بقايا قمة لبقايا أمة
القمة العربية الأخيرة التي قيل أنها التأمت بالعاصمة العراقية بغداد مؤخرا مرت وكأنها لم تكن على الإطلاق على الرغم من دوي مقذوفات الهاون التي كانت تتساقط بالقرب من مقر الاجتماع. كانت وكأنها مجرد اجتماع غير إجباري أم غير ملزم لأي أحد من القادة العرب، فعقدت بأدنى تمثيل وهناك من الملوك والرؤساء من اكتفى بإيفاد أدنى الموظفين بوزارة الخارجية ولم يقم حتى بتكليف وزير من الوزراء أو مستشار من المستشارين، وهذا مؤشر على أن القمة كمؤسسة من مؤسسات الجامعة العربية قد أصبحت بقايا قمة ولكنها صورة واقعية لما أصبحت عليه الأمة العربية كبقايا أمة خاصة في ظل التشرذم الحاصل في أعقاب بعض ما يسمى بالثورات العربية أو ثورات الربيع العربي التي، بدل أن تحرر الشعوب العربية من براثن الأنظمة الظالمة والمستبدة وتجمعها على المصير المشترك ضد العدو المشرك، بدأت تسقط هذه الشعوب تباعا في براثن المشعوذين والحرازين وكتاب التعاويذ.. ابتداء من مصر التي اعتقد العرب لبرهة من الزمن أن ثورة شبابها قد أعادت النبض إلى قلبها الذي هو قلب الأمة العربية الذي لا يمكن أن تعيش بدونه خاصة في مواجهة الكيان اليهودي العدو المشترك والأبدي الذي يكبل هذه الأمة والعام الإسلامي ومنطقة الشرق الأوسط جميعها ويحرم عليها أي تطور أو تطلع إلى المستقبل.
ولكن يبدو أن مصر، كتونس وليبيا واليمن.. قد سقطت في أيدي من هم أسوأ من الأنظمة العربية الساقطة من حيث التعامل مع هذا العدو، إذ بدأ السباق نحو إقامة العلاقات الدبلوماسية الموسعة معه والتأكيد على الاحتفاظ بما هو قائم من معاهدات واتفاقيات على غرار اتفاقيات كامب ديفد، وهذا ما يذيب الفرق تماما بين الأنطمة العربية التي أسقطتها الثورات بحكم أنها كانت تستمد شرعيتها من الخيانة والعمالة لإسرائيل وأمريكا، وبين الذين التفوا على هذه الثورات وحولوها عن مجراها الذي هو حتما التحرر من النير اليهودي الأمريكي.
قمة بغداد التي لم تقل فيها الثورات العربية كلمتها، بل قالت كلمات معادية للثورة، لم تكن سوى قمة للعملاء في بغداد من أجل فرض أنفسهم على الشعوب العربية التي طالما عاقبتهم بالمقاطعة والصد والتبرم.. على ما اقترفوه من جرائم في حق الشعب العراقي عندما استولوا على السلطة من على ظهور الدبابات والطائرات الأمريكية والإسرائيلية وقتلوا وشردوا الملايين من العراقيين، ولم تكن سوى قمة للأنظمة العربية المتخلفة في الخليج لفرض السياسة العدوانية الأمريكية الإسرائيلية المنتهجة تجاه إيران وفتح البوابة العراقية لهذه السياسة.
قمة بغداد لم تكن سوى قمة لخطة أمريكا وإسرائيل لإغراق العالم العربي الإسلامي في الحروب الطائفية وبحار الدماء، خطة أفصحت عنها كاتبة الدولة الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس منذ سنوات قليلة عندما قالت بصراحة إن كل شيء جاهزا لتجنيد السنيين وتأليبهم على الشيعة في العالم الإسلامي من أجل القضاء على الطموحات الإيرانية في إطار ما سمي بإشاعة ”الفوضى الخلاقة” من أجل استتباب العولمة الأمريكية الإسرائيلية في المنطقة.
وهذا ما يفسر ما آلت إليه القمة العربية في بغداد، وهو ما يفسر التفاف الملتفين على الثورات العربية في بلدان الثورات، وهو ما يفسر كذلك تحول الجامعة العربية من مصدر ريوع للنظام المصري السابق إلى بؤرة للموساد الإسرائيلي والسي آي إي الأمريكية للتجسس على العرب في غرف نومهم.