المواطن.. عمقُنا الاستراتيجي الحقيقي
سيكون مستقبلنا في آخر المطاف من صُنع أيدينا، رجالا ونساء، أغنياء وفقراء… هناك من يريد لهذا المستقبل أن يكون كارثيا يخسر فيه الجميع، وهناك مَن يريد أن يَعمل للتَّحَكُّم فيه حتى نَتمكن من المرور إلى برّ الأمان، والانتقال بدولتنا من حال الضعف إلى حال القوة، ومن حال البقاء ضمن دائرة الأمم الخائفة من المستقبل إلى تلك التي لديها كل أسباب الثقة فيه…كيف نستطيع ذلك وأي دور للعامل البشري فيه؟
كما قال “هنري فورد” عند سؤاله عن سبب ثقته في المستقبل: “خذوا مني كل شيء، واتركوا لي الرجال سأستعيد كل شيء”. كذلك نحن، مشكلتنا ليست في الموارد المالية التي شحَّت بانخفاض أسعار البترول، ولا في التهديدات المحيطة بنا من كل جانب، ولا في تلك السيناريوهات التي بدأت خيوطها تُنسج في السر والعلن، (الجد تخلطه بقول الهازل) أننا سنتجه إلى طريق مسدود، إلى كارثة حقيقية في السنوات (أو الأشهر) القليلة القادمة …الخ، إنما في نوعية الرجال والنساء الذين يُشكِّلون النسيج الاجتماعي لهذا البلد سواء أكانوا في القاعدة أو القمة… هؤلاء هم الذين يتوقف عليهم المستقبل ولا شيء آخر…إذا تفككت عُراهم أو سَقطوا في مستنقع الصراع والتناحر يمكن لنا بالفعل أن نَخاف على مستقبلنا، أما إذا ما استمر التماسك بينهم والثقة قائمة في العلاقة القائمة بينهم في أعلى مستوياتها، فإن أي عاصفة ستمُر ببلادنا ستنكسر ولن تترك سوى الآثار التي عادة ما تتركها العواصف حسب شدتها وعنفوانها، وبالإمكان تجاوزها والتغلب عليها ومحو آثارها بعد حين.
بمعنى آخر أن العمق الاستراتيجي للدولة الجزائرية لا يتمثل في الموارد المالية أو الاقتصادية أو المادية بشكل عام إنما في طبيعة العنصر البشري الذي يتشكل منه النسيج الاجتماعي في جميع المستويات.
وهذا العمق الاجتماعي ـ الاستراتيجي ـ هو الذي ينبغي أن نعتني بها ونُحافظ عليه قبل أي خط دفاع آخر على وحدة الدولة والمجتمع.
وفي هذا المجال ينبغي التمييز بين موقفين ينتميان معا إلى هذا العمق الاجتماعي الاستراتيجي: الموقف الشعبي في أبسط تجلياته، أي سلوك المواطن وقناعته بضرورة الحفاظ على بلده واستقرارها، وموقف الفئات الثرية التي تمكنت من الحصول على قدر كبير من الثروة غالبا في ظرف وجيز ومن خلال الاستفادة من دعم الدولة، وفي درجة ثالثة موقف النخب الأخرى (السياسية والثقافية المختلفة …)
بالنسبة لتصور المواطن، لا نرى في ذلك مشكلة كبيرة، إذ بالرغم من ذلك الحديث عن ضعف روح المواطنة في المجتمع، أو غيابها أحيانا، يبدو الجزائري أقرب إلى استعادتها بالمفهوم الثقافي والديني أكثر من التفريط فيها، ذلك أنها جزء من موروثه الشعبي وليست بالوافد الجديد على سلوكه الاجتماعي والسياسي كما يحاول الكثير إبرازه من خلال الإشارة إلى أنه علينا أن نَتَّبِع خطوات المجتمعات الغربية في مجال التنشئة الاجتماعية والسياسية للوصول بالفرد إلى درجة المواطنة. لقد عرف المجتمع الجزائري مفهوم المواطنة من خلال تجربته التاريخية وثقافته الوطنية قرونا قبل الأوروبيين الذين لم يعرفونها إلا مع بداية القرن التاسع عشر، وعليه فإنه اليوم لا يعيش مرحلة تلقينه مبادئ المواطنة من جديد إنما مرحلة استعادة تلك المبادئ، وهو ما يتم تدريجيا من خلال الشعور بالانتماء إلى الدولة في نطاق الثقافة الوطنية والتاريخية التي اكتسبها منذ قرون وتجددت ضمن مشروع الحركة الوطنية الذي أفضى إلى استعادة الاستقلال؟
ولعل هذا ما يُفسِّر ذلك الانصهار التام لدى الفرد الجزائري بين الشعور بالوطنية والتَّحلي بقيم المواطنة، وهي نقطة قوة لا يمكن أن يُستهان بها في فهم ديناميكية تطوّر المجتمع وكيفية تفاعله مع الأحداث الراهنة أو المستقبلية التي ستعرفها البلاد مما يُشكِّل عنصرا إضافيا في زيادة الاطمئنان على المستقبل: لا يمكن أن ننتظر انهيارا مفاجئا في حالة الشعور بالوطنية لدى الفرد الجزائري، وبإمكاننا أن نتوقع زيادة في إدراكه لمفهوم المواطنة الذي سيجعله يتصرف بطريقة لن تقبل السير في طريق الانهيار أو التفكيك كما يُبَشِّر البعض.
