النموذج الجديد للنمو الاقتصادي… أي فُرص للنّجاح؟
إذا كانت غالبية المجتمع تُتابع موضوع سن التقاعد النسبي وربما يُعتبَر أحد انشغالاتها الأولى فإن الأقلية فقط تعلم أنه ليس سوى مسألة فرعية فيما عُرف بالنموذج الجديد للنمو الاقتصادي المُعَد من قِبل الحكومة لمواجهة الظروف الصعبة التي يمر بها الاقتصاد الوطني… ما الذي يجعل الرأي العام غير منتبه لِلكل مركِّز على الجزء؟ وهل في ذلك تأثير على إمكانية نجاح هذا النموذج الذي تَسعى بلادنا من خلاله لتجاوز ما أحاط بها من أزمة، وما الذي علينا فعله؟
بداية ينبغي أن نُبيِّن أن ما يُعرَف اليوم بالنموذج الجديد للنمو أو “نموذج النمو الاقتصادي البديل” كما كان في تسميته الأولى، إنما هو الاستراتيجية المعتمدة من قبل الحكومة ـ في آخر مجلس للوزراء يوم 26 جويلية الماضي، لمواجهة تداعيات أزمة انخفاض أسعار المحروقات على الصعيد العالمي، أي أنه لم يكن أبدا جزءا من رؤية مستقبلية شاملة كانت للبلاد، إنما فرضته الضغوط الاقتصادية المعروفة عالميا. ولعل هذا ما يجعلنا نؤكد مرة أخرى حاجتنا إلى صوغ رؤية مستقبلية بعيدة المدى تعفينا من اللجوء في كل مرة إلى برامج مستعجلة تكون ذات غايات محددة على المدى القريب. ومع ذلك نقول إنه ليس عيبا أن يتم مراجعة سياسات، بَدَا مع مَرّ الأيام أنها خاطئة، أو تصحيح مساراتها نتيجة ظهور مستجدات أو بروز انقطاعات لم نأخذها بعين الاعتبار منذ البداية.
بكل تأكيد تكون الحكومة قد لجأت إلى كفاءات وطنية، لإعداد النموذج المطلوب وهي على عجل، وأن هذه الكفاءات قد أعدَّته انطلاقا مما توفر لديها من معلومات ومن إمكانيات ومن وقت، إلا أن الشيء الذي يبدو أنها لم تكن قادرة لتناوله أو البت فيه هو ما تعلق بالبعد السياسي والمجتمعي للعملية لأنه من جهة ليس من اختصاصها ومن جهة أخرى هي في حاجة إلى مقاربة شاملة تتجاوز النموذج الاقتصادي المطلوب منها إعداده؟ هل كان من حق الخبراء التفكير في صوغ المشروع السياسي والاقتصادي والإعلامي المرافق لهذا النموذج والقادر على إنجاحه؟ أم أنهم قدّموا تصوّرات لحلول ذات طبيعة اقتصادية وتقنية عاجلة لكي يتم تنفيذها في ظل منظومة سياسية ومجتمعية باقية على حالها من دون تغيير؟
لقد عرفت دول مختلفة مثل هذا الوضع ولكنها رسمت لنفسها سياسات متوسطة وبعيدة المدى في حدود العشر سنوات على الأقل، مثلما فعلت ماليزيا سنة 2010 أو البرازيل أو جنوب إفريقيا حتى لا نذكر سوى هذه النماذج. لم تغير هذه الدول نماذجها الاقتصادية ضمن حالة الاستعجال إنما وضعت لنفسها مشروعا مستقبليا متكاملا بقيادات جديدة وشابة، أساسه التوجه نحو نوع من الاقتصاد المواكب لسرعة التطوّر على الصعيد العالمي.
أظن أننا في حاجة اليوم إلى طرح مثل هذه الأسئلة بعيدا عن فتح جدال حول مدى جدوى الاقتراحات المقدمة، وتسليمًا مِنا أن مثل هذه الاقتراحات تتضمن على الأقل الحد الأدنى من الجدية والحلول، نقول إن أي حلول جديدة يُفترض أن ترافق بهيئات سياسية وتأطير مجتمعي جديد، إن لم تكن هذه الهيئات وهذا التأطير المجتمعي سابقا لوجودها، إذ لا يعقل أن يتم تكليف ذات المسؤولين السياسيين بتنفيذ سياسات عامة جديدة وهم من أخفقوا في السياسات السابقة أو لم يستطيعوا استباقها وتوقع حدوثها ووضع السيناريوهات الملائمة لمواجهتها حتى لا تقع.
وكذلك الشأن في الجانب المجتمعي حيث نعلم أنه لا يمكن لأي سياسات أن تنجح في أي مجال من المجالات إذا لم تكن تحظى بقَبول عامٍ من النّاس، أو أن يشعر هؤلاء بأنهم استشيروا بشأنها سواء بطريقة مباشرة أو من خلال البرلمان باعتبارها تستهدفهم بالدرجة الأولى؟ هل حدث هذا؟
يبدو أن الأساليب القديمة في العمل القائمة على أساس أن هناك حدا أدنى مضمونا من قبل الدعم الشعبي ستوفره المركزية النقابية والباترونا الموافقة على هذا النموذج، هي التي سيُعتمد عليها في تأطير هذا المشروع الجديد، وهنا مَكمن الخطر، وهذا ما ينبغي أن يتغير، ذلك أن سياسات اقتصادية واجتماعية جديدة لا يُمكنها أن تتحول إلى واقع وحقيقة ملموسة من دون دعم شعبي ونقابي جديد ومن قبل باترونا تتبنى رؤية جديدة، إذ لا يُعقل أن يتم البحث عن دعم لسياسات اقتصادية جديدة من خلال آليات قديمة كماهوالحال بالنسبة للدعم السياسي.
