-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

بداية‭ ‬الإصلاحات‭ ‬ونهاية‭ ‬الأوهام

عابد شارف
  • 3331
  • 0
بداية‭ ‬الإصلاحات‭ ‬ونهاية‭ ‬الأوهام

بدأت قوانين الإصلاحات تخرج من مصنع البرلمان. ومنذ بدأ النقاش حول تلك القوانين، بدأت أصوات تتعالى لتطلب من الرئيس عبد العزيز بوتفليقة أن يعيد النظر وبصفة جذرية في مشاريعه، لأن الاتجاه العام الذي سارت عليه الإصلاحات لا يرضي القوم. واشتكى عدد من الزعماء السياسيين،‭ ‬بمن‭ ‬فيهم‭ ‬المقربون‭ ‬من‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية،‭ ‬ليطلبوا‭ ‬منه‭ ‬التدخل‭ ‬في‭ ‬أسرع‭ ‬وقت‭ ‬لإنقاذ‭ ‬إصلاحاته‭ ‬من‭ ‬أيدي‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬يريدون‭ ‬وضع‭ ‬حد‭ ‬لتعميق‭ ‬التجربة‭ ‬الديمقراطية‭ ‬في‭ ‬الجزائر‭.‬

  • وكأن الإصلاحات تواجه عراقيل عديدة ومختلفة، حيث أن الحكومة التي تقوم بتحضيرها لا تريد الإصلاح وليست لها الكفاءة الضرورية للقيام بالعملية، كما أن البرلمان الذي يناقش تلك القوانين لا يملك الشرعية الضرورية للتعامل مع موضوع بهذا الحجم. وظهرت تخوفات من الإدارة التي‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬شك‭ ‬ستقضي‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬مبادرة‭ ‬إيجابية‭.‬
    وطلبت السيدة لويزة حنون من رئيس الجمهورية أن يستغني عن الدستور وأن يصدر قوانين عن طريق الأوامر، بما يضمن سلامة النصوص التي ستتم المصادقة عليها. وتعود السيدة حنون إلى نظرية قديمة، تلك النظرية التي يراد منها أن السلطان رجل طيب يحب شعبه ويريد الخير للبلاد، لكن محيطه من وزراء ومستشارين يدفعون لاتخاذ قرارات سلبية. وتسمح هذه النظرية للسيدة لويزة حنون وغيرها، مثل بوقرة سلطاني، أن يقيموا علاقات طيبة مع السلطان، ويبقوا في بيت الطاعة، ويتنقدون بعض الشخصيات التي تزاحمهم في جوارهم للحاكم.
    وأكدت زعيمة حزب العمال أنها تساند الإصلاحات لكنها لا توافق على مضمون القوانين التي قدمها أحمد أويحي للبرلمان. من جهته قال بوقرة سلطاني إنه وصل إلى القطيعة مع حكومة أويحي حيث يعتبر أن التحالف الرئاسي انتهى، ولا بد من وضع حد لهذه التجربة. لكن لا هذا ولا ذاك يطعن‭ ‬في‭ ‬الرئيس‭ ‬بوتفليقة‭ ‬لأنهم‭ ‬لا‭ ‬يعرفون‭ ‬بالضبط‭ ‬ماذا‭ ‬سيحدث‭ ‬غدا‭ ‬وفي‭ ‬أي‭ ‬اتجاه‭ ‬ستجري‭ ‬الرياح‭.‬
    لكن لا ثرثرة بوقرة ولا كلام لويزة حنون سيكون له أثر على ما يقوم به السيد بوتفليقة، حيث أن رئيس الجمهورية موجود أمام خيار يتجاوز هذه الاعتبارات. وبما أنه اتضح تقريبا أن الرئيس بوتفليقة لم يغامر للحصول على عهدة رابعة، لم يبق له إلا خيار من اثنين: إما أن يقوم بإصلاحات حقيقية تسمح للبلاد من دخول العالم المعاصر ومنافسة الدول الأخرى للحصول على مكان لائق في القرن الجديد، وإما أن يقوم بإصلاحات شكلية تسمح بترتيب البيت وتحضيره لما تأتي تلك اللحظة التي يعيد السيد بوتفليقة مفاتيح البيت إلى أهله.
    وإذا أراد السيد بوتفليقة أن يقوم بإصلاحات حقيقية، فإن عليه أن يتخلص من حلفائه التقليديين، أولئك الذين ساندوه منذ سنوات وتمسكوا بالسلطة وحاشيتها ومنعوا البلاد من دخول عهد جديد. والإصلاح الحقيقي يعني التغيير، مما يعني أن الذين استفادوا من العهدات الثلاث للرئيس‭ ‬بوتفليقة‭ ‬سيجدون‭ ‬أنفسهم‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬جديد‭ ‬لا‭ ‬يخدم‭ ‬مصالحهم‭ ‬مثلما‭ ‬كان‭ ‬الوضع‭ ‬في‭ ‬الماضي‭… ‬والسيد‭ ‬بوتفليقة‭ ‬لا‭ ‬يكسب‭ ‬الإرادة‭ ‬ولا‭ ‬الثقافة‭ ‬السياسية‭ ‬ولا‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬إصلاحات‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭.‬
    أما إذا أراد أن يقوم بتغييرات شكلية حتى يخرج سالما يوم يأتي موعد مغادرته السلطة، فإن ذلك يفترض إعادة ترتيب بسيط لا يغير شيئا في موازين القوى، باستثناء بعض الأماكن الثانوية التي يريد أمثال بوقرة سلطاني احتلالها. وكل شيء يشير لحد الآن إلى أن قوانين الإصلاحات لن تغير شيئا في تركيبة النظام الجزائري، وأن السيد بوتفليقة تسلم مفاتيح البلاد قبل عشر سنوات وينوي أن يعيدها لأهلها في أحسن الظروف، ولذلك فإنه سيقوم بالإصلاحات التي يريدها هو لا التي يريدها بوقرة والسيدة حنون. والإصلاحات التي يريدها السيد بوتفليقة هي تلك التي‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬طبيعة‭ ‬النظام،‭ ‬لأن‭ ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬يوحي‭ ‬أن‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬يريد‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬معركة‭ ‬كبرى‭ ‬ضد‭ ‬النظام‭ ‬عشية‭ ‬خروجه‭ ‬من‭ ‬السلطة‭.‬
أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!