“المنسيون” ينبعثون هذا الأسبوع!
سقط رواد أجيال كاملة من أبطال الرياضة الجزائرية، في مستنقع “النسيان”، ويتعلق الأمر بنجوم وأبطال كبار صنعوا أمجاد هذا الوطن عبر مختلف المحافل الدولية، ليس في “كرة القدم” فحسب، بل في سائر الرياضات الفردية والجماعية، من الدراجات – الملاكمة – الجيدو – ألعاب القوى وكذا تنس الميدان، وصولا إلى كرة اليد، السلة والطائرة، فهل سقط أبطال الجزائر “ضحايا” لداء “التناسي”؟.
في جزائر 2014، لا يعرف الكثيرون من الجيل الجديد، الدرّاج الشهير “السبتي بن الزين”، الملاكم “لوصيف حماني”، الربّاع “عبد المنعم يحياوي” وغيرهم ممن تألقوا على أكثر من صعيد واختفوا في الزحمة.
وفي معاينات وشهادات رصدها “الشروق الرياضي”، برزت معاناة هؤلاء من وطأة تغييب مزمن، على وقع “جفاء غير مبرر”، رغم أنّ هؤلاء قدّموا الغالي والنفيس، وكان جزاءهم أقرب إلى أمثولة “سينمار”.
وعدا استحضارهم في “المناسبات” ورثاءهم بعد “الممات”، جرى ولا يزال “تجاهل” جيل خمسينيات وسيتنيات القرن الماضي، على غرار أعضاء منتخب جيش التحرير الوطني (1956 – 1958)، منتخب جبهة التحرير الوطني (1956 – 1958) ونجومهما من الراحلين “علي بن فضة”، “مختار لعريبي”، “عمار رواي” و”قدور بخلوفي”، فضلا عن المرحومين “مصطفى زيتوني” و”عبد الحميد كرمالي”، إضافة إلى “رشيد مخلوفي”، الأخوان “سوكان” وغيرهم ممن كانوا مرشحين لخوض كأس العالم بالسويد 1958.
وتتسع اللائحة لتستوعب “حسن لالماس”، “مصطفى سريدي”، “جيلالي سالمي”، “علي عطوي”، “الزبير باشي”، “مصطفى صالحي”، وغيرهم ممن صنعوا لوحات مضيئة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.
وغني عن القول أنّه عدا بضع استثناءات، لا يزال الكثير من رفقاء حميد زوبا على الهامش، فمخلوفي الذي استعانت به الفيفا واحتفت به فرنسا، ولا يزال في مقدمة الوجوه التي يتم دعوتها لمختلف المحافل هناك، لا يزال مُسقطا من المشهد الكروي في ديارنا، بعد النكسة التي حدثت له في فيفري 1989 أيام كان رئيسا للاتحاد الجزائري، وأطاح به “الشريف رحماني” وزير الشباب والرياضة آنذاك.
أين هم موسى – الزاوي – دحماني وو .. ؟
قدّم الفن النبيل الجزائري أسماء ناصعة في صورة “شريف حامية”، “لوصيف حماني”، “عبد القادر ولد مخلوفي”، “بوب عمر”، والقائمة تطول لمن تألقوا بين أربعينيات وسبعينيات القرن الماضي، فحامية فاز بـ33 منازلة احترافية بينها 15 بالضربة القاضية، بل وفاز بلقب “الغولدن غلوف” بنيويورك.
بينما تحدى حماني الأمريكي “مارفن هاغلر” على اللقب العالمي دون احتساب بطولاته الافريقية والاقليمية الكثيرة، تماما مثل ولد مخلوفي ابن بوفاريك، ولا يمكن غلق الحديث عن ملاكمينا دون الإشارة إلى الثنائي “موسى مصطفى” و”محمد الزاوي” صاحبا برونزيتي أولمبياد لوس أنجلس 1984، عندما نال موسى برونزية وزن تحت 81 كلغ، وحذا حذوه الزاوي في وزن تحت 75 كلغ.
