بيت الأردن
قد يستغرب كثير أو قليل من الناس ويُعجبون من عنوان هذه الكلمة، وسيتساءلون عن نبَإها، ولكن ــ كما يقول إمام البلغاء وحكيم الحكماء الإمام الإبراهيمي: “من عاش في الجزائر رجبا رأى عجائب لا عجبا”. (الآثار.3/111).
هذا البيت لا يوجد في عمّان ولا في معّان، ولا يوجد في الزرقاء ولا في البلقاء، ولا يوجد في الأزرق ولا في المفرق، ولا يوجد في العقبة ولا في وادي عربة.. ولكنه ــ وإن أضيف إلى الأردن ــ يوجد في حي دالي إبراهيم من مدينة الجزائر، عاصمة دولة الجزائر التي هي أكبر دولة من حيث المساحة في إفريقيا، بعد المؤامرة الصليبية لتقسيم السودان..
وكما أن هذا البيت ليس أردنيا من حيث مكانُه؛ فهو ليس أردنيا من حيث مالكُه، فهو ليس تابعا لشخص أردني، ولا لمؤسسة تابعة لدولة الأردن التي وصفها ــ لصغرها ــ أحد الكتاب بـ”دوّار الأردن”…
إن صاحب هذا البيت جزائري أصالة، أبا عن أجداد، لا تجنُّساً.. وقد حدّثني ذات يوم بأنه آلى على نفسه أن لا يتخلى عن جنسيته الجزائرية، ليتجنس بجنسية أية دولة مهما يكن مكانها في الجغرافيا، ومكانتها في التاريخ وفي الحاضر، وأن لا يتخذ زوجا غير جزائرية مهما يكن جمالها، ومالها، ونسبها؛ ويشهد عارفوه ــ ومنهم كاتب هذه السطورــ أنّه برّ بوعده، ووفى بما عقّد عليه أيْمانَه ووكدها.. فعاش جزائريا عفيفا، ومات جزائريا شريفا، ولم يتعلق قلبه بأي مكان غير الجزائر، ولم ترنُ عيناه إلى غير الجزائر.
إن هذا الشخص، صاحب هذا البيت، هو كأحدٍ من أبسط الناس من حيث النَّسَب والنَّشبُ، فقد وُلدَ في أسرة بسيطة، الأرض بساطه، والسماء غطاؤه، ولكنّهُ بعد كدح كبير، وكفاح مرير في هذه الدنيا غادرها وهو ذو حسبٍ، يملأ اسمه الآذان، ويلفت إليه الأذهان… إنّهُ الأستاذُ الكبير أبو القاسم سعد الله..الذي آتاه اليقين يوم السبت 11 صفر 1435 هجرية (14 ديسمبر 2013).
إن السبب الذي جعل أستاذنا سعد الله ــ وهو الذي علمنا الوطنية الحقة ــ يطلقُ اسم “الأردن” على بيته هو ما عاناهُ من متاعب مادية ومعنوية على أيدي أناسٍ كان شغلهم الشاغل هو العمل على ما سمّاهُ سعد الله “تجريد الجزائر من الرجال”، ليخلوَ لأولئك الناس وَجْهُ الجزائر فيمْسَخُوا سحنتهُ، ويُحرفُوا حرفي الراء والضاد في لهوته، ثم يتفرغُوا لملء بطونهم من غلتها، ويلعنوا مِلتها، ويعيدوها بعدما حررها الرجال ذيلا لفرنسا.
رجع سعد الله إلى أهله ووطنه، في عام 1967 من الولايات المتحدة الأمريكية، حاملاً ثمرةَ كدّه ونَصَبِهِ ــ شهادة دكتوراه الدولة ــ وظنّ أنّهُ سيجدُ من الترحيبِ ما يشحنهُ ليعوضَ ما ضاع على الجزائر ــ بسبب فرنسا المجرمة ــ من علوم ومعارف، ولكنّهُ صُدِمَ بتحكّمِ التفاهة والسفاهةِ في كثير من دواليب الإدارة “الجزائرية”، فكان في وطنهِ كالفتى العربيّ في شِعْبِ بُوانْ الذي وصفه الشاعرُ الفحلُ المتنبي بأنّه”غريب الوجه واليد واللسان”.
كان نصيبُ سعد الله من الجزائر ــ بعد سعيٍ، وطرقٍ للأبواب ــ شَقةُ من ثلاثِ غُرف لم تتسعْ لكتبهِ وملفاتهِ، مما اضطرهُ إلى الاستغناءِ عن الضروري من الأثاث، ولم يكن ذلك المُرتب الذي يتقاضاهُ يكادُ يغطي نفقاتِ ثمن المراجعِ وأدوات الكتابة، وأما معدتُهُ فكان معها مُلتزماً بسُنة الرسول ــ عليه الصلاة والسلام ــ ثُلُثٌ، وثلث، وثلث. وكان كما كتب لي ذات يومٍ قائلاً:”أنا ممن يحسبهم الجاهلُ أغنياء من التعفف”.
وتقاعد سعد الله، أو أُقعِدَ، فكأنّهم أرادوا أن يقتُلوهُ ماديا ومعنوياً، فاضطر إلى أن يتعاقد مع جامعةِ آل البيت في الأردن الشقيق، الفقير في المال الغنيّ في الرجال، فعرفت تلك الجامعة مكانة سعد الله وقيمتهُ، فبوأتهُ ما هو أهلٌ لهُ، فأفاد كثيراً واستفادَ يسيراً، ومن ذلك اليسير المبارك فيه بنى “بيت الأردن”. ودعاءٌ صادقٌ إلى اللهِ الغنيّ القدير أن يُكرم عبدهُ أبا القاسم سعد الله، ويُنزلهُ في أعلى عليين، تعويضا لهُ عما فعلهُ بعضُ الأرذلين، وأفرغ على زوجِهِ، أُم ولدهِ، جميل الصبرِ، وآتاها جزيل الأجرِ.
وإلى الله نشتكي من زمانٍ فاسدٍ جاءنا بكلّ عُجابِ