بنو جلدتنا ومُجاراة الغرب في معاداة الإسلام (الجزء الثاني)
لقد تحدّث “سافيناك” عمّا تركته مقولة “بون دو بالاغي” أحد فرسان “شارلكان” في نفوس من خطّطوا لغزو الجزائر وأذهانهم، وقال إنّ هذا الفارس غرس سيفه على أحد أبواب الجزائر العاصمة (باب عزّون) وقال: “سنعود” وبالفعل عادوا بعد ثلاثة قرون تقريبا (1541-1830م). والسؤال: هل هذه العودة تنمّ عن رغبة في التمتّع بسحر الشّرق كما تغنّى بذلك الاستشراق الفرنسي قبيل الاحتلال وبعده!؟
بادئ ذي بدء، يمكن استشفاف إحدى الإجابات عن السؤال في ما جاء في كتاب “شارل روكس” فرنسا وإفريقيا الشمالية قبل 1830، روّاد الغزو” الصادر العام 1932م، إذ كتب: “… لم تكن العقيدة المحرّك الوحيد، النّاظم لحركات جيش صليبي وعمليّاته، إلاّ أنّ فكرة العقيدة استمرّت، ومنها تمّ استلهام مشاريع. إنّ الجواب المشهور للوزير الفرنسي “بومبون” (1618-1699م) الذي اقترحه على “لويس الرابع عشر” (1638-1715م) مطالبا إيّاه بتحويل أسلحته ضدّ مصر، قائلا له: “… لم تصبح الحروب الصليبيّة موضة منذ حرب “سان لويس” الصليبية، فهو جواب لا يعبّر عن حقيقة أكيدة، ولا هو دقيقٌ بالكامل، فيما يخصّ القرن الـ17م أو ما تلاه من قرون، فالرّوح التي ميّزت الحروب الصليبيّة، لم تختف دفعة واحدة، عند نهاية آخر حملة، إذ لم تكن تخلو من شائبة من تلك الفترة ” (F. Charles Roux: La France..; p. 671) .
لكنّ الإجابة الواضحة عن السؤال -وبرهن عليها الواقع في ما بعد وهي لا مهادنة مع الإسلام باعتباره عدوّا للحضارة والكنيسة معا في منظورهم- جاءت على لسان الفقيه والنحوي “علي بن طاهر السلمي الدمشقي” (1039-1106م) إذ تنبّأ بمصير العالم العربي والإسلامي بعد تلك الحروب الصليبية، وهو الذي عاصر “أوربان الثاني” (1035-1099م) ودخول الصليبيّين (الفرنجة كما يسمّونهم) بيت المقدس، إذ كتب قائلا: “… كانت القدس نهاية أمانيهم منها، فأشرفوا من بلاد الشام على ممالك متفرّقة، وقلوب غير متّفقة وآراء متباينة… حتى تملّكوا من البلاد ما لم تنته إليه عامّة آمالهم، وبلغوا أضعاف ما أرادوه من إهلاك أهلها وإذلالهم، وهم إلى الآن جادّون في الاجتهاد مُجدّون في طلب الازدياد، تتضاعف أطماعهم لِما يظهر لهم من الإحجام عنهم، وتنبسط آمالهم بحكم ما يرونه من رضا أعدائهم بالسّلامة منهم، حتى تيقّنوا أنّ البلاد كلّها صائرة إليهم، وأنّ جميع أهلها أسرى في أيديهم..” (مذكور في: ﻋﺻﺎم ﻣﺻطﻔﻰ ﻋﻘﻠﺔ ويوسف أحمد بني ياسين، دراﺳﺎت اﻟﻌﻠوم الإنسانية واﻻﺟﺗﻣﺎﻋﻳﺔ، اﻟﻣﺟﻠّد، 41 اﻟﻌدد،3، 2014، صص، 54-55).
