القاعدة السلفية: “الآخر هو الجحيم”
إن كثيرا من المسائل التي كنا نعتقد في يوم من الأيام أنها من المسلمات أضحت اليوم محل مراجعة وقراءة جديدة في مدلولاتها ومآلاتها وما ذلك إلا لأن انتقال هذه المسلمات إلى الواقع العملي قد أفرزت نتائج جد سلبية ومآس إنسانية، وقف أمامها حتى من يحملون أمانة الدين عاجزين على علاجها، بل تحولوا هم أنفسهم إلى جزء من المشكلة، وبدل أن يفر الناس إليهم أصبحوا يبتعدون ويفرون منهم إلا من بقي يؤمن منهم إيمان العجائز الذي تجاوزه الزمن.
في وقت سلف كنا نفهم الحديث النبوي الشريف “إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوّجوه” على ظاهره وبساطته المصحوبة بالنية الحسنة الزائدة عن اللزوم، بالرغم من القيمة المقدسة للتدين الذي يفرق عن الأخلاق كما تم الإشارة لذلك في سياق الحديث الذي فصل بينهما، فكم من ولي اشتكى من خياره الخاطئ حينما رضي بتزويج ابنته لرجل ظهر عليه التدين ولكن اكتشف فيما بعد أن أخلاقه فاسدة وسيئ المعشر في بيته ومع جيرانه وزملائه في العمل أو في ممارسة التجارة وهذا بالرغم من حرصه على أداء الفرائض وبالخصوص الصلوات الخمس في المسجد التي لا يبرح إلا ويعود منها غاضبا متنرفزا بسبب الاشتباك والجدال الذي يحدث بينه وبين “إخوانه المصلين”، بل ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد وإنما تنتقل في بعض الأحيان الخصومة إلى الشجار والسباب الذي نهى عنه الرسول عليه الصلاة والسلام كما جاء على لسانه “سباب المسلم فجور وقتاله كفر”، ولكن وللأسف الشديد غابت من حياتنا اليومية كل معاني التسامح لدرجة التكفير والتكفير المتبادل حتى فيما بين المتدينين ورواد المساجد أنفسهم، فما بالك بحال العلمانيين أو الحداثيين الذين أخرجوا من دائرة الإيمان بغير وجه حق والصواب، كما يجب أن يكون هو ما جاء في مقال الدكتور محمد الشحات الجندي بجريدة الاهرام المصرية بعنوان “المدخل الأشعري للتجديد الإسلامي” حيث شدد على ضرورة البناء العقدي وتغليب درجة الإيمان على درجة الكفر وهذا بقوله “إن المسلم إذا نطق بقول أو قام بعمل يحتمل الكفر من تسعة وتسعين وجها والإيمان من وجه واحد حمل حاله على الإيمان،…”، وهذا المنهج في التفكير هو الذي جاءت به المدرسة الأشعرية المعتدلة التي تعتبر من مكونات وأسس مرجعيتنا الدينية بالجزائر.
حينما دعوت في عدة مناسبات إلى إشاعة ثقافة النقد بشرط الالتزام بأدبيات الكتابة البعيدة عن السب والقذف والكذب وتلفيق التهم، فهذا أبلغ دليل على أنه ليس في نيتنا الحط من كرامة أهل الحق والانتقاص من قدر الآخر والتقليل من شأنه، كما يتوهم الشيخ الدكتور محمد فركوس في رده علينا من خلال مقاله الشهري بعنوان “جواب على جناية المتهجم على دعاة الإصلاح: أين صفرة الوجل وحمرة الخجل يا ناطح الجبل؟! ” والذي عبر فيه على سلامة المنهج السلفي الذي هو أحد شيوخه الذين احترمهم ومن أن السلفية والسلفية فقط هي الفرقة الناجية، كما وأنه اعتبر مخالفتي له في كثير من المسائل على أنها بغي وظلم في حقه وفي حق مذهبه الذي تحول إلى دين يتبع، كما وأنه علل سبب نقدي لمرجعيته كوني من “الحركيين الذين رضعوا لبان الحزبية حتى نشزت منها عظامهم وفتقت منها أمعاؤهم…”، والحقيقة أن مذهبي في النقد الذي يعتبره البعض مشاغبة محترف، هو محاولة ونضال من أجل إعلاء قيمة النزعة العقلية التي لا ترى قدسية لأي نص بشري مهما كان المقام العلمي والاجتماعي لصاحبه، ولكن السؤال المطروح ألا يستخدم الشيخ فركوس وأصحابه نفس الأسلوب الذي ينكرونه علينا في تعاملهم مع من يختلفون معهم لدرجة وصفهم بأنهم من أهل الأهواء والبدع والضلال؟ ألا يمكن الحكم عليهم بعد هذا التقييم المتطرف بأنهم بذلك طبقوا فعلا سنة الفيلسوف الوجودي سارتر التي جاءت في مقولته الفلسفية الشهيرة “الآخر هو الجحيم” وهذا ما لا نريد له أن يشيع بيننا وإنما أن يحل محله قاعدة “الآخر هو النعيم”، وبذلك يحق لنا وبفخر أن نكون رحمة مهداة للعالمين وأهلا بالزواج الناجع الذي يعمر ولا يهدم ويهب الحياة بدل صناعة الموت التي تأتي دائما بعد التأسيس للجهل الذي من واجبنا محاربته.