-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

المعلّمون ليسوا كلُّهم طلابَ دنيا

سلطان بركاني
  • 954
  • 0
المعلّمون ليسوا كلُّهم طلابَ دنيا

مرّ اليوم العالمي للمعلّم، على الجزائريين، من دون أن يلقى اهتماما كبيرا في الواقع ولا في المواقع.. فباستثناء بعض التهاني التي كتبها بعض الأوفياء لمعلّميهم، لم نر تكريمات أقيمت في المدارس، ولا تغطيات إعلامية في مستوى المناسبة.. ولعلّ سبب هذا الفتور في التعامل مع الذّكرى، هو تلك النّظرة التي أصبح يحملها كثير من الجزائريين لمربّي الأجيال، وهي نظرة مبنية على تعميم واقع لا يسرّ، انحدر إليه التعليم ويعيشه بعض المعلّمين والأساتذة الذين تحوّل التدريس في حياتهم إلى مهنة مثل باقي المهن، يزاولونها لكسب أرزاقهم.

كثير من الجزائريين، عندما يسمع الواحدُ منهم حديثا يحوم حول التعليم والمعلمين، يفاجئك بقوله بعد أن ينفث زفراته: “لم يبق هناك تعليم ولا معلّمون. المعلّمون أصبحوا لا همّ لهم إلا المال. والتعليم مستواه في انحدار مستمرّ”، وربّما يعضد كلامه ببعض الإحصاءات التي تُنشر على المواقع وتتعلق بتصنيف دول العالم حسب جودة التعليم، حيث كانت جودة التعليم الجزائريّ في المرتبة 119 عالميا في العام الجاري 2023م.. وقد يضرب لك أمثلة عن واقع بعض المعلّمين والأساتذة الذين أصيبوا بالإحباط واستسلموا للواقع وساروا مع التيار!

الحقّ يقال إنّ مثل هذا الكلام لا ينطبق على أكثر الأساتذة والمعلّمين، إنّما يصدق على صنف منهم أرهقهم واقع المنظومة التربوية وأتعبهم واقع التلاميذ وواقع الأولياء الذين أصبح كثير منهم يقفون مع أبنائهم ظالمين ومظلومين، ويبررون أخطاء أبنائهم، بل وينهرون الأساتذة والمعلمين عن التدخل في خصوصيات أبنائهم، بل إنّ بعض الأولياء جرجروا الأساتذة إلى المحاكم لا لشيء إلا لأنّ معلّمي الخير نصحوا تلامذتهم بلزوم الأخلاق واللباس المحترم.. كثير من المعلّمين والأساتذة استسلموا أمام هذا الواقع، وما عاد يشغل بالهم شيء اسمه “التربية قبل التعليم”.

واقع مؤسف

إنّنا نتألّم كثيرا حينما نسمع حديثا عن بعض الأساتذة، وهم قلة قليلة، الذين آثروا الفاني على الباقي، ونسوا أنّهم أصحاب رسالة متمّمة لرسالة الأنبياء، فراحوا يتنافسون في تعداد “الزّبائن” وجمع الأموال، ويستخدمون في سبيل ذلك أساليب لا تشرّفهم.. نحزن حينما نسمع عن أساتذة يبخلون على تلامذتهم بحقّهم في الشّرح الكافي والوافي للدروس، ويقول قائلهم مخاطبا طلبته: “من أراد منكم أن يفهم الدّرس جيّدا فلينضمّ إلينا في دروس الدّعم”.. ونسمع عن أساتذة يضغطون على التلاميذ ليلتحقوا بدروس الدّعم، بل ونسمع عن معلّمين في الابتدائي يفتحون قوائم لدروس الدّعم ويحرجون التلاميذ الذين لا يريدون الالتحاق بها… وهذا الذي يجترحه هذا الصّنف من المعلّمين والأساتذة حرام وإثم.. وإذا كانت الوزارة لا تعطي الأساتذة الحقوق التي يطالبون بها، فهذا لا يسوغ لهم أن ينتقموا من التلاميذ ويَمكِسوا أولياءهم.. الأستاذ مطالب وفرض عليه أن يعطي تلامذته حقّهم من الشّرح والتعليم في المدرسة النظامية، وإذا تهاون في تقديم ما يجب تقديمه لأجل أن يضطر التلاميذ إلى دروس الدّعم، فإنّ ما يأخذه من هذه الدّروس حرام سحت، وأجرته التي يأخذها من التعليم النظامي، خالطها الحرام بسبب تهاونه في أداء واجبه.. نعم، قد يحتاج بعض التلاميذ إلى دروس دعم خاصّة في المراحل النهائية، لكن أن يضطر التلاميذ إلى دروس الدّعم في الابتدائي والسنوات الأولى من الإكمالي، فهذا منكر عظيم.

