكاليات التي يجب التعامل معها بحس حضاري دون انفعال أو تشنج، أقول ذلك لأن أحدهم وصف المقالات التي تطرقت فيها للسلفيين”كمن يفترش سريره بجنب فم التماسيح” وهو يعتقد بأن في ذلك مخاطرة ومجازفة بحياتي، ولكن هل المطلوب منا الخوف من التماسيح أم المطلوب منا هو ترويضها حتى يمكن الاستئناس لها أو بها، أم يكون حالنا كحال أحد الزملاء الأساتذة الذي أخبرني بأنه تلقى نصيحة وتحذيرا من أحد الأصدقاء يطلب منه الكف وعدم التعرض للشيعة في الجزائر لأن يدهم طويلة وتاريخهم يشهد على ملحمة الاغتيالات التي تعرض لها خصومهم حسب زعمه.
زميلانا الأستاذ الذي أتجنب ذكر اسمه حتى لا أتسبب في إحراجه، ما فتئ يحذر من خطر الشيعة والتشيّع في الجزائر ويدعي بأنه يمتلك أرقاما وإحصائيات مذهلة حول عددهم وتوزيعهم الجغرافي، ولكن في نفس الوقت لا يدلنا عن الكيفية التي تحصل بها على هذه البيانات وبالخصوص أنه لا يملك مركزا للدراسات المخوّل علميا للقيام بهذه المهمة، هذا إذا استحضرنا تصريح الوزير المنتدب للإحصاء والاستشراف الذي شكك حتى في إحصائيات المؤسسات الرسمية للدولة مع علمنا بأن هذه الآلية كثيرا ما تستخدم للتضليل أو لأغراض سياسية أو أمنية أكثر منها لأهداف علمية يقوم بها الخبراء في علم الاجتماع الذين هم نفسهم ليست لديهم معطيات موضوعية ذات مصداقية يمكن البناء عليها وبالتالي ما هو الهدف من تأويل الحضور الشيعي في بلادنا من بعض المثقفين وحتى السياسيين بمن فيهم من ينتسبون للتيار الإسلامي الذين من شدة غبائهم أعطوا الحق لمن يريد تأسيس حزب سياسي ذو المرجعية السلفية، وهل من مصلحتنا استعداء هذه الطائفة وإن كانت تمثل الأقلية مقارنة مع أهل السنة الذين هم كذلك من شيعة علي كرم الله وجهه ولكن بطريقتهم الخاصة التي لا يعطون فيها كبير اهتمام للإمامة الكبرى التي فشلوا في صناعتها كما حدث في إيران، وفي هذا السياق يقول الخميني:”لقد كنت مجرد طالب علم ومازلت طالب علم، أتلقى دروس الحياة، كل ما هنالك أن الشعب وجد أنني أعبر عما يجيش في نفوسهم فتولدت المودة بيني وبين الشعب في إيران، ومن هنا بدأ الطريق”، نعم الإحساس بنبض الشارع وهمومه والتجاوب معه هي الحكمة التي ضاعت من وردنا فضاعت مكانتنا بين الأمم.
في السنة التي أديت فيها فريضة الحج التي كانت رحلة ثقافية وفكرية وهي من الأمور التي أعتبرها من المنافع الأخرى التي ذكرها الله تعالى في كتابه العزيز، سمحت لي الظروف من الالتقاء بأحد الإخوة الإيرانيين في فوج البعثة وحينما تعرفنا على بعضنا البعض تصادف وأن وجدنا أنفسنا نشترك في عدة أمور، فهو من المهتمين والمشتغلين بالفكر والفلسفة وبرلماني يمثل عرب الأهواز، وحينما فاتحته حول ما يتم تداوله عبر وسائل الإعلام حول اضطهاد العرب الأهواز بإيران نفى ذلك جملة وتفصيلا بدليل أن لهم تمثيلا بالبرلمان والحكومة وعدة مناصب مهمة في الدولة وإذا كانت هناك إجراءات ضد أبناء هذه المنطقة فهي إجراءات قانونية عادية يمكن أن تحدث في أي مقاطعة من مقاطعات جمهورية إيران، لقد تشعب الحديث بيننا ولم يتوقف عند هذه المسألة التي تشغل بالنا كعرب ولكن امتد الحديث حول المصالح المشتركة التي تجمع بين البلدين وعلى ضرورة الحفاظ على العلاقة الأخوية بين البلدين والشعبين واللذين يشتركان في صناعة الثورة التحررية التي خرجت من مشكاة واحدة، وهنا تساءلت ما الذي قدمته لجنة الصداقة الجزائرية الإيرانية بالبرلمان ولجان أخرى لا تتحرك إلا في المناسبات وإلا إذا طلب منها ذلك، قلت كان حواري مع الأخ الحاج الإيراني مفيدا وراقيا فيه نصيب من القلب ومن العقل بخلاف إخواننا السلفيين الذين يبررون ظلم وجور ولي الأمر، فمقاومة الانحراف ونصرة المستضعفين هي صلب العقيدة المذهبية للشيعة وهي من أعلى الواجبات الدينية وهم في ذلك يتأسون بالحديث الشريف الذي قال فيه “والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها” ولكم أن تتصوروا قيمة ومكانة فاطمة الزهراء عند النبي (ص) وعند الشيعة الذين لم ينكروا هذا الحديث أو يطمسوه إكراما لفاطمة رضي الله عنها بل يستدلون به في خطبهم ولمن أراد أن يتوسّع في هذا الباب فعليه بالرجوع إلى الكتاب الذي أهداني إياه الأخ الإيراني بعنوان “أهل البيت في الكتاب والسنة” للأستاذ محمد اليشهري، ولكن ما لا يجب السكوت عليه هو أن الشيعة مثلهم مثل أهل السنة يتفاوتون بين الغلو والتطرف وبين الوسطية والاعتدال وعلينا جميعا إذا
كنا فعلا نبتغي مرضاة الله، الوقوف صفا واحدا ويدا واحدة أمام من يريد الهدم حتى يمكن أن نبني علاقة الثقة التي دمرتها الفتن والأهواء ويكون غدنا خير من يومنا والله الموفق.
.
*كاتب وبرلماني سابق