الفرصة الأخيرة
إذا كان غالبية الجزائريين مقتنعون بأن مباراة عمرهم قد انتهت ولم يعد لهم وقت بدل الضائع لتحويل النتيجة لصالحهم، فإن احتضان الجزائر نهار أمس لملتقى دولي لمكافحة الفساد وتوقيع الرئيس عبد العزيز بوتفليقة أول أمس لمرسوم بتشكيل الديوان المركزي لقمع الفساد هو آخر فرصة لأجل إنقاذ البلاد من الانهيار الذي جعلها تحتل مركزا مؤسفا في العالم في استفحال الفساد بكل أشكاله بما فيها الفساد الشعبي الذي أقنع المواطن البسيط بضرورة دفع الرشوة حتى يحصل على حقه في العلاج أو في العمل أو في الحصول على وثيقة هويته ككائن حي أو في الدراسة في الاختصاص الذي يفضله إلى درجة أن بعض الأئمة أفتوا بجواز الدفع لأجل الحصول على حقوق ضائعة.
- وإذا كان غالبية الجزائريين مقتنعون بأن اقتراح الدواء جاء متأخرا والديوان المركزي لقمع الفساد ستنسفه ألغام الفساد المزروعة في كل مكان فإن قطع حبال الأمل واعتبار أي تحرك بغير المجدي هو أيضا فساد صرنا نعاني منه بالقول بأن الأمل قد ضاع بعد أن صار الفساد أسلوب حياة يلجأ إليه العوام والخواص في تبادل للأدوار تُصبح فيها الرشوة ملف شخصي أو سيرة ذاتية تتفوق على كل الشهادات والخبرة المهنية.
وما يجعلنا نتشبث بهذه الفرصة الأخيرة هو ما يحدث من حوالينا من تغييرات تطلب جميعها الحياة السعيدة وقهر الظلم المسلّط من طرف الذين تحكموا في زمام الأنظمة، والتي جعلت أرقام الأموال المهرّبة والمبيَضة في العواصم الغربية يأخذ أصفارا غير منتهية بملايير الدولارات، تغييرات جعلت البلدان الديموقراطية تُحرك آليات قمع الفساد الأخلاقي بعد المالي الذي طال البرلمانات والمؤسسات الإقتصادية وحتى الكنائس حتى لا تصلها الثورات، إلى درجة أن الكيان الصهيوني سارع للإعلان عن الحُكم الصادر في حق رئيسه السابق موشي كاتساف الذي تورّط في التحرش الجنسي بمديرة مكتبه وببعض الموظفات، حيث سيقضي سبع سنوات في السجن رغم أن سنه قارب السبعين.
يختلف مكافحو الفساد في العالم في البدايات وليس في المبدأ، فمنهم من يطالب بمحاربة الفساد الفوقي أولا حتى يذوب الفساد القاعدي معه، ومنهم من يطالب بالبدايات السهلة لتمكين الآليات مما هو أصعب، ولكنهم في كل الأحوال يسارعون إلى محاربة الفساد، وفي الجزائر فإن الورم بلغ الجسد كله فأصبح العلاج الشامل وبدقة وبسرعة هو الفرصة الاخيرة، ويؤسفنا أن تقول الدولة منذ أيام قليلة فقط أنها قررت متابعة الذين لا يدفعون إيجار السكن الاجتماعي من البسطاء الذين تحصلوا على حقهم في السكن ولم يؤدوا واجباتهم في الدفع منذ عشرات السنين، ويؤسفنا أن يقول مدير الضرائب منذ أيام قليلة فقط أنه تقرر متابعة المؤسسات العمومية العملاقة التي لا تدفع الضرائب قضائيا، مما يعني أن الدولة هي التي سمحت على مدار عقود للمواطنين البسطاء من التهرب من واجباتهم وللبارونات الكبار والمؤسسات العملاقة من التهرب من واجباتهم فساهمت مباشرة في تأسيس جمهورية الفساد الموازية.
المشكلة الآن أن الطلبة الجامعيين المتفوقين صاروا مقتنعين بأنهم لن يتنقلوا لمرحلة الماجستير من دون دفع رشوة، والبطال الطيّب صار مقتنعا بأنه لن يدخل عالم الشغل من دون دفع رشوة، والمريض صار مقتنعا بأنه لن يتمكن من إجراء العملية الجراحية من دون دفع رشوة، والمسافر صار مقتنعا بأنه لن يحصل على جواز سفره من دون دفع رشوة والكل مقتنع أن لا أحد يبلغ المسؤولية من دون أن يدفع رشوة وعلى الدولة الآن أن تقنع هؤلاء بتغيير الوجوه القديمة والآليات القديمة بأن الأمل موجود وأن تسجل هدفها في هاته الفرصة الأخيرة التي سنحت لها.