التعميم مرفوض وحرام

هذا الذي ذكرناه هو واقع بعض الأساتذة والمعلّمين، لكنْ لا يجوز أبدا أن نعمّمه ونقول إنّ كلّ الأساتذة والمعلّمين أصبحوا عبيدا للمادّة والدنانير؛ فهذا ظلم يحرّمه الله ويكذّبه الواقع.. حينما نعمّم ولا نستثني فإنّنا نظلم كثيرا من أحبابنا وإخواننا المعلّمين والأساتذة الذين يعرفون لرسالة التعليم قدرها، ويتعبون كثيرا في مواجهة الواقع المتردّي، ويعطون نماذج رائعة للمربي الذي يحمل هما أكبر من الراتب والدنانير.. وهذا النّموذج من الأساتذة والمعلّمين مهما تناقص في السنوات الأخيرة، إلا أنّه -ولله الحمد- لا يزال موجودا ويترك بصمته.. نموذج يملأ قلوبنا بهجة وأملا، ويجعلنا نقولها بملء أفواهنا: إنّ الأساتذة والمعلّمين هم تيجان رؤوسنا، ولا يصحّ أبدا أن تسقط التيجان إلى الأرض وتداس بالأقدام ويصبح حديث النّاس عن معلّمي الخير باعثا على اليأس والإحباط.

كفى هؤلاء المعلّمين شرفا قول النبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: «إِن اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ حَتى النمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ الناسِ الْخَيْرَ».. والخير هنا يشمل كلّ ما ينفع النّاس في معاشهم ومعادهم، من علوم شرعية ولغوية وكونية وتكنولوجية.. فهنيئا للمعلم المخلص هذا الفضل العظيم، وهنيئا له تلك الأجور العميمة التي ينالها.

يكفي المعلّمَ اصطفاءً وفضلا أنّ الله فتح له بابا من الخير يُغبط عليه، فهو يعلّم الجاهل كيف يقرأ ويكتب. يعلّم المئات والآلاف كيف يقرؤون وكيف يكتبون، فيتلون كلام الله، ويقرؤون ما ينفعهم، فيكون للمعلّم من الأجر مثل أجورهم إن أخلص نيته لله.

المعلّم ينصح العاصي والمخطئ، ويأخذ بيده كما لو كان ابنه، ويبين له خطأه ويوجهه لما فيه صلاحه، وربّما يكون سببا في إنقاذه من سلوك طريق كانت ستؤدّي به إلى الهاوية.. في كلّ يوم يجلس بين يديه العشرات أو المئات، ودقيقة واحدة يوجه فيها نصيحة لتلامذته قد تحيي قلوب كثير منهم، فيؤجر أجرا عظيما.. أولئك التلاميذ كثير منهم لا يرتادون المساجد لسماع الدروس والخطب، لكنهم يجلسون كلّ يوم أمام الأستاذ وعيونهم شاخصة نحوه وآذانهم ترقب كلماته.

