الرأي

العدوان على غزة والتضليل الاعلامي

تشن “الدولة العبرية” حربا إعلامية دولية على المقاومة الفلسطينية لتبرير العدوان على غزة، مستخدمة فيها الإشاعة والدعاية والتضليل الإعلامي، وهي تعيد إنتاج الخطاب الهتلري النازي ظنا منها أنها تستطيع أن تغطي على جرائم الإبادة والتدمير في فلسطين المحتلة.

الشهود والإبادة؟

يتساءل جان نويل كابفيرير في كتابه (الشائعات) قائلا: “هل يمكن الادعاء بأن أي تداول شفوي للأخبار يعد إشاعة؟”، ويجيب قائلا: “الإشاعة تقوم على عملية ضرب الأهمية في الإلتباس وهو ما تقوم به “الدولة اليهودية”، فالإقناع ببشاعة القتل الجماعي والتدمير الشامل يحتاجان إلى الالتباس والغموض وذلك بالادعاء أنها تتصدى لـ”صواريخ المقاومة وأنفاقها”، زاعمة أن حماس لم تلتزم بـ”الهدنة الإنسانية” التي أقرتها الأمم المتحدة، مستندة إلى الدعم الأمريكي في الممارسة العلنية لجرائمها، خاصة وأنها تحظى – في الوقت نفسه – بالرعاية المالية من الكونغرس بسبب التضليل الإعلامي لحكومة باراك أوباما.

يعالج كتاب “الأكاذيب الرسمية – كيف تضللننا واشنطن” للأمريكيين جيمس بينيت وتوماس ديلو رينزو، “إن الفظائع التي ارتكبها سادة الدعاية تخفي ممارستها على نطاق واسع في الولايات المتحدة وغيرها”.

والحقيقة المشتركة بين الجميع تقول أنه: “يمكنك أن تكذب بعض الوقت على كل الناس، وكل الوقت على بعض الناس، لكن لا يمكنك أن تكذب كل الوقت على كل الناس”، فهل أكاذيب “الدولة العبرية” كل عامين للقيام بالعدوان على غزة هي مقنعة بعد أن صارت الإبادة علنية وتحولت أكذوبة “الهولوكست” – كما يقول الفيلسوف الفرنسي روجي جارودي – إلى شعائر دينية “يهودية” في إسرائيل.

عندما كان العالم منقسما إلى كتلتين تتزعم الأولى أمريكا ويتزعم الثانية الاتحاد السوفياتي -سابقا- كان يصعب “الصمت على الجريمة” أو تزكية المجرم، فالثنائية القطبية كانت تهدد العالم بحرب نووية محتملة، ولكنها تحافظ على التوازن بين القوى الدولية وتحمي كل كتلة محورها الدولي، أما اليوم فإن هناك امبراطورية واحدة هي أمريكا وتمثل في الفكر العربي “نحن” تقود الأمم المتحدة وأوروبا، وتقابلها فكرة “هم” التي كانت في الفكر الفلسفي لجان بول سارتر تعني الآخر أو “جهنم”.

في عهد الامبراطوريات البريطانية والفرنسية والعثمانية كانت مهمة الجواسيس صناعة “رجال الدين” الذين تستخدمهم لإقناع المتطرفين بتدمير كل ما يمت إلى الفكر الديني الإسلامي، فقد أورد الجاسوس الانجليزي همفر في مذكراته بأن بريطانيا العظمى وضعت خطة لـ”هدم القباب والأماكن المقدسة في بلاد المسلمين بحجة أنها وثنية وشرك، وتكفير المسلمين لبعضهم البعض، وإباحة دمهم، وسلب أموالهم، وهتك أعراضهم”، ويدعي أنه أقنع محمد بن عبد الوهاب بتنفيذها، فهل ما تقوم به “داعش” هو امتداد للفكر السلفي الوهابي وما علاقة المحور الامريكي – المصري – السعودي بهذا المشروع الداعم للدولة العبرية عبر ما يسمى بـ (المبادرة المصرية) لتجريد المقاومة من سلاحها وإعطاء شرعية للعدوان الصهيوني على فلسطين؟

يستند العدوان على غزة إلى معلومات تضليلية تفيد أنه يستهدف الأنفاق وصواريخ المقاومة الموجودة خارج غزة، ولكن الحقيقة عكس ذلك، فقد طال الشعب الفلسطيني ومساكنه وإدارته وحتى أماكن عبادته (هدمت أكثر من 75 مدرسة و120 مسجد و8 مستشفيات وأغلب السكنات)، وخلال 29 يوما من الإبادة والتدمير استشهد ما يقرب من 2000 شهيد وجرح أكثر من  10 آلاف منهم 85٪ من الأطفال والنساء والشيوخ، وشرد ما يقرب من نصف مليون، وحتى الهيئات الدولية التي لجأ إليها الفلسطينيون لم تنج هي ايضا من القصف ولم يحرك أحد ساكنا، وكأن الفلسطينيين قدموا من كوكب آخر ومطلوب من الصهاينة إبادتهم ومحوهم من خريطة وطنهم الأصلي فلسطين، والأغرب أن يجتمع مجلس الأمن ليعلن أن ما تقوم به الدولة الاسلامية في العراق وسوريا “قد يشكل جريمة حرب”، بينما يعتبر ما تقوم به إسرائيل مجرد دفاعا عن النفس بالرغم من أنها تصر أنها دولة يهودية دينية مثل داعش ويحتفل مواطنوها بقتل الفلسطينيين.