من جهة أخرى، أشار إلى تقاعس الحكّام المسلمين أمام الغرب الصليبي –وينسحب قوله على مواقف الحكّام اليوم تجاه فلسطين، بل أكثر- إذ يقول: “…إنّ اﻟﺣﻛّﺎم اﻟﻣﺳﻠﻣﻳن ﺗﺛﺎﻗﻠوا وﺗواﻛﻠوا في قتال الفرنجةﱠ ﺧﺷﻳﺔ على ﻣﻧﺎطﻘﻬم، اﻋﺗﻘﺎدا ﻣﻧﻬم أﻧّﻬم ﻳﺳﻠﻣون بذلك وأﻧّﻬم ﻗﺑﻠوا ﻣن الفرنجة بالسّلامة ما أدّى إلى زﻳﺎدة أطﻣﺎع الفرنجة في السيطرة على الأراﺿي الإسلامية” (المرجع ذاته، ص، 173). ألا ينسحب هذا التوصيف على مواقف أغلب الحكّام خلال نكبة 1948 ونكسة 1967م، واليوم أمام مقتلة غزّة؟
مهما يكن، أدّت تلك الحملات الصليبية إلى خلق إطار من المواقف والاتّجاهات المتبنّاة من كلّ طرف تجاه الآخر، وبخاصّة في الغرب، إذ برّر ذوو النزعة المحافظة التوسّع الغربي في الأراضي المقدّسة جرّاء التوسّعات الإسلامية آنذاك، واعتبار ذلك تهديدا للمسيحيّة، كما ذهب بعض الأيديولوجيّين اليمينيّين إلى حدّ التّشكيك في مدى إنسانيّة المسلمين بالأساس باعتبارهم نتاج ثقافة عاجزة عن اللّحاق بركب الحضارة العالمية.
من هذا المخيال، وجّه البابا “غريغوري 16” مثلا رسالة مطوّلة إلى “دوبوش” أولّ أُسقف في الجزائر، نقتبس منها الآتي: “… لقد فُتحت أمامنا أرضٌ واسعة، وها هي تحتضننا مرّة أخرى… إنّها أرض الجزائر، التي شهدت في القرون الأولى عددا كبيرا من الكنائس التي أشعّت، وعانت من تدمير حقيقي بعد أن هيمن عليها “الكفّار” (إشارة إلى المسلمين)… إنّه ليحدونا أمل في رؤية نور الحقيقة الكاثوليكيّة يُشعّ على الأجزاء الأخرى من إفريقيا… توجّه إذن باسم الرب إلى هذا الحقل… وجدّد هذه الأراضي، واقتلعوا كلّ الأعشاب الضّارة من جذورها، واغرسوا البذرة الطيّبة… اعمل كجندي سمحٍ لعيسى (عليه السلام)…”..( Mémoire à L’appui de la manifestation du clergé d’Afrique en faveur de Monseigneur Dupuch Présenté au Prince Louis Napoléon par M. l’abbé Montera, chanoine d’Alger, février, 1852. AOM, F80. 1746). أمّا “هنري شارلي” كتب قائلا: “… إنّها المهمّة التي أسندها الله إلى فرنسا” (L’intégrisme et le National-Catholisme, Revue Esprit N°278, nov.1959, p.29 . بدوره، كتب الجنـرال “دوفيفي” (1794-1848م) قائلا: “… هذا المشروع (يقصد الاحتلال) دينيّ وأخلاقيّ بحت، يتعلّق بإدخال الحضارة إلى الشّعوب الإفريقية، والحضارة المستهدَفة هنا، هي التي تنبثق بأكملها من أخلاق المسيح، وليس الحضارة المتهافتة على المادّة القائمة على إرضاء الحاجات أساسا… فإذا شئنا أن نُحضّر الشّعوب، علينا أن ننشُر أفكار الإنجيل، إنّ الأفكار هي التي ستضمن لنا الهيمنة، لأنّ سلاحنا في هذه الحرب هو سلاح الأفكار”.(Cité par, Camille, Risler: La politique culturelle de la France en Algérie..; 2007, p.275) . ويقول “جان بوجولا” (1808-1880م):“… إنّ الهدف من حربنا في إفريقيا هو أقدس وأسمى من حروبنا في أوروبّا، لأنّ موضوع الصّراع هنا، هو القضيّة المقدّسة، قضيّة الحضارة، قضيّة الأفكار المسيحيّة الخالدة التي كتب الله لها أن تنتصر، وقيّض لها فرنسا لتكون لها سندا قويّا” (مذكور في: مصطفى الأشرف، الأمّة والمجتمع، صص، 52-53). وعن البعد المادّي، يقول “ل. مورارد” (1877-1949م): “… لم يكن في أجندة المخطّطين للغزو في مرحلته الأولى على الأقل… لم تقم فرنسا بغزو الجزائر بحثا عن التّوابل أو من أجل استغلال مناجم الذّهب أو سلب ثروات السكّان حين أقامت قواعد الاستعمار، لأنّ تلك العناصر لم تكن معروفة، تجهل ما فوق الأرض وما تحتها، بل حتّى ما بإمكانه أن يشكّل شيئا ثمينا… فلا حكومة شارل العاشر، ولا قادة الحملة لهم شيء من ذلك”. (Louis, Morard, Bugeaud, Edition de L’Encyclopédie de L’Emp-Français, Paris, 1947, p.139) .