المعلّم قد فتح الله له بابا ربما لم يفتح لغيره، فهو يرى أمامه أبناء الفقراء، فيعطف عليهم ولو بكلمة مشجّعة أو مسحة حانية ويتساهل معهم فيما يتعلّق بالمال والمستلزمات، ويحاول رفع الحرج عنهم، وهو في كلّ ذلك مأجور أجرا عظيما.

المعلم هو من يحيي همم أبنائنا، فقد يرى أمامه تلميذا خاملا متكاسلا فاقدا لكلّ أمل، فيقترب منه بكلّ حنان، ليعرف ظروفه وأسباب كسله، ولعلّ المعلّم يقف على الدّاء فيصف الدّواء برفق، ويأخذ بيد تلميذه رويدا رويدا لينفض عنه غبار الكسل ويبدأ صفحة جديدة ملؤها الجدّ والتفاؤل.

المعلّم هو من يصبر على شقاوة بعض تلامذته، ويحتسب الأجر عند الله في الصبر عليهم ومحاولة إصلاحهم، مهما رأى الخذلان من والديهم، لأنّه صاحب رسالة، وهو لا ينتظر الشكر من أحد من النّاس، إنّما ينتظر الشكر والأجر من الله، ولا تنثني عزيمته ولا يتخلى عن رسالته بسبب كلمة يسمعها من تلميذ أو وليّ.. عبارة “واش دخلك” ليس لها وجود في قاموس الأستاذ، مهما سمعها من المدير أو المفتش أو أولياء التلاميذ.. المعلّم يرى تلامذته أرضا خصبا صالحة للزراعة، فلا يترك الأرض من دون زراعة حتى تبور، بل يغرس فيها من كلّ خير.. وإذا كان النّاس يقولون إنّ الأرض هي أعظم كنز، فإنّ المعلّم يرى كنزه في تلامذته الذين يجلسون كلّ يوم بين يديه، لا ييأس أبدا من إصلاحهم، بل لا ييأس من حصادهم.

المعلم هو من يتعلّم منه النّاس الصّبر والحِلم؛ يجلس بين يديه تلاميذ يختلفون في الفهم، فيصبر على تكرار الشّرح ويصبر على تأخّر بعضهم في الفهم، كما يصبر على غلظة طباع بعضهم؛ فالتلاميذ تختلف أسرهم التي تربوا في أحضانها، وربّما يجلس بين يدي المعلّم تلميذ يتيم تربى في الشارع فانطبع على حبّ العبث والمشاكسة، وقد يجلس بين يديه من تربى بين أبوين حاضرين غائبين شغلتهما الدنيا عن أبنائهما، وإذا كان الوالدان كذلك، فالمعلّم لا يصحّ له أن يكون على ذلك المنوال فيستقيل من رسالته.

المعلّم هو من يتعلّم منه النّاس الصّدق في المواعيد والعهود. يصدق في تقديم المعلومة الصحيحة لتلاميذه بأبسط وأسهل أسلوب، ويُجهد نفسه في التحضير حتّى يقدّم الزّبدة البيضاء النّاصعة.. ويصدق مع تلامذته في نصحهم ومواجهتهم بـأخطائهم بكلّ رأفة، من دون أن يُحرج أحدا منهم أو يجرح مشاعره أمام زملائه.. والمعلّم يصدق كذلك مع أولياء الأمور، يبلغهم أخطاء أبنائهم، ويحذرهم إن رأى من الأبناء بوادر الانحراف أو الجنوح.

المعلّم لا ينسى أنّ تلامذته يرمقون أفعاله أكثر من كلماته، فهو يحرص على أن يكون قدوة لهم في كلامه؛ فلا يخرج من لسانه إلا كلّ قول طيب، حتى وهو يؤنبهم ويعاتبهم على أخطائهم فهو يختار أفضل وأعذب الكلمات.. لا يلفظ الكلمات النابية والسوقية.. ولا يدخن، ولا يتأخر عن الوقت المحدّد.. ولا يخلف الوعد، فإن تعذّر عليه الوفاء أحسن الاعتذار.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!