الرأي

تحوّل السلطة بين الداخل والخارج‮.. ‬توافق أم صراع؟

محمد سليم قلالة
  • 2825
  • 0

تعرف الدولة الوطنية في‮ ‬الجزائر بدايةً‮ ‬حقيقية للتحول في‮ ‬السلطة،‮ ‬من نظام سياسي‮ ‬صنعته بالأساس تطوراتٌ‮ ‬لاحقة لثورة التحرير الوطنية،‮ ‬إلى نظام سياسي‮ ‬سيكون نتيجة تطورات لاحقة لمرحلة ما بعد تعددية سياسية،‮ ‬أفرزت صراعا دمويا دام عشر سنوات،‮ ‬ورخاءً‮ ‬مالياً‮ ‬أعاد تشكيل النخب الحاكمة والفئات النافذة ماليا‮.. ‬يجري‮ ‬كل هذا ضمن ظرف دولي‮ ‬تسعى خلاله القوى الكبرى إلى إعادة تشكيل ما تُسمّيه الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ضمن خارطة جديدة بعد مرور قرن كامل على اتفاقيات سايكس بيكو التي‮ ‬صنعت الخارطة التقليدية للمنطقة،‮ ‬وحافظت على توازناتها إلى حد اليوم،‮ ‬ما الذي‮ ‬سيحدث،‮ ‬من‮ ‬يقوده؟ وما الذي‮ ‬علينا تجنبه؟

كل المؤشرات تدلّ‮ ‬على أننا سندخل مرحلة جديدة من تاريخنا الوطني‮ ‬السياسي،‮ ‬الجيل الحاكم باسم الشرعية الثورية لا‮ ‬يريد أن‮ ‬يَفلت من بين‮ ‬يديه الانتقال،‮ ‬يسعى بكل الوسائل أن لا‮ ‬يُصادَر منه تاريخه،‮ ‬وأن لا‮ ‬يُنتَزع منه ذلك الرصيد الذي‮ ‬أعتقد أنه لن‮ ‬يَنفد لقرون من الزمن،‮ ‬ولا‮ ‬يريد أن تكون نهايته الاعتراف بهزيمته أمام مَن كانوا باستمرار لا‮ ‬يؤمنون بالجزائر‮ ‬غير الفرنسية،‮ ‬وبَقوا ضمن صفوفه‮ ‬يَعتقد أنه‮ ‬يستخدمهم وهم من كانوا‮ ‬يستخدمونه للوصول إلى لحظة التحول هذه التي‮ ‬يُصبح بالإمكان الحديث فيها عن عودة الجزائر الفرنسية،‮ ‬وما تصريحات اليمين الفرنسي‮ ‬الأخيرة‮ (‬ساركوزي،‮ ‬لوبان‮…) ‬إلا تعبيرٌ‮ ‬غير مباشر على ذلك‮.‬

أما الجيل الذي‮ ‬وُلد قُبيل أو بعد الاستقلال،‮ ‬فلم‮ ‬يتمكن من معرفة الطريق التي‮ ‬يَفرِض من خلاله وجوده،‮ ‬هَرِم بين خياري‮ ‬استلام زمام الأمور بيده ذات‮ ‬يوم بوسيلة أو بأخرى،‮ ‬أو تسريحه من الخدمة باعتبار مهمته‮ ‬ينبغي‮ ‬أن تتوقف عند مستويات التحضير للقرار أو تنفيذه دون اتخاذه أو التحكّم فيه،‮ ‬ويكاد‮ ‬يشعر اليوم أنه إلى البديل الثاني‮ ‬أقرب،‮ ‬مما سيحرمه من المساهمة في‮ ‬صناعة مستقبل بلده ناهيك عن إحداث تحوّل للسلطة فيه‮… ‬

في‮ ‬حين اُعتبر الجيل الذي‮ ‬وُلد بعد مرور أكثر من ربع قرن على الاستقلال،‮ ‬بأنه جيل كل المتناقضات المانعة لأن تصنع منه العنصر القادر على قيادة تحّول جديد في‮ ‬السلطة،‮ ‬فهو إما تَربَّى على هَول الإرهاب والتخريب،‮ ‬أو عاش في‮ ‬حقبة كل شيء‮ ‬يُباع فيها ويُشترى بالأموال الوسخة أو المنهوبة،‮ ‬إلى أن فقد كل توازن في‮ ‬منظومة القيم وأصبح‮ ‬غير قادر على التفكير في‮ ‬إعادة صياغة السلطة من جديد خارج سلطة المال وبعيدا عن استخدام كافة أساليب الفساد التي‮ ‬كادت تُصبح عنوان مرحلة بكاملها‮…‬