وعليه فإنه محكوم علينا لتفادي الفشل المسبق لهذا النموذج، أن نسايره بتغييرات سياسية ملائمة، ونُعزّزه بتأطيراجتماعي في المستوى يسمح بإيجاد ديناميكية تأييد جديدة في الأوساط العمالية والشعبية تؤدي إلى أن تسود قناعة لدى الرأي العام بأن هناك فعلا مخرجا للأزمة وأن لدينا الإمكانيات لتجاوزها.
وفي هذا المجال يُصبح دور الإعلام الوطني جوهريا، وسيتمكن إذا ما تم إحداث التغييرات السياسية النوعية الجديدة والمجتمعية اللازمة، من تحويل تركيز الرأي العام على فروع هذا النموذج التنموي مثل التقاعد والأجور والخوف من توقف المشاريع وما سيترتب عنها من بطالة، إلى أساسيته المتمثلة في تحقيق إقلاع اقتصادي حقيقي.
دون ذلك تبقى الجهود المبذولة تجزيئية باحثة عن الحلول المسكنة للآلام وغير مندرجة ضمن رؤية شاملة بعيدة المدى.
لقد عرفت دول مختلفة مثل هذا الوضع ولكنها رسمت لنفسها سياسات متوسطة وبعيدة المدى في حدود العشر سنوات على الأقل، مثلما فعلت ماليزيا سنة 2010 أو البرازيل أو جنوب إفريقيا حتى لا نذكر سوى هذه النماذج. لم تغير هذه الدول نماذجها الاقتصادية ضمن حالة الاستعجال إنما وضعت لنفسها مشروعا مستقبليا متكاملا بقيادات جديدة وشابة، أساسه التوجه نحو نوع من الاقتصاد المواكب لسرعة التطوّر على الصعيد العالمي. ولم تَفْعل ذلك إلا بعد أن أعادت صوغ كل مشروعها التنموي وفي كافة المجالات، ذلك أن أي بلد لا يمكنه التحوّل إلى نموذج جديد ومنظومته السياسية قديمة أو مازال يتردد، كما هو حالنا، بين أن يتحوّل إلى نمط الاقتصاد المُعولَم أو يبقى ضمن دائرة تفكير ضيقة مازالت لم تفصل في ماهية القطاعات السيادية وتلك التي لا تحتاج إلى قانون 49ـ 51 من المائة… أومازالت لم تعرف بعد النقود الإلكترونية كمؤشر أولي على الانتقال إلى السرعة اللازمة في مجال الاستثمار.
أظن أننا في حاجة اليوم إلى طرح مثل هذه الأسئلة بعيدا عن فتح جدال حول مدى جدوى الاقتراحات المقدمة، وتسليمًا مِنا أن مثل هذه الاقتراحات تتضمن على الأقل الحد الأدنى من الجدية والحلول، نقول إن أي حلول جديدة يُفترض أن ترافق بهيئات سياسية وتأطير مجتمعي جديد، إن لم تكن هذه الهيئات وهذا التأطير المجتمعي سابقا لوجودها، إذ لا يعقل أن يتم تكليف ذات المسؤولين السياسيين بتنفيذ سياسات عامة جديدة وهم من أخفقوا في السياسات السابقة أو لم يستطيعوا استباقها وتوقع حدوثها ووضع السيناريوهات الملائمة لمواجهتها حتى لا تقع.
لقد كتب “ألفين توفلر” وهو أحد كبار الاستشرافيين الأمريكيين في مؤلفه الشهير “تحوّل السلطة” أننا مع بداية القرن الحادي والعشرين سنصف الاقتصاديات حسب سرعتها وليس حسب نموذجها، إذ لن يكون بعد ذلك التاريخ أي مجال للحديث عن نموذج اقتصادي من هذا النوع أو ذاك،(لا رأسمالية ولا اشتراكية) بل عن اقتصادات سريعة وأخرى متوسطة السرعة وثالثة بطيئة أو متوقفة على الحركة. وبلا شك اقتصادنا هو من النوع الأخير، ونحن لا نريد القول إن الحديث عن نموذج اقتصادي هو في حد ذاته تخلفا احتراما للذين قاموا بصوغه من كفاءات وطنية لا يتحملون وزر تسميته، إنما نريد على الأقل لهذا النموذج أن يُحدثنا عن السرعة التي يريد أن ينتقل إليها الاقتصاد الوطني، حينها فقط نُدرك متى نصل إلى أهدافنا، وما إذا كان الإطار السياسي الذي يُفترض أن يظهر بعد أشهر من الآن ـ على إثر الانتخابات التشريعية القادمة ـ بقادر على تحقيق هذه السرعة المطلوبة، أم أنه سيسير، في اتجاه يكون إما مخالفا تماما لاتجاه النموذج الاقتصادي المطروح، أو غير قادر على فهمه أو يعتقد أن لا علاقة له، كما هو شأن الإطار السياسي الحالي البعيد كل البعد اليوم عما يتم طرحه من بدائل للمستقبل…بما في ذلك هذا النموذج الجديد.