الصورة الأولى
ما فعله العقيد معمر القذافي طيلة 42 سنة من حكمه لليبيا وما رافق ذلك من مآس وجرائم وكوارث.. لا يرقى بأي حال من الأحوال إلى ما فعله به هؤلاء “الثوار” خلال ساعات أو دقائق عندما تمكنوا منه الخميس الماضي، وهم الذين، ومجلسهم الانتقالي، يدعون الإنسانية والديمقراطية وتقديس حقوق الإنسان.
-
ما فعلوه شاهده العالم أجمع على شاشات التلفزيون وعبر الأنترنت، وهو أن المهزوم معمر القذافي كان يعذب بلا رحمة، وهو يعاني من جروح ثخينة قبل موته، ولا يقدر على الحراك أو التمييز بين الأشياء، في حين كان المفروض أن يعامل معاملة أسير الحرب، خاصة وأنه وقع وسلاحه في يده، والغرب وحلف الناتو الذي يدعي الإنسانية ويوصي باحترام حقوق الإنسان وحقوق أسرى الحرب، هو عراب هذه الثورة وهؤلاء الثوار وهذا المجلس الانتقالي، بل وهو الذي كان الأقرب إلى الحدث على اعتبار أن القذافي كان ضحية القصف الفرنسي أولا عندما كان يهم بالانسحاب من المعركة.. ثم التنكيل بعد ذلك بجثته بعد الإجهاز عليه بوابل من الرصاص والعبث بهذه الجثة وربما تقطيعها فيما بعد بحكم إحجام القنوات التلفزيونية العالمية، ومنها قناة الجزيرة التي تعض على “الثورة الليبية” بالنواجذ، عن عرض صورة لجثة القذافي، قالت أنها تصدم المشاعر لفظاعتها وبربريتها.
-
إنها لصورة أولى وأولية ستلحقها لا محالة صور وصور عما سيلحق ليبيا والشعب الليبي من هؤلاء من أذى ومآس بما يحملونه من أسلحة وأحقاد وروح للانتقام من أجل الانتقام، لا يحكمهم قانون إلا قانون الغاب، ولا يحدوهم وازع إلا وازع الضغط على الزناد، كما اتفق وبدون حدود أو قيود، خاصة وأن وراءهم الهمجية الفرنسية التي لا تراعي شيئا سوى المصالح الاستعمارية الأنانية لفرنسا دون أدنى حسابات أو اعتبارات لقضايا البشر ومعاناتهم، وهي التي عملت منذ الوهلة الأولى لمأساة ليبيا على خلق فرق متناقضة ومتناحرة من المسلحين من مختلف الملل والنحل وتطويعها لخدمة وحماية مصالحها في ليبيا، والتي لن تمر دون حرب أهلية ومآس سياسية واجتماعية وأمنية، وهذا ما يجب أن يذكر الليبيين والمجتمع الدولي بأسره بما فعلت فرنسا بمنطقة البحيرات العظمى في إفريقيا، حيث مات أكثر من مليون شخص في الحروب الأهلية التي كانت تغذيها فرنسا مباشرة برواندا وبورندي والكونغو من أجل حماية مناجم الذهب والماس المستغلة من طرف الفرنسيين والبلجيكيين.
-
كما أن اغتيال القذافي بهذا الشكل في الوقت الذي كان بالإمكان القبض عليه حيا وتقديمه للمحاكمة لا بد أن يحيل على اليد الفرنسية في هذه الجريمة، إذ أن محاكمته كانت ستكشف حتما عن الكثير من الفضائح التي تورط فيها الرئيس ساركوزي مع القذافي نفسه، وأقلها تمويل حملته الانتخابية للرئاسيات الفرنسية من الأموال التي كان يغدقها عليه العقيد.
-
…إنها صورة أخيرا وليس آخر لما يمكن أن يتعرض له النساء والأطفال الليبيون الذين لجأوا إلى الجزائر والذين يلح المجلس الانتقالي على تسلمهم بأي ثمن، من قتل وتنكيل بالجثث، وهذا ما لا يجب أن يحدث بأي ثمن، وإلا كانت الجريمة جريمتين والبربرية بربريتين.