الغرب المسيحي والتّمكين لفكره وثقافته
لقد أحدث التوسّع الغربي في العالم العربي، بدءا من الحملة على مصر العام 1798م، وما تلا ذلك من الهيمنة الكليّة على باقي حيّزه الجغرافي، هزّة فكريّة استطاعت أن تُحدثَ في النّظامين الاجتماعي والفكري العربيّين خدوشا غائرة وعميقة من جهة، ورمزا تمّت ترجمته بكيفيّات متباينة في وعي كلّ من الحُكّام والمثقّفين من جهة أخرى.
من جهة أخرى، أشار إلى تقاعس الحكّام المسلمين أمام الغرب الصليبي، إذ يقول: “…إنّ اﻟﺣﻛّﺎم اﻟﻣﺳﻠﻣﻳن ﺗﺛﺎﻗﻠوا وﺗواﻛﻠوا في قتال الفرنجةﱠ ﺧﺷﻳﺔ على ﻣﻧﺎطﻘﻬم، اﻋﺗﻘﺎدا ﻣﻧﻬم أﻧّﻬم ﻳﺳﻠﻣون بذلك وأﻧّﻬم ﻗﺑﻠوا ﻣن الفرنجة بالسّلامة ما أدّى إلى زﻳﺎدة أطﻣﺎع الفرنجة في السيطرة على الأراﺿي الإسلامية” (المرجع ذاته، ص، 173). ألا ينسحب هذا التوصيف على مواقف أغلب الحكّام خلال نكبة 1948 ونكسة 1967م، واليوم أمام مقتلة غزّة؟
ينبغي التنبيه إلى إنّ تاريخ المجتمع وثقافته، هو تاريخ الصّراع بين عوامل التقدّم والتطوّر وفواعله، وعوامل التخلّف والركود وفواعله. هذا الأخير، لا يعود للإسلام بقدر ما يعود إلى الأنفس؛ فالإسلام في انطلاقته الأولى، كان شُعلة تجديديّة وهّاجة، تحثّ على العلم والمعرفة وإعمال العقل، وترتاد المجاهل الجغرافيّة والفكريّة بِنِهَمٍ فكريّ وحضاري بيِّـن. لكن حملة الغرب في بعدها الثقافي/ الحضاري، تميّزت بالعمل على بذر الاضطراب والشكّ في المُثل الإسلامية –مثلما يعمل بعض بنو جلدتنا اليوم- والإيحاء بأنّ مُثُل المسيحيّة وتعاليمها أفضل من أيّ مُثُل أخرى، وإشاعة فكرة تفوّق الإنسان الغربي على بقيّة الأجناس، وبأنّ تقدّمه كان بفضل المسيحيّة، والعقل، والدّينامية، في حين أنّ تأخّر العالم الإسلامي يُعزَى إلى التمسّك بالإسلام، والنّقل، والجمود. كلّ ذلك ترسّخ في الوعي (الإدراك) الاجتماعي الأوروبي أواخر القرن 19م: “.. صورة مزدوجة عن الإسلام، من جهة، تصوُّره كتهديد مُعَاد للمصالح الغربيّة -دولا وأفرادا- يتمثّل في النّزوع إلى الرّابطة و/أو الوحدة الإسلامية، وبصفته تعصّبا للبرابرة المعادين لـ”رسالة أوروبّا التحضيريّة” الإنسانية/ الكونية. (باتونسكي: علم الإسلاميات الغربي والاستعمار، سلسلة عالم المعرفة، العدد(231) 1995، ص، 85.).
