المقاومة الفلسطينية كي لا تغتال…
المقاومة لا تغتال في ساحات المواجهة ولا يهزمها عدوها بالضربة القاضية أبدا.. ولم يسجل التاريخ أن مقاومة شعب انهزمت بفعل قوة المجرمين وبطشهم، بمعنى واضح لا ينهزم شعب في مواجهة جلاديه انما تأتي الهزيمة من بين الصفوف ممثلة بأفكار ميتة مميتة او من خلال اشخاص رعاديد مخلوعي الفؤاد او من خلال قوة مندسة طابور خامس ترجف بين الصفوف وتشوش على الأهداف واحيانا من خلال كتل محسوبة على الأمة ولكنها عين للاستعمار ويد له على المقاومة والشعب.
المقاومة الفلسطينية واجهت منذ ما يقارب القرن موجات من العدوان الواضح والمستتر وحاربت على اكثر من جبهة ولعله لم يتحالف الشر العالمي والإقليمي والمحلي بمثل ما تحالف ضد فلسطين.. ولم يتردد الفلسطينيون عن المواجهة رغم اختلال موازين القوى دوما في حين انسحب النظام العربي من ساحات المعركة رسميا او عمليا بحجج من قبيل عدم القدرة على إحداث توازن قوة مع عدو تجهزه امريكا والغرب بكل أدوات الجريمة والقتل.. ولم يجد الفلسطينيون وحدهم فقط في مواجهة العدو، بل واحيانا كثيرة في مواجهة النظام العربي الذي من فرط خوفه ومبادرة منه لإبداء حسن النوايا تجاه اسرائيل يعمد إلى فرض شروط مذلة على الفلسطينيين الذين يسارعون إلى الرفض فتكون المواجهات المسلحة مع عسكر النظام الذين يبلون بلاء “حسنا” ضد المقاومة الفلسطينية هكذا كان من النظام في الأردن وسوريا ولبنان.. ويكون الفلسطينيون دفعوا من الدماء في معركة الحفاظ على سلاحهم وقرارهم ما هو اكثر من الذي دفعوه في ساحات المعركة مع العدو المباشر.. ولقد امتلأت سجون النظام العربي بآلاف المقاتلين الفلسطينيين الذين مكثوا في غياهب المعتقلات بلا ذنب سنوات طويلة.
لقد أخرج النظام العربي المقاومة الفلسطينية من حدود فلسطين استجابة لطلبات امريكية ووعود من قبل وزارة الخارجية الأمريكية بأن ثمن ذلك سيكون استقرار النظام وتجنيبه أي هزات تودي به.. وكادت المقاومة الفلسطينية تصبح خبرا من الماضي.. وعندما أحس الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية بالمأزق التاريخي الذي يهدد بضياع القضية والشعب انتفضت الروح وخرج الشباب وجيل الحجارة في انتفاضة أعادت للقضية الفلسطينية ألقها وحضورها الفعال.. واستمر تدفق الانتفاضة حتى حصلت اتفاقيات أوسلو بما لها وما عليها.. اصبح الفلسطينيون في مواجهة عدة تحديات بناء السلطة وبناء المجتمع وبناء المؤسسات التشريعية والأمنية والتنفيذية.. ومواصلة العمل لاستكمال التحرير والاستقلال.. وانجز الفلسطينيون في هذه المعارك انجازات مهمة أخرجتهم من حيز التشتت والتهميش إلى ان يصبحوا قوة لا يمكن هضمها او بلعها في احشاء الكيان الصهيوني الذي وجد نفسه قد أصيب بالسرطان لا علاج منه الا بالموت.. حسب وصف بعض قادته.
