الهنا غلب الغنى!
الكثير من التجار في الولايات التي عرفت احتجاجات، أغلقوا أبواب محلاتهم، خوفا، ومنهم من تبع “الحملة” وركب الموجة دون أن يكون مقتنعا، والبعض الآخر أغلق من باب الاستفادة من “عطلة إجبارية”، لكن السؤال الذي يصعب الإجابة عنه: لماذا يُضرب التجار؟ هل رفضا للزيادات؟ أم رفضا لقانون المالية؟ أم تضامنا مع الزبائن؟ أم خوفا من ركود البيع والشراء؟ أم للمطالبة بهامش ربح أكبر؟
الإشاعات والترويج المكثف لإضراب التجار، قبل أسابيع، سمّمت الأجواء، ودفعت الكثير من المواطنين إلى اقتناء “العولة” لمواجهة أزمة محتملة، وارتفعت عندها الأسعار، واستغل بعض التجار “عديمو الذمة” الفرصة لإشعال النار في تسعيرة أغلب المواد الواسعة الاستهلاك، وركب “لوبيات” الاستيراد الموجة لربح المزيد من الملايير، لكن الغريب إن وزارتي التجارة والفلاحة، في سياق صمت الحكومة، اكتفيتا بدور المتفرّج الأبله!
شكاوى المواطنين واحتجاجهم على غلاء المعيشة والتهاب الأسعار، يبقى حقا مشروعا، لكن أليس من عجائب الدنيا السبع، أن يُضرب التجار لمبررات غير مفهومة؟ ثم ما هي الجهة التي “أمرت” التجار بالإضراب، إذا كان اتحاد التجار تبرّأ من هذا الإضراب وحذر منه؟
اختلاق الندرة ورفع الأسعار وضرب القدرة الشرائية للمستضعفين ومحدودي الدخل، هو “برنامج وأجندة” وليس “فعلا معزولا”، وتصوّروا كيف يتحوّل إضراب تجار، إلى اعتداء على الأملاك وعمليات نهب للمحلات والبيوت، وبدل أن تـُحلّ المشكلة، يصطدم المواطن بمشاكل لم تكن على خاطر ولا بال!
حتى وإن كره الجزائريون من سوء التسيير والقرارات الارتجالية والاستعراضية وغير المدروسة العواقب، وكرهوا من “مسح الموس” فيهم في كلّ إخفاق وعجز، فإنهم كرهوا أكثر من الشعور بالخوف واللاطمأنينة، وكرهوا من تسلّل منتفعين ومستفيدين من الأزمات إلى احتجاجاتهم المشروعة والسلمية واستغلالها لتحقيق مآرب مشبوهة!
الحكومة تتحمّل الفشل في إقناع المواطن بحقيقة الأزمة، وطرق حلها، وتتحمّل مسؤولية انخراط “بارونات” في تحريك الشارع باسم “حق يُراد به باطل”، فهل يُعقل أن تبقى الوزارات المعنية مكتوفة الأيدي، رغم أنها سمعت بإشاعة الإضراب منذ مدة طويلة، فبدل أن تقطع الشك باليقين، فإنها فضلت دسّ فتيل عود الكبريت بقطعة قماش بدل إطفائه!
الرسائل والخطابات والصور التي تبادلها رواد الفايسبوك، أكدت أن الجزائري رغم الوجع والغضب والاستياء، من هكذا قضية، إلاّ إنه صار واعيا رافضا لتكرار الماضي الأليم، أو استنساخ نماذج مستوردة أثبتت الأيام أنها تبدأ بفتنة وتنتهي بدمار وخراب!