إنّ من أهمّ المفاهيم التي أُدخلت إلى الثقافة العربيّة في الفترة ما بين (1850-1939م) هو مفهوم التقدّم، الذي أصبح مرادفا للفظ “عقلنة” منذ القرن 18م، وأصبحت حركة التقدّم في الزمان مرادفة لحركة العقل البشري في الزّمان. وكان من ممثّلي هذه الحركة الفكرية الأساسيّين، ديدرو(1713-1784م)، دالمبير (1717-1783م)، كوندورسي (1743-1794م)، فولتير (1694-1778م)، مونتسكيو (1689-1755م)، ماركس (1818-1883م)..الخ. وظهرت الدّعوة إلى تعميم المنهج العلمي ليشمل كلّ الميادين المعرفية واعتبار التقدّم في العلم نموذجا للتقـدّم بشكل عامّ، كما تمّت الدّعوة إلى تعميم العقلانيّة العلميّة لتشمل كلّ ميادين النشاط البشري معرفيّة كانت أو اجتماعية أو اقتصادية أو أخلاقيّة.
هذه الأفكار، روّج لها في الثقافة الإسلامية الإصلاحيّون، أمثال محمد عبده ورشيد رضا وجمال الدين الأفغاني. أمّا المفهوم الثاني، فهو العلمانية، وأوّل من طرحه في السّاحة الثقافيّة العربيّة اللبناني “إلياس بقطور” (1784-1821م)، ثمّ “بطرس البستاني (1819-1883م) وبدأ الترويج له في ظلّ الهيمنة الاستعمارية. ومع ذلك، فإنّ ما جمع العلمانيين الأوائل ومَنْ تلاهم، أنّهم كانوا دعاة لنهضة الأمّة، ووحدتها، وتبنّوا حقوق الإنسان، وحريّة الفكر، والعقلانيّة ورفضوا الدولة المُغلقة، والدّعوة للدولة المدنيّة ولعلاقة “سليمة” بين الدين والسياسة، أو ما سمّاه عبد الوهاب المسيري “العلمانية الجزئيّة”.
وفي مرحلة لاحقة، ظهر مفكرّون من أمثال حسن حنفي (1935-2021م)، استندوا إلى خلفيّتهم الدينيّة في محاولة لإيجاد حركة إصلاح ديني تنحاز للإنسان وترتقي به، وآخرون من أمثال “رفعت السعيد” (1932-2017م) اشتهروا بنقدهم للمؤسّسة الدينيّة وسلوكها السياسي والاجتماعي، ولم يذهبوا للحديث عن إيمان الناس وتديّنهم ومقدّساتهم ورموزهم الدينيّة، بل تعاملوا مع مواضيع الإنسان والنّهضة والتقدم والحداثة، ومع الحرية والعلم، وحتى الدين، بأخلاق وباحترام للتعدّدية وتفهّم للتجارب المختلفة للبشر.
في الوقت الرّاهن، ظهر علمانيون عربٌ، يوصفون بـ”المفكّرين”، بينما واقع الحال، هم مستهلِكون لما يتقيّأه الغرب من مفاهيم وأفكار، ويُطلقون على الآخرين، أنّهم ممسكون بتلابيب ما أطلقوا عليه “الجهل المؤسَّس” (إشارة إلى التراث)، والذي حوّلوه إلى جهل مقدّس.
لكن، في الوقت الرّاهن، ظهر علمانيون عربٌ، يوصفون بـ”المفكّرين”، بينما واقع الحال، هم مستهلِكون لما يتقيّأه الغرب من مفاهيم وأفكار، ويُطلقون على الآخرين، أنّهم ممسكون بتلابيب ما أطلقوا عليه “الجهل المؤسَّس” (إشارة إلى التراث)، والذي حوّلوه إلى جهل مقدّس. وهنا، ينبغي التذكير بما قاله القس “براسلي” العام 2008م :”… إنّه لمن الأهميّة بمكان أن ندرك الوجه الحقيقي للإسلام، أي نراه وفقا لما هو عليه بالفعل… إنّني لا أؤمن بأنّ أمّتنا يمكنها بحقّ أن تنهض برسالتها المقدّسة، وتفي بأهدافها السماوية، إلاّ إذا أدركنا طبيعة صراعنا التاريخي مع الإسلام… فالحقيقة هي، أنّ أمريكا قد تأسّست ضمن أسباب أخرى، بنيّة القضاء على ذلك الدين الزائف وتدميره”. والسؤال هو: هل المشهد يوحي بمعارك ثقافيّة بالوكالة، انبرى لها هؤلاء العُربان على غرار الحروب بالوكالة كحالة أوكرانيا؟
… يُتبع