تبقى المشكلة الأساسية لدينا على مستوى النخبة. وفي هذا المستوى ينبغي التمييز بين أكثر من نخبة في البلاد سواء من حيث المعيار السياسي الثقافي أو الفكري أو المالي والاقتصادي.
المعضلة الأساسية تَكمُن في هذا المستوى، حيث النخبة الجزائرية اليوم غير متجانسة في معظمها تُدير ظهرها لبعضها البعض، ولا يمتلك أي طرف فيها القدرة على الهيمنة على الأطراف الأخرى أو التحالف معها لمَنع وقوع انقسام فوقي، من شأنه أن ينعكس على الجسم المتماسك بطريقة أفضل في المستوى القاعدي.
ولعل هذا ما يُشكِّل هاجسا ينبغي تبديده في أقرب الآجال، ونقطة ضعف يمكن أن يمر من خلالها أي مشروع يهدف إلى تقويض استقرار البلد أو مَنعها من تحقيق تماسك أكثر لأجل الانطلاق في بناءٍ وطنيٍ حقيقي.
لا يمكن أن ننتظر انهيارا مفاجئا في حالة الشعور بالوطنية لدى الفرد الجزائري، وبإمكاننا أن نتوقع زيادة في إدراكه لمفهوم المواطنة الذي سيجعله يتصرف بطريقة لن تقبل السير في طريق الانهيار أو التفكيك كما يُبَشِّر البعض.
ولذا فإن السعي لإعادة ترتيب بيت النخبة المالية الوطنية يُعَد من أولويات الاستعداد للصعوبات القادمة بل لا يمكن الاستعداد لها وهذه النخبة مهلهلة أو غير قادرة على التماسك والصمود أمام الطوارئ.
تبقى الحلقة الأخرى الأكثر ضعفا هي النخبة السياسية التي لم تتمكن لحد الآن سواء أكانت في المعارضة أو السلطة من الاتفاق على العمل في نطاق المصالح الوطنية العليا. النخبة الحاكمة تتمسك بمقاليد السلطة وترى بأن أي تنازل من جهتها سيؤدي إلى فقدانها لمصالحها وهيمنتها وربما محاسبتها. والنخبة المعارضة لا تريد سوى الحلول محل الأولى وإن كان ذلك من غير تغيير شامل لميكانزمات العمل، وكأن الأمر يتعلق بالتنافس على استبدال مواقع بمواقع لا تغيير سياسات بأفضل منها.
أما النخبة المثقفة فإنها تبقى في الدائرة الخارجية للصراع تخشى أن تنهار إذا ما أصبحت جزءا منه أو تبقى على الهامش إن هي سايرت الأحداث، ولعل هذا ما تُعانيه بالضبط وما لم تَتَمكن من تجاوزه رغم محاولات التأثير في مجرى هذا الصراع بطرق غير مباشرة في بعض الأحيان.
وعليه فإننا إذا أردنا أن نستبق المشكلات القادمة التي يمكن أن تعرفها بلادنا علينا أن نسارع إلى علاج مشكلة النخبة قبل أي مستوى آخر: النخبة المالية قبل السياسية والنخبة السياسية قبل النخبة المثقفة. أما المواطن فهو منسجم مع المحيط الاجتماعي والسياسي الذي يعيش ضمنه، لديه ما يكفي من وسائل للدفاع عن نفسه وعن الآخرين وإن كانت وسائل موازية أو بدائية أو سمِّها ما شئت…. وذلك هو العمق الاستراتيجي الذي سيجعلنا لا نخشى المستقبل القريب ويسمح لنا بفرصة تغيير ما بأنفسنا في المستويات الأخرى إذا أردنا أن نبقى أو نكون في المستقبل المتوسط والبعيد…