وهكذا نجد أنفسنا،‮ ‬ونحن على أبواب تحول عميق في‮ ‬السلطة،‮ ‬مجتمعا تتعايش فيه وبصعوبة ثلاثة اتجاهات تمثل ثلاث مجموعات متمايزة من حيث الإدراك السياسي‮ ‬لمستقبل البلاد،‮ ‬وطبيعة القيم التي‮ ‬تحملها،‮ ‬والقدرة على المبادرة واتخاذ القرار،‮ ‬هذه الاتجاهات الثلاثة‮ ‬ينبغي‮ ‬التعامل معها لإحداث التحوّل المنشود في‮ ‬السلطة سواء نحو الأسوأ أو نحو الأفضل‮.‬

‬إن وضعنا الداخلي،‮ ‬والوضع الجيوسياسي‮ ‬الخارجي،‮ ‬والتوافق الدولي‮ ‬بشأن طبيعة التحوّل الذي‮ ‬سيحصل ببلادنا‮ ‬يضطرنا إلى ضرورة القيام بقراءة صحيحة لذلك قبل أي‮ ‬قرار،‮ ‬والقراءة الصحيحة تستلزم التصرف السليم بعيدا عن أي‮ ‬انزلاق من شأنه أن‮ ‬يربك معادلة الداخل ـ الخارج التوافقية لحد الآن‮.‬

يبدو أن القوى الخارجية التي‮ ‬تسعى إلى إعادة ترتيب المنطقة بما‮ ‬يخدم مصالحها،‮ ‬تدرك طبيعة هذه الحقائق الداخلية وتسعى إلى دفعها نحو مخرجات تخدمها،‮ ‬وهو الأمر الذي‮ ‬يجعل كل تصور لمستقبل السلطة في‮ ‬بلادنا رهينا،‮ ‬في‮ ‬حدود كبيرة،‮ ‬بهذا الفعل الخارجي‮ ‬الذي‮ ‬سيتم بالتوافق أو بالتناحر‮.‬

ولعل هذا ما‮ ‬يحدث اليوم،‮ ‬حيث أن القوتين الكبيرتين المعنيتين مباشرة بالوضع في‮ ‬الجزائر‮ (‬الولايات المتحدة وفرنسا‮) ‬تعملان لكي‮ ‬يحدث هذا التحول بالكيفية التي‮ ‬لا تضرّ‮ ‬بمصالح أي‮ ‬منهما؛ الفرنسيون‮ ‬يعملون على أن‮ ‬يبقى نشاطهم التجاري‮ ‬قائما في‮ ‬بلادنا وأن‮ ‬يحصلوا على أولوية في‮ ‬الاستثمار،‮ ‬فضلا على مكانة أفضل من تلك التي‮ ‬حددتها اتفاقيات إيفيان بالنسبة لعلاقة فرنسا الثقافية والأمنية مع الجزائر‮ (‬ومنه جاء تصريح ساركوزي‮ ‬بضرورة مراجعتها‮)‬،‮ ‬والأمريكيون لا‮ ‬يريدون أن تَغفل أعينهم على مخزون الجزائر من الطاقة،‮ ‬سواء أكانت بترولا وغازا تقليديا أو صخريا،‮ ‬أو كانت طاقة متجددة‮ (‬شمسية‮) ‬مصدرها الصحراء الكبرى،‮ ‬بما‮ ‬يتطابق مع إستراتجيتهم الكونية القائمة على التحكم في‮ ‬السوق العالمية للطاقة وامتلاك مواقع قدم في‮ ‬المناطق ذات الأهمية الجيواستراتيجية لنشاطاتهم العسكرية والأمنية مثل الجزائر التي‮ ‬لا‮ ‬يشكّون في‮ ‬وزنها في‮ ‬هذا المستوى على الصعيد الإفريقي‮ ‬خاصة‮.‬