وهناك فضلا عن المرحوم حسين سلطاني صاحب ذهبية 60 كلغ في أولمبياد أطلانطا 1996، إضافة إلى برونزيته في وزن تحت 57 كلغ في برشلونة 1992، قبل أن يغتال بطريقة بشعة في إحدى غابات مارسيليا (2004) تاركا ورائه الكثير من الألغاز والاستفهامات والتناسي أيضا، ممن يُفترض أن يخلّدوا سلطاني وطريقته الفريدة في الملاكمة على الطريقة الكوبية، وتتسع القائمة لـ”محمد بحاري” صاحب برونزية وزن تحت 75 في أطلانطا 1996 و”محمد علالو” صاحب فضية وزن 63.5 كلغ في أولمبياد سيدني 2000، والمرحوم “سعيد عز الدين” الذي اغتيل في زمن الفتنة الدموية بعد أن بلغ من العدم، ربع نهائي أولمبياد برشلونة 1992.
“بن الزين”، “رقيقي”، “بلقصير” و”تشامباز” .. درّاجون مفقودون
صنعت الملكة الصغيرة الدراجات، سعادة الجزائريين في ثمانينيات القرن الماضي عبر الدرّاج الشهير “السبتي بن الزين” الذي أبهر نظرائه الفرنسيين والإيطاليين وغيرهم من عمالقة اللعبة في أولمبياد سيول 1988، حينما ظلّ يقارع الكبار إلى غاية آخر الأمتار بدرّاجته البدائية.
وإلى جانب “بن الزين”، هناك “بلقصير”، “رقيقي”، “تشامباز” وغيرهم ممن كانوا الأوائل دوما في جائزة الجزائر الكبرى للدراجات، فضلا عن منافسات جهوية وإقليمية كانت فيها الصدارة للجزائر دوما.
وعلى منوال منسيي الدرّاجات، هناك منسيو الجيدو وعلى رأسهم المصارع البارز “إبراهيم دحماني” صاحب ذهبية ألعاب المتوسط باللاذقية 1987، كما الكاراتي والبطل العالمي “رضا بن قدور”.
ولا يمكن اختتام الحديث عن الرياضات الفردية دون الخوض في منسيي السباحة على منوال: سليم إيلاس – مهدية بلة – إلياس محفوظية – رياض بوشاقور وغيرهم، تماما مثل ألعاب القوى التي قدمت عطاءات كبرى لكن صانعيها لا يزالون في الظل، على غرار البطلين العالميين والأولمبيين “نور الدين مرسلي” و”حسيبة بولمرقة”، وكذا سعيد قرني جبير بطل العالم في 2003 وصاحب برونزية سيدني 2000، دون نسيان عثمان بلفع صاحب برونزية المتوسط في 1983.
ولا يمكن للذاكرة أن تتناسى “نصيرة زعبوب” التي كانت سيدة السباعي في الثمانينيات، و”مختارية الحاج” غزالة المسافات الطويلة في العشرية ذاتها، وأيضا “رضا عبد النوز” و”سعيد كرام” و”عز الدين براهمية” التي كانت لهم صولات وجولات في المضامير إبان الثمانينيات.
وضمن اختصاص رفع الأثقال، لا يحظى الربّاعان “عبد المنعم يحياوي” و”عز الدين بسباس” بكبير صدى، رغم ضخامة إنجازاتهما متوسطيا، عربيا، إفريقيا وعالميا، تماما مثل أبطال العالم الجزائريين في رياضات اليوسيكان بيدو، التايكوندو والفوفيتنام، وكذا يزيد ترياكي ذاك الشبل الذي انتزع بطولة العالم للكرة الحديدية في 1987 وسنه لم يتجاوز آنذاك الخامسة عشر.
الكرة الصغيرة … 3 أجيال كاملة في الظلّ
حفل مسار كرة اليد الجزائرية في سبعينيات وثمانينينات وتسعينيات القرن الماضي، بكثير من الأسماء التي حققت إحرازات هائلة لا تزال محفورة في الأذهان، بين هؤلاء هناك “إدريس لمجداني” و”زهور قيدوش” من جيل السبعينيات، وصولا إلى الرعيل الذهبي للثمانينيات بقيادة “محمد عزيز درواز” و”جعفر يفصح” اللذين حققا مع “بن جميل، حميش، دوبالة، بن مغسولة، بودرالي، عقاب، بوحليسة وبوسبت”، 5 ألقاب إفريقية متتالية بين 1981 و1989.
وأتى الدور على جيل التسعينيات ليصنع لوحات لا تقلّ إشراقا من خلال انتزاع بطولتين إفريقيتين وبلوغ الدور الثاني لبطولة العالم بإيسلندا، عبر ما صنعته سواعد “بوعنيق، نجّال، عواشرية، سعيدي” وغيرهم.
