تاريخنا في المستشفيات!
ثلاثة من صناع القرار في الجزائر، وخلال مراحل متباينة وأحيانا متقاطعة، يوجدون حاليا في المستشفيات، وتحت الإنعاش، أو بالأحرى، فإن تاريخ الجزائر لعقود طويلة، هو ما يوجد تحت الإنعاش، يتربص به الموت، ومهدد بالضياع بين لحظة وأخرى.
-
الكلام هنا عن الرئيسين السابقين، أحمد بن بلة والشاذلي بن جديد، وأيضا عن الأمين العام السابق لجبهة التحرير الوطني، عبد الحميد مهري، وكل واحد من هؤلاء الثلاثة، يمثل مرحلة زمنية مهمة، وذاكرة مغلقة على كثير من الأحداث والمعارك والوقائع والملابسات التي أحاطت بتاريخ الجزائر.
الثلاثة يتواجدون بالمستشفى، يواجهون أمراض الشيخوخة، لكن الحقيقة أن فقدان أي واحد منهم، لا يعدّ محنة شخصية، ولا فقدانا عائليا وحسب، رغم كلّ ما يمثله ذلك من وجع حقيقي لا يشفيه غير الإيمان بالقضاء والقدر، لكنه فقدان يرتقي في أهميته لحدود المأساة الوطنية، طالما أن كل واحد من هؤلاء يمثل أرشيفا وطنيا وتاريخا كان يمشي على رِجلين لسنوات، واليوم، ليسوا سوى تاريخ يرقد على سرير، ولا يتنفس إلا بالأجهزة الاصطناعية، بكل ما يعنيه الأمر من تهديد ببتر جزء أساسي من الذاكرة الوطنية.
من يخدعنا اليوم مدّعيا أننا نسير نحو الاحتفال بالذكرى الخمسين للاستقلال، إذا كان الجيل الأول ومن تلاه، لا يعرف من أسرار الثورة إلا الشيء القليل، في الوقت الذي أضعنا فيه خلال زمن الاستقلال الناقص العديد من الفرص الثمينة، والمحطات الهامة من أجل الوقوف على مصير الذاكرة الوطنية التي تم تحنيطها في وزارة للمجاهدين، ومتاحف للتاريخ، وملتقيات لممارسة الكذب والتزوير؟!!
هنالك إرادة حقيقية من طرف السلطة التي أمسكت بالاستقلال من قرنيه، وأرضخته لحسابات باريس في وقت من الأوقات، ثم لحسابها الخاص فيما بعد، أن تجعل من الثورة والتاريخ، والجهاد ضد الاستعمار، مجرد ثورة على الورق، لا يتم إحياؤها إلا في المناسبات الوطنية، والكتب المدرسية المزوّرة، وفي الملتقيات مدفوعة الأجر، ومن خلال شخصيات تعرف جيدا ماذا تقول وما لا تقول، متى تتكلم، ومتى تصمت، مع من تتكلم وعمّن، لذلك كان واضحا أن قانون تجريم الاستعمار الذي صدّع البعض رؤوسنا به لسنوات، كان يجب التمهيد له بقانون تجريم عملاء الاستعمار وخدامه في الجزائر التي لم تستعد استقلالها كاملا بعد خمسين عاما من الكذب والتزوير والنفاق السلطوي المزمن.
بن بلة، الشاذلي، مهري، ومن قبلهما أيضا محساس، والعديد من الوجوه الثورية والتاريخية، لم يخوضوا في التاريخ البعيد، حتى نطلب منهم الخوض في التاريخ المعاصر، ولا شك أن الفرق بيننا وبين الآخرين يبقى شاسعا، ليس في أمريكا وفرنسا وعموم الغرب الذي لا يستقيل فيه مسؤول ولا رئيس إلا وفي يده الأخرى، مذكراته، لكنه فرق يمتد إلى جيراننا في تونس والمغرب ومصر، حيث تزخر المكتبات الوطنية هناك بالعديد من المذكرات السياسية لرموز تلك الدول، في الوقت الذي ترقد فيه رموزنا على فراش المرض ويتربص بها الموت، ولا أحد منهم تجرأ على إغضاب السلطة، بقول الحق ولو كان مرّا.