الصّحابة.. والمنافقون!
يهتمّ أهل المكر وأعوانهم من العلمانيين والطّائفيين كثيرا بمسائل وقضايا التاريخ، ليس بغرض البحث عن المعلومة أو الحقيقة، إنّما بغرض التّنقيب عمّا يخيّل إليهم أنّها سقطات وثغرات يمكن استغلالها لتشويه سير عظماء الأمّة المسلمة.. وهؤلاء المتخصّصون في التّنقيب عن المثالب والجروح يريدون لشباب الأمّة في هذا الزّمان أن يقطعوا صلتهم بسلفهم وتاريخهم، ويشُكّوا في قدواتهم من الصّحابة المرضيين والخلفاء الراشدين والهداة الفاتحين، ويُسقطوا عدالتهم ويجعلوهم غرضا، ليسهل للمتربّصين بعد ذلك تشكيك الأغيار من الشباب فيما جمعه ونقله أولئك الأخيار من كتاب الله وسنّة رسوله -صلّى الله عليه وسلّم- ويتسنّى لهم ضمّ من يمكن ضمّه إلى الطّوائف المنحرفة أو إلى أرصفة الإلحاد، وحرف وجوههم وقلوبهم إلى القدوات الجديدة التي يصنعها الإعلام الموجّه من الفنانين والمغنّين واللاعبين!
كان إبليس أوّل من سعى في إسقاط الرّموز والقدوات، حينما وجّه عزمه وهمّته لإسقاط آدم -عليه السّلام- وتصغيره والتقليل من شأنه: ((قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ))، ثمّ أخذ على عاتقه إسقاط كلّ من سار على الصّراط المستقيم من ذرية آدم: ((قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيم)) (الأعراف: 16).. ولا يزال في كلّ زمان يجنّد له أعوانا في مهمّته القذرة التي أوقف حياته لها.. ولا يشكّ عارف في أنّ إبليس هو شيخ مشايخ هذه الطّوائف التي تحاول إسقاط قدوات الأمّة وعلمائها ودعاتها والآمرين منها بالمعروف النّاهين عن المنكر.. وهو -كذلك- شيخ المتربّصين الذين يروّجون للشّبهات التي يطرحها أتباع هذه الطّوائف ويزيّنونها لتوافق أهواء النّفوس الأمّارة بالسّوء التي دائما ما تميل إلى قبول الطّعن في الرّموز والقدوات، لأنّ هذا الطّعن يجد للأنفس المريضة المثقلة بأغلال الدّنيا عذرا في تقصيرها، لتقول: إذا كان الصّحابة الذي رأوا النبيّ -صلّى الله عليه وآله وسلّم- وصحبوه وشهدوا التّنزيل ورأوا المعجزات، على هذه السّيرة! وإذا كان العلماء والدّعاة والمصلحون على هذه الحال، فنحن معذورون في تقصيرنا وسوء فعالنا!
هؤلاء المتربّصون وأتباع الطّوائف المنحرفة، يسيرون على منهج واحد في التعامل مع سير الصّحابة والخلفاء والفاتحين والعلماء والدّعاة العاملين، هو المنهج الذبابي؛ فكما أنّ الذباب يترك المواضع السّليمة من الجسم ويقع على الجرح مهما كان صغيرا، فكذلك المنقّبون عن المثالب وأتباع الطّوائف المنحرفة يتركون الحسنات الكثيرة المتواترة، وينقّبون عن الأخطاء اليسيرة لينفخوا فيها ويضخّموها!
الماكرون والمتربّصون بالأمّة، ومنذ أول يوم عجزوا فيه عن مجابهة الفاتحين في الميدان سعوا سعيا حثيثا في إفساد الإسلام من الداخل، فتظاهر من تظاهر منهم بالإسلام ونشروا في الأمّة آلاف الروايات المكذوبة التي تشوّه الصّحابة المرضيين والخلفاء الراشدين والهداة الفاتحين وتحطّ من أقدارهم وتتّهمهم في دينهم.