هنا في فلسطين بعد ان دخلت المقاومة الفلسطينية إلى أرض الوطن من خلال جيش التحرير الوطني وم.ت.ف.. ومن خلال بناء مؤسسات تحمي الوجود السياسي الفلسطيني دخل الفلسطيني منعرجا جديدا مهما وحساسا وقد تعزز الوضع الفلسطيني بقوة فصيلين ناشطين حيويين هما حماس والجهاد الاسلامي اللذين أدخلا دما جديدا على المشروع الوطني الفلسطيني الذي انهمك في بناء اجهزة السلطة واصبح الخوف كبيرا من أن تتحول قوة الفعل الفلسطيني إلى الابتعاد شيئا فشيئا عن الاشتباك مع العدو في عناصر القضية الفلسطينية.. ورغم كل المنغصات التي رافقت التعايش بين التنظيمات الجديدة على الساحة وبين فصائل م ت ف لاسيما حركة فتح، الا انه لا بد من التأكيد ان الفعل الفلسطيني ازداد قوة وحيوية وحضورا تجلى ذلك في انتفاضة الأقصى التي قادها الرئيس الشهيد ياسر عرفات فوحد الشعب كله في انتفاضة أرهقت اعصاب المؤسسة الصهيونية، وكان ان اضطرت العدو إلى الإنسحاب من قطاع غزة وتفكيك ما به من مستوطنات وكان هذا انجازا كبيرا.
الآن ولأول مرة تتوالى المعارك داخل فلسطين بين المقاومة والعدو الصهيوني من خلال ما يشبه الحرب الكلاسيكية، ومنذ الحرب الأولى في 2009 حتى الآن يبدو ان الفلسطينيين أحدثوا تطورا كبيرا على وسائلهم وطرائق مقاومتهم وصل إلى ما شاهده العالم من أداء فائق الدقة والخبرة والجرأة فأذهلوا العدو وأعادوا الثقة للصديق وأوغروا صدور الحاقدين الحاسدين من النظام العربي المخبول.
جاءت هذه المعركة الدائرة هذه الساعات بهذا الزخم الكبير لتجعل من المقاومة عنصر التوحيد للشعب والفصائل وتدفع الكل الفلسطيني إلى ضرورة توحيد الموقف والانسحاب من دوائر اللامبالاة والتفرد.. ولقد استطاع الفلسطينيون جميعا ان يحدثوا فعلا تكامليا وخطابا موحدا، واصبح كل جزء في الكيان السياسي الفلسطيني يقوم بمهامه في اطارالتكامل من اجل تحقيق منجزات للشعب وتكون المقاومة عززت قوة الجميع.. فكما ان المقاوم الفلسطيني فرض نفسه على التوجه العام للأداء الفلسطيني فإن المفاوض الفلسطيني تسلح بمعطيات جديدة ومنطق جديد وحجج جديدة.
هنا نقف امام الخطورة مرة جديدة.. هنا يخشى على المقاومة من الاغتيال مرة اخرى.. فهل يستكين النظام العربي للمنطق الجديد؟ منطق المقاومة.. هل يتركون المقاومة وشأنها . فلقد سبق وان تآمروا عليها فأخرجوها من فلسطين بحجة انهم هم من سيعيد فلسطين ومن ثم أخرجوا المقاومة من محيط فلسطين، فهل يستطيعون نزع سلاح المقاومة وفعل ما لم ينجزه العدو في ساحات الحرب.
اجل، انهم يريدون ذلك ولكن يبدو ان الفلسطينيين شبوا على الطوق ولن يعود بوسع النظام العربي تأدية مهمته التي يتطوع اليها من محاصرة وخنق وهزيمة للمقاومة.. وذلك بفعل سببين مباشرين، الأول صلابة المقاومة وحزمها، ثم بوحدة المكون السياسي الفلسطيني الذي اثبت مسئوليته الوطنية ولم يصيبه الوهن ولا التردد في احتضان المقاومة والشعب.. والعنصر الأهم من ذلك كله ان المقاومة هذه المرة في حضن الشعب.. فلئن كانت الحركة الوطنية اللبنانية هي من طلب من الزعيم ياسر عرفات بالخروج من لبنان بعد حرب الثلاثة اشهر عام 1982 فإن الشعب الفلسطيني في غزة يقول على لسان واحد: نموت جميعا فداء المقاومة..
لن يغتالوا المقاومة ولقد اصبحت خيارا شعبيا ورسميا وحققت انتصارات مشرفة للشعب والأمة وكسبت انصارا على المستوي العالمي.. لن يستطيعوا ان يغتالوا المقاومة وكل ما سيأتي فيما بعد سيكون على طريق التراكم الضروري في تسجيل نقاط الانتصار.. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.. تولانا الله برحمته.