ولا يمكن استساغة الأمر في بلد ابتكر خطة الدفاع المتقدم المثيرة للجدل، والتي فجّر مبدعها “عزيز درواز” صخبا أبهر الفرنسيين والسويديين والروس، ولعلّ سبب كل الأزمات التي دفعت بالكرة الصغيرة الجزائرية إلى الحضيض (بطولة إفريقيا 2014 تبقى استثناء)، هو وضع كبار هذه الرياضة في الظلّ، ولا يمكن لأي أمة أن تتطلع للأحسن إذا ما ارتضت تهميش عظمائها، وهو حال الجزائر التي صارت تتساقط أمام الأرجنتين والبرازيل وقطر رغم تواضع هذه المنتخبات، بل وصار الخضر يعانون الأمرّين أمام فرق ضعيفة عربيا وإفريقيا !!!!!
عبث بالسينغاليين والانجليز .. من منكم يتذكر “يوسف حراوي”؟
لعل الكثير من شباب اليوم لا يعرفون ذاك الفنان “يوسف حراوي” (ولد في 12 ماي 1965 بالجزائر العاصمة)، فرغم أنّ هذا المراوغ الماهر الذي تخرّج من مدرسة باريس سان جيرمان، لم يلعب كثيرا للمنتخب الوطني بين أكتوبر 1990 وفيفري 1992، إلاّ أنّ لا أحد من معاصريه يشكك في مستواه الفني الممتاز الذي جعله يخطف الأضواء في بطولات فرنسا، تركيا وكذا يوغوسلافيا الراحلة التي كان أول جزائري يلعب فيها.
استطاع حراوي في فترة وجيزة أن يصنع لنفسه مكانة كبيرة في قلوب عشاق الخضر الذين رأوا فيه خليفة النجم الفذ الأخضر بلومي، سيما إثر أدائه الاستثنائي في المقابلة التي جمعت الخضر بالسينغال ورفاق جول بوكندي في 5 نوفمبر 1990 بقسنطينة.
فعلى طريقة النيجيري “جاي جاي أوكوشا” وعبثه المعروف بالمدافعين، صنع “حراوي” في ذلك اليوم الأفاعيل بالسنيغاليين على الرواق الأيسر، وكان طبيعيا جدا رؤية حراوي يراوغ مدافعين أو ثلاث سينغاليين بسهولة تامة.
الأمر ذاته كرّره حراوي في الفاتح ديسمبر 1900 أمام المنتخب الانجليزي العتيد، حتى أنّ المدافع البريطاني الشهير “طوني أدامس” ولاعب الأرسنال، لقي صعوبات جمّة في إيقاف “حراوي” الذي سرعان ما خفت نجمه بطريقة غريبة في الأشهر اللاحقة.
وتسبب ما شهده بيت الخضر من زوابع عشية مهزلة زيغنشور 1990 في ظهور فاتر لحراوي الذي أريد له أن يغادر بيت المحاربين من أضيق الأبواب، بعدما فضّل الثنائي إيغيل مزيان وعبد الرحمان مهداوي تجاهله في الشوط المؤدي إلى مونديال أمريكا 1994، رغم أنّ حراوي كان يقدم مستويات عاليا مع نادي بورصا سبور التركي آنذاك.
“رضا ماتام” .. جوهرة مُهملة
شهدت الكرة الجزائرية في أواسط تسعينيات القرن الماضي، سطوع نجم الفنان السطايفي “رضا ماتام” الذي اشتهر بفنياته وإجادته ترويض الكرة مع ناديي وفاق سطيف وشباب بلوزداد، وهو ما جعل من ابن الهضاب النجم الأكثر شعبية في الجزائر آنذاك إلى جانب بلال دزيري وكمال قاسي السعيد وموسى صايب.
ماتام الذي أبدع على طريقته ضدّ الفراعنة في موقعتي جانفي وجويلية 1995، فضلا على الذي فعله في أدغال إفريقيا السوداء، سقط في التهميش منذ اعتزاله الكرة، ولم يتم الاستعانة بخبراته في تطوير مستوى الكرة ببلادنا، الملاحظة نفسها تنطبق على معاصريه أمثال مليك زرقان، فوزي موسوني، سيد أحمد زروقي، عبد القادر تلمساني، عامر بن علي صاحب أروع مقصية في تاريخ الكرة الجزائرية.