اللعب الخشن قبل الدقائق الأخيرة
ما يحدث في سوريا، ليس صدفة، وبدء الجماعات المسلحة الهجوم بنحو 20 ألف مسلّح من عدة عرقيات وانتماءات وولاءات، على شمال سوريا والاستيلاء على حلب، تمهيدا لاختراقات في حماه، كان مخططا له من قبل، في كلّ من الكيان الصهيوني أساسا والولايات المتحدة، وهذا منذ الصائفة الماضية على الأقل، عندما بدأت ترشح أنباء عن تسليح ما يسمّى “المعارضة” السورية ودعم بالطيران المسيّر والوافدين الجدد من أوكرانيا.
الكيان الصهيوني الذي لم يخف دعمه لهذه الجماعات أو على الأقل لفصائل منها، وهي كثيرة ومتعدّدة المشارب ومتناقضة داخلية أيضا، يجمعها عنصر واحد هو إحداث الفوضى بالمنطقة، الفوضى الخلاقة التي بشّرت بها إدارة بوش الابن قبل ثلاثين عاما، انطلاقا من لبنان، على لسان كوندوليزا رايس.
المحاولة ذاتها تعاد اليوم.. لقد بات من المؤكد أن العملية كان مخططا لها أن تنطلق قبل هذه الفترة، على الأقل بداية نوفمبر، على اعتبار أن العدوان على لبنان كانت الإدارة الأمريكية قد أعطت الضوء الأخضر للكيان شهرا لكي ينهي المسألة مع “حزب الله” والمقاومة، وعندها تكون الجماعات المسلحة قادرة، في تصوّرهم، على فتح جبهة ضد سوريا لضرب استقرار البلد والمنطقة وفتح سفارة صهيونية بدمشق مع لبنان.. هذا ما تقوله الألسنة في الكيان اليوم. غير أن المقاومة في لبنان استبسلت وطال أمد صمودها، مما جعل الهجوم الكبير على سوريا يتأخر إلى اليوم، إلى ما بعد وقف إطلاق النار، الهشّ، الذي قد ينفجر إثره الوضع إن استمرت الخروق الصهيونية المتراكمة يوميّا.
هو مخططٌ معروف سلفا من أجل تدمير المنطقة وتفتيتها، طمعها للوصول إلى محاصرة وضرب إيران، والوقوف على أبواب روسيا. مشروع حلم لن يتحقق رغم الدمار والخراب الذي تحدثه مثل هذه الجماعات الموالية للكيان في أغلبها، العاملة أداة وظيفية للأجندة الأمريكية – الصهيونية في المنطقة، قبل 50 يوما من نهاية ولاية بايدن،لأجل تقسيم سوريا إلى دويلات عرقية ومذهبية، حتى لا يستقيم عود وحدتها الترابية والوطنية. مشروع طالما حلمت ولعبت عليه مختلف القيادات في البيت الأبيض وفي الكيان، لكن المقاومة والتصدي الشعبي والوطني لدول الممانعة، منع هذا المشروع من التحقق: مشروع الشرق الأوسط الجديد.
الوضع سيعود إلى حاله وربما قد يكون ما حصل عنوانا لنهاية عهد المجموعات المسلَّحة في سوريا كما حدث في العراق، كون الرد سيكون هذه المرة حاسما كما حدث في 1011 و2012، عندما كان التهديد لأمن سوريا ووحدتها أكبر عشرات المرات من اليوم، غير أن التدخّل الروسي والمساعدات الإيرانية وقوات “حزب الله”، قلّبت الكفة واسترجعت معظم الأراضي التي سيطرت عليها الجماعات المسلحة المدعمة دوليّا، آنذاك، من أجل إسقاط النظام في سوريا، وللأجندة الأمريكية نفسها.
اليوم، قد تتغير المعادلة قريبا على مشارف حماه بمساعدات أكثر نشاطا وثقلا لكل من روسيا وإيران وربما أيضا الميليشيات العراقية الجاهزة للتدخّل، كما فعلت أثناء محاربتها لـ”داعش” في العراق والموصل.
فرنسا من جهتها، والتي تتباكى ليلا على لبنان وتلاسن رئيس وزراء الكيان، تغازله نهارا الآن، في كل مكان، وتدافع عنه في كل الأركان، بينما هي تتخبط وتتهاوى في إفريقيا: في السنغال وفي التشاد، بعد كل من بوركينا فاسو ومالي والنيجر، ولم يبق لها إلا العودة إلى حضن حضيرتها الخلفية: “المغرب”، لعلها تنقذ ما تبقى من فتات إفريقيا عبر تواطؤ صهيوني – فرنسي – مخزني، ومحاولة زعزعة الاستقرار في منطقتي الساحل وجنوب الجزائر، بمخطط لا يختلف كثيرا عن مخطط واشنطن والكيان في الشرق الأوسط.