ماذا لو يعود هتلر من قبره ويعيد كتابة مذكراته “كفاحي” لا شك أنه سيقول: إن ما نسب إليه من جريمة فيما يسمى بـ”الهولوكوست” لا يمثل إلا 10٪ مما يفعله يهود اليوم بغزة؟

عندما أخفت اسرائيل عملية اختطاف أول جندي لها بعد أن قلّصت من عدد قتلاها المجندين ممن يحملون “كتبهم” الدينية فوق الدبابات فوجئت بالمقاومة وهي تعطي اسمه ورقمه فالتزمت الصمت، والمفارقة أن مواطنا من نواكشوط بادر الى بيع “شريحة هاتفه” التي تحمل رقم هذا الجندي بـ10 آلاف دولار ليتبرع بها إلى ضحايا العدوان على غزة.

اعتمد الصهاينة على فكرة إعلان عن هدنة من طرف واحد، ثم خرقها واتهام المقاومة بعدم الالتزام بها، مستغلا “الأبواق الإعلامية لبعض الأقطار العربية بهدف الانتقام من الشعب الفلسطيني، فمن يقرأ أرقام الشهداء في خان يونس (أكثر من 521 شهيد) وغزة (أكثر من 396 شهيد) ورفح (أكثر من 373 شهيد) وشمال قطاع غزة (أكثر من 277 شهيد) وغزة الوسطى (أكثر من 236 شهيد)، يكتشف أنها المدن التي تم بالقرب منها قتل الجنود الصهاينة، وكأن العملية انتقامية لجنودها الذين زعمت أنهم 64 قتيلا و400 جريح، والحقيقة أن التقارير الأمنية تشير إلى أكثر من 200 جندي يكونون قد انتحروا، أما محاولات الانتحار فهي حديث العام والخاص في إسرائيل، صحيح أنها منذ 32 سنة من عدوانها على الفلسطينيين والشعب اللبناني لم تخسر أكثر ممّا خسرته في هذه الحرب، وهي تذكرها بما وقع لها في لبنان عام 1982.

ما يثير الاستغراب أن أمريكا والغرب دعما اسرائيل ماليا وسياسيا وإعلاميا، لكن بالمقابل لم يتلق الشعب الفلسطيني الاّ دعم الشعوب، فبعض الحكومات العربية ومنها مصر أرسلت شاحنات محملة بـ”الأكفان”، وكأنها لا تدرك أن الشهداء لا يغسلون ولا يكفنون.

عندما يكذب رؤساء الدول العظمى

عندما أصدرت قيادة الاحتلال بيانا تعلن فيه أن الضابط هدار جولدين خطفته حماس صبيحة الجمعة (الفاتح من أوت 2014) بعد ساعة ونصف من سريان الهدنة الانسانية التي أعلنتها الأمم المتحدة ووافقت عليها اسرائيل والمقاومة، قال بيتر ليرنر، الناطق الرسمي باسم الجيش: “نحن متأكدون من مسؤولية حركة حماس عن العملية”، وطلب نتنياهو دعما من أمريكا للإفراج عنه، وفوجئ العالم بظهور الرئيس الأمريكي باراك أوباما -بعد بضع ساعات- ليعلن قائلا: “إذا كان الفلسطينيون جديين عليهم الإفراج الفوري غير المشروط عن الجندي الاسرائيلي المختطف”، واقترح على نتنياهو تقديم مساعدات استخباراتية للوصول إلى المختطفين، وظهر بعده بان كي مون، الأمين العام للأمم المتحدة وهو يطالب حماس بالإفراج عن الضابط بالرغم من نفيها لاختطافه، وتوالت تصريحات رؤساء الدول والحكومات الغربية، لكن لا أحد تقصى الحقيقة، لأن الحادثة مفتعلة ويراد منها تضليل الرأي العام وتوريط أمريكا والغرب في العدوان على غزة، وتداولت مواقع التواصل الاجتماعي خبرا يفيد أنه ابن أخ الجنرال موشيه بوغي يلعون من لواء جفعاتي.

والمفاجأة التي شكلت فضيحة العصر هي سماح المؤسسة العسكرية للإعلام الاسرائيلي بنشر الحقيقة، وهي ان الجيش الاسرائيلي فضل إخفاء قتل الضابط، لأنه تحول إلى اشلاء حتى يتم ترتيب جنازته رسميا وتأجيل الهدنة حتى يتمكن نتنياهو من الضغط دوليا على حماس، وحتى عائلة الضابط تم تضليلها فطالبت بعدم ترك غزة حتى تحرير ابنها، وهي فضيحة يصعب على المواطن الأوروبي والأمريكي أن يقبلها.

كذب الجميع على الرأي العام ولم يعتذر أحد بالرغم من أن الكذب جريمة لا تغتفر في أبجديات الديمقراطية الغربية وخاصة في القوانين الأمريكية، فكذبة بيل كلينتون دفع ثمنها، وكذبة جورج بوش دفع ثمنها، فهل يدفع باراك أوباما ثمنها، وهل يدفع بان كي مون ثمن كذبته، أم ان نتنياهو واللوبي الصهيوني يغطون عليها؟

مقالات ذات صلة