المسلمون الصّادقون اهتمّوا بنخل الروايات وتمييز صحيحها من سقيمها، وعمدوا إلى عرضها على آيات القرآن وعلى المتواتر من سير أولئك الأخيار الأبرار، لكنّ مرضى النفوس قلبوا الآية، فعمدوا إلى الروايات التي وضعها المتربّصون على دين الله فجعلوها الأصل في الحكم على خير خلق الله بعد الأنبياء والمرسلين، وعمدوا إلى آيات القرآن فأوّلوها وإلى الأحاديث المتواترة فردّوها.. ((وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ)).
لعلّ من أعجب عجائب المفتونين بالتنقيب عن مثالب الصّحابة المرضيين والخلفاء الرّاشدين والهداة الفاتحين، إصرارهم على توسيع دائرة النّفاق لتشمل أخيار الصّحابة الذين تواترت النّصوص بفضائلهم ومواقفهم السّاطعة في نصرة الله ورسوله، في مقابل سكوتهم المطبق عن المنافقين الذين عرفوا في المدينة واشتهروا، وذكرت كتب السير أسماء العشرات منهم!
ومن الأمثلة الصّارخة في الدّلالة على انتكاس عقول هؤلاء المفتونين بالطّعن في الصّحابة أنّهم يغضّون أبصارهم وأقلامهم عن المنافقين الذين حاولوا اغتيال النبيّ -صلّى الله عليه وآله وسلّم- في طريق العودة من غزوة تبوك سنة 9هـ، ويصرّون على انّ الأخيار أبا بكر وعمر وعثمان وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقّاص، ومعهم صحابة آخرون، هم من حاولوا قتل النبيّ عليه الصّلاة والسّلام!!! فأيّ جهل وأيّ كذب هذا؟! لماذا يحاول أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة وسعد قتل النبيّ -عليه الصّلاة والسّلام- وهم الذين آمنوا به يوم كان وحيدا يكذّبه قومه؟ ولماذا يحاولون قتله في العقبة بعيدا عن المدينة بأكثر من 400 كم وهم الذين كانوا لا يفارقونه في المدينة إلا قليلا؟ وماذا يستفيدون من قتله؟ لقد تولى أبو بكر وعمر وعثمان الخلافة، فماذا استفادوا منها؟ هل استفادوا مالا وهم الذين لم يجد الواحد منهم ما يكفّن به عند موته؟ هل ورّثوا الخلافة لأبنائهم؟ ثمّ كيف يسمح الله بأن يدفن أبو بكر وعمر إلى جوار نبيّه المصطفى -عليه الصّلاة والسّلام- في المسجد النبويّ وهما اللذان حاولا قتل خليل الرّحمن كما يزعم المفتونون؟! كيف يفكر أبو بكر وعمر وعثمان في قتل النبي في غزوة قدّم قبلها أبو بكر ماله كلّه نصرة لرسول الله، وقدم عمر شطر ماله، وقدّم عثمان ما لم يقدّمه أحد غيره؟!
عجيب أمر هؤلاء المفتونين الذين أعمى الجهل أبصارهم وختم الهوى على عقولهم فلا يعقلون إلا قليلا.. المنافقون كانوا معروفين ببخلهم وإمساكهم وقعودهم عن الجهاد، وبسخريتهم من النبيّ وأصحابه، وقد ذكر أهل السير أسماء العشرات منهم، وتحدّثوا عن أفعالهم وعن سوء خاتمة كثير منهم، وذكروا أسماء المنافقين أهل العقبة الذين حاولوا قتل النبيّ الكريم؛ فأين هؤلاء من الصّحابة الذين صدقوا الله ورسوله -صلّى الله عليه وسلّم- وجاهدوا في سبيل الله وأحاطوا النبيّ في المواقف ليحموه، وحملوا راية الإسلام بعد وفاة النبيّ -عليه الصّلاة والسّلام- فقاتلوا المرتدين، وفتحوا فارس والرّوم، وماتوا وهم يذكرون الله ويرجون الدّار الآخرة؟ إذا كانوا منافقين وكفّارا مرتدّين، فلماذا يقاتلون المرتدّين؟ وإذا كان غرضهم من رفع راية الجهاد وفتح البلدان حطام الدّنيا، فماذا حصّلوا من هذا الحطام؟ ولماذا لم يعدّد خصومهم القصور التي سكنوها والأموال التي جمعوها؟!