النظام السابق؟
”لا يستقيم الظل والعود أعوج”.. يبدو أن القدر الذي أصبح قدرا محتوما في العالم العربي هو أن الأمور لا يمكن أن تستقيم أو تبدأ في الاستقامة إلا عندما يبدأ الحديث عن ”النظام السابق”.
في تونس عندما أصبح النظام السابق سابقا لبس هذا البلد أبهى حلل الديمقراطية والحرية ونظم انتخابات أبهرت العالم بنظافتها وشفافيتها ونزاهتها، وتفتح النشاط السياسي والثقافي والاجتماعي في هذه الربوع كما تتفتح أزهار الياسمين، حتى وإن كانت الأوضاع الاقتصادية لم تستقم بعدُ نتيجة مخلفات وتراكمات النظام السابق، وكباقي الأنظمة العربية، فصَّل الاقتصاد التونسي وخيَّطه على مقاسه ومقاس عائلته وبطانة السوء التي كانت حواليه.
وفي مصر، وعلى الرغم من الأوضاع السياسية التي لاتزال غير مستقرة، ولاتزال أمام الثورة أمور وحسابات كبيرة تصفيها مع بقايا النظام السابق وحماة المصالح الإسرائيلية في أوساط الجيش المصري، فإن الأوضاع الاقتصادية على المستوى الإنتاجي قد تغيرت كثيرا بالإيجاب على الرغم من ارتفاع الديون العمومية وتفاقم البطالة وانخفاض السياح الأجانب، وهي أمور طبيعية وعابرة في مثل هذه الظروف الثورية. فقد أدى السقوط، ولو الجزئي، للنظام في هذا البلد إلى تحسن كبير في لإنتاج الزراعي خلال أقل من سنة من الثورة بفضل تخلص القطاع من الإجراءات البيروقراطية للنظام السابق وابتزاز عناصره للفلاحين المصريين، وعلى سبيل المثال فقد حققت المحاصيل الأساسية مثل القمح والأرز والذرة زيادة بمعل 35 بالمائة خلال أقل من سنة، وعلى نفس المساحات السابقة وبنفس الإمكانيات، وهو ما يدل على أن الأنظمة هي العائق الأساسي للتنمية والمطور الاقتصادي والاجتماعي في العالم العربي بالإضافة إلى ما يفعله بإرادة الفرد والجماعة وبالحريات الفردية والجماعية.
وإذا كان ما حدث ويحدث في ليبيا هو مجرد انقلاب عسكري – وإن لبس ثوب الثورة – دبره وقاده اليهودي برنار ليفي لصالح أزلام نظام معمر القذافي، وبالتالي لا يمكن الحديث عن النظام السابق بالنسبة لليبيا على الرغم من كل ما حدث، فإننا يمكن أن نبدأ في الحديث عن النظام السابق بالنسبة لكل من اليمن وسورية ولو جزئيا، وبنسب منخفضة، إذ أن الأمور هناك سلكت طريق اللارجوع، حيث أصبح من المستحيل أن تظل الأوضاع على حالها السابقة.
ولكن عندما نصل إلى بيت القصيد: هل يمكن لمهزلة الإصلاحات السياسية – أو الضحك على الأذقان – أن تخلص الاقتصاد الوطني من الفساد واستحواذ عناصر النظام والسلطة وتحرر الموانيء والمطارات من مناطق النفوذ الخاصة بالاستيراد، هل يمكن أن تحرر القطاع الفلاحي من النهب وبراثن الإجرءات البيروقراطية، أو يعيد الحياة إلى سهل العبادلة أو غاسي الطويل الذي كان ينتج 80 قنطارا من القمح في الهكتار الواحد، وهل تطلق سراح سهل لوطاية الذي استولى عليه كبار المسؤولين وكبار المجاهدين وتركوه بورا يأخذون أبناءهم وأحفادهم في العطل للتفرج على ما اقتطعوه من أراض مترامية من هذا السهل الذي كان منتظرا أن يغطي نسبة كبيرة من حاجات الجزائر في مختلف المحاصيل.. وهل يمكن للكرنفال السياسي ولعملية إطلاق الأحزاب على دفعات وموجات متتالية على الساحة السياسية وبأوامر رسمية من دوائر النظام السابق والحالي أن تغير شيئا من الوضع السياسي المزري القائم أو أن تكون عاملا في استرجاع الحقوق السياسية المهدورة للمجتمع أو الدفاع عن الحريات الفردية والجماعية المصادرة، وهي مجرد زوائد دودية للإدارة ولا يسمح لها بالنشاط إلا في القاعات الضيقة المغلقة، حيث لا يسمع لها صوت ولا حق لها إلا في ما تأخذه من المال العام مقابل ذلك؟.
تلك هي الأسئلة.. وتلك هي المشكلة، وذلك هو النظام في الجزائر؟