-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الفرصة التي لا يُضيّعها إلا غافل محروم!

سلطان بركاني
  • 1093
  • 0
الفرصة التي لا يُضيّعها إلا غافل محروم!

لم تعد تفصلنا عن العشر الأواخر من رمضان سوى ساعات معدودة، وهي -في ميزان مَن يطلب الخير لنفسه- ساعات حاسمة في الاستعداد والتهيؤ… ونحن لو كنّا ندرك قدر العشر الأواخر من رمضان، لحملنا همّ الاستعداد لها في أيام وليالي العام كلّها، كيف لا وهي عشر الرجاء والعطاء؟ لكن على أضعف الإيمان، يفترض أن تكون الساعات الأخيرة التي تسبقها مضمارنا للاستعداد.
العشر الأواخر تستحقّ أن نعلن حالة الاستنفار في دواخلنا وفي بيوتنا استعدادا لها؛ فليس حقّها أن تضيَّع في الأسواق بحثا عن كسوة العيد أو حلوياته، وهي أثمن وأغلى من أن نُضيِّع ساعاتها في المقاهي حول طاولات الدومينو والورق وجلسات القيل والقال!
ليالي العشر الأواخر، منحة الله الخالصة لعباده المسلمين؛ هي هدية الله لكلّ محتاج، لكلّ مدين أثقلت الدّيون ظهره وأذلّته، لكلّ مهموم كتمت الهموم والغموم أنفاسه، لكلّ مريض ملّ التنقّل بين الأطبّاء والمستشفيات والصيدليات… لكلّ زوج نشزت زوجته فأرهقته، ولكلّ أب تشتّت عنه أبناؤه وأرهقوه بعقوقهم وعنادهم وهو الذي يتمنّى ألفتهم وبرّهم وصلاحهم. هي باب الله المفتوح لكلّ من تعسّرت عليه أمور الدّنيا. والأهمّ من ذاك، أنّها منحة الله لكلّ عبد يتمنّى أن يسير في طريق الجنّة ويكون يوم القيامة من أهلها ولكنّ نفسه أرهقته؛ نفسه تعانده وترفض الانقياد له على طريق الاستقامة والصّلاح. يريد أن يكون محافظا على صلاته في بيت الله ولكنّ نفسه تخلد به إلى الأرض وتشغله بالتوافه ومحرقات الأعمار. يتمنّى أن يكون له نصيب من الصّدقات كلّ شهر ولكنّ نفسه تأبى عليه وتحصي له في كلّ مرّة مصاريف المطبخ والسيارة وحاجيات البيت والأبناء. يتمنّى لو يحفظ كتاب الله ويختم تلاوته كلّ شهر، ولكنّ نفسه الأمّارة بالسّوء تسوّف له في كلّ مرّة وتقنعه بالتأجيل والتأخير. يتمنّى لو كان بارا بوالديه خافضا لهما جناح الذلّ من الرّحمة، ولكنّ نفسه الغضوب لا تسعفه. يتمنّى لو يصطلح مع أقاربه وجيرانه وينهي العداوات التي اضطرمت بينه وبينهم لأجل دنيا فانية، ولكنّ نفسه في كلّ مرّة تعتزّ بالإثم وتوسوس له بأنّه هو المظلوم والآخرين هم من ظلموه…
النّفس بلاء، وما من عبد من عباد الله إلا وهو في أمسّ الحاجة إلى عون الله لينتصر عليها. ولو أنّ العبد وُكل إلى نفسه لخاب وخسر، لذلك علّمنا النبيّ –عليه الصّلاة والسّلام- أن نستعيذ بالله من أن يكلنا إلى أنفسنا، وأوصانا بأن يدعو الواحد منّا بهذا الدّعاء دائما وأبدا: “يا حيّ يا قيّوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كلّه ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين”.
العشر الأواخر فرصة كلّ واحد منّا ليستمطر عون الله ومدده، ولو لم يكن مكسب الواحد منّا من العشر الأواخر إلا أن يعينه الله على نفسه ويهديها له، لكفاه خيرا في الدّنيا والآخرة… العشر الأواخر فرصتنا السانحة لنشكو إلى مولانا ضعفنا وقلّة حيلتنا، لنشكو إليه نفوسنا الأمّارة بالسّوء ونرجوه بألسنتنا وقلوبنا ودموعنا أن يصلح لنا أنفسنا. فرصتنا لأن نجأر إلى مولانا بأن يهدينا إلى ما يحبّ ويرضى، ويردّنا إلى طريق الجنّة ردّا جميلا. أن يكشف القسوة عن قلوبنا والغفلة عن أرواحنا. فرصتنا لأن نستعيذ بمولانا الرحيم من قلوب لا تخشع وعيون لا تدمع وأدعية لا يستجاب لها… العشر الأواخر فرصتنا لأن نبكي لمولانا ونحن ندعوه بأن يجعلنا من عتقائه في العشر الأواخر، ويكتب لنا رضوانه ويقضي بكتابة أسمائنا في سجلّ السعداء.
العشر الأواخر فرصة لا يضيّعها إلا محروم؛ أبواب السّماء تفتّح كما لا تفتّح في أيّ وقت آخر، والدّعاء فيها يخترق حجب السّماوات، والملائكة تتنزّل كما لا تتنزّل في غيرها من الليالي والأوقات. وأعداد من يعتق الله رقابهم لا يحصيها إلا الله.
العشر الأواخر ستبدأ هذا العام من اللحظة التي يرتفع فيها أذان المغرب يوم الثلاثاء، لكن علينا أن نحتاط بأن نجهّز أنفسنا عند أذان المغرب يوم الاثنين، حين تبدأ العشر الأواخر عند إخواننا في بلدان أخرى… ينبغي أن نوقظ قلوبنا وأرواحنا وأن نعتذر لأصحابنا وأحبابنا عن جلسات المقاهي بأنّ ساعات المنح والعطايا والهدايا قد بدأت.
العشر الأواخر منحة، لكن ليس لكلّ النّاس، إنّما لمن تعرّض لها بإيقاظ قلبه وروحه، وزاد من اجتهاده في طاعة ربّه… فليس يليق بعبد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يزداد كسلا في العشر الأواخر من رمضان وينقص من وقت الصلاة ويزيد في وقت اللغو، ثمّ يتمنّى أن تفتح له ليلة القدر! ليلة القدر لا يوفّق لها إلا من عرف للعشر الأواخر قدرها، ولين القلب وسموّ الروح لا يجدهما من أنفق ساعات العشر الأواخر في الأسواق والمقاهي وأمام شاشة الهاتف… قدوتنا –عليه الصّلاة والسّلام- كان إذا دخل العشر الأواخر شدّ مئزره وأحيى ليله وأيقظ أهله، وسلفنا الصالح كانوا إذا دخل العشر الأواخر جعلوا أنفسهم وقفا لله وقضوا ساعات العشر بين قيام وتلاوة وذكر واستغفار ودعاء، ولم يكن لدنياهم حظّ من العشر الأواخر… فماذا نحن صانعون؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!