وبين موقف هاتين القوتين،‮ ‬ومواقف قوى دولية أخرى،‮ ‬لديها مصالح ويهمّها مستقبل السلطة في‮ ‬الجزائر بخاصة روسيا البائع التقليدي‮ ‬للسلاح نحو الجزائر بملايير الدولارات والصين المنافِس الأول للفرنسيين في‮ ‬مجال الاستثمار والتجارة الخارجية،‮ ‬ودول أخرى ذات تطلعات استثمارية كبيرة،‮ ‬سيتحدد مستقبل السلطة فيها،‮ ‬بالتقاطع طبعا مع طبيعة العلاقة بين اتجاهات الأجيال الثلاثة المشكل لديناميكية التطوّر الداخلي‮ ‬للجزائر،‮ ‬وربما ستبرز لنا من خلال هذا وبجلاء أكبر خصائص مرحلة ما بعد مرور قرن عن سايكس بيكو العربية،‮ ‬ولعل أهم خاصية في‮ ‬المرحلة القادمة‮ (‬نتيجة توافر عوامل عديدة،‮ ‬على خلاف دول عربية أخرى‮) ‬أنها لن تتم بالتناحر إنما بالتوافق ما بين القوى الكبرى،‮ ‬مما‮ ‬يجعلنا نعتبر أننا قد دخلنا حقيقة في‮ ‬مرحلة تحول حقيقي‮ ‬للسلطة في‮ ‬بلادنا أصبحت تتجلى في‮ ‬أكثر من إشارة حاملة للمستقبل،‮ ‬يُعبِّر عنها أحيانا بعض السياسيين عن وعي‮ ‬أو عن‮ ‬غير وعي‮ ‬بـ”الدولة المدنية القادمة‮”‬،‮ ‬ويتم فيها تعديل الشكل التنظيمي‮ ‬للمؤسسة الأمنية،‮ ‬كما‮ ‬يجري‮ ‬فيها الإعداد لسيناريوهات التحوّل الاقتصادي‮ ‬بشكل‮ ‬يتطابق مع خصائص المنظور الدولي‮ ‬للمنطقة،‮ ‬كما‮ ‬يجري‮ ‬ترتيب الخارطة السياسية بكيفية مختلفة عن المرحلة السابقة‮… ‬الخ‮.‬

وهي‮ ‬الإشارات التي‮ ‬تكاد تؤكد طبيعة التحول المنتظر في‮ ‬السلطة في‮ ‬بلادنا،‮ ‬تحول لا‮ ‬يتم خارج التوافقات الدولية،‮ ‬ويتجه إلا أن‮ ‬يكون سلميا رغم محاولة بعض الأطراف التهديد ببعض أشكال العنف،‮ ‬أو اللجوء إلى أساليب ضاغطة تستخدم الشارع أو الفئات العمالية المختلفة لتحصيل نقاط على حساب الأخرى‮… ‬وهو ما‮ ‬ينبغي‮ ‬أن‮ ‬يضطرنا ـ كمجتمع بتشكيلاته واتجاهاته المختلفة وبأجياله الثلاثة ـ لمعرفة ما‮ ‬ينبغي‮ ‬تجنبه والعمل به من خلال تكريس ثقافة التحوّل الحذر للسلطة بدل التحوّل المباغت أو السريع أو القائم على الانكسار الفجائي‮ ‬والحاد‮…‬

إن وضعنا الداخلي،‮ ‬والوضع الجيوسياسي‮ ‬الخارجي،‮ ‬والتوافق الدولي‮ ‬بشأن طبيعة التحول الذي‮ ‬سيحصل ببلادنا‮ ‬يضطرنا إلى ضرورة القيام بقراءة صحيحة لذلك قبل أي‮ ‬قرار،‮ ‬والقراءة الصحيحة تستلزم التصرف السليم بعيدا عن أي‮ ‬انزلاق من شأنه أن‮ ‬يربك معادلة الداخل ـ الخارج التوافقية لحد الآن‮.‬

ربّما توجد بعض القوى التي‮ ‬لا ترغب في‮ ‬أن‮ ‬يتم هذا التحول بسلاسة،‮ ‬ومن‮ ‬غير أي‮ ‬انكسارات مثيرة للقلق،‮ ‬لذا علينا نشر الوعي‮ ‬بضرورة تجاوزها وتجنبها،‮ ‬ليس فقط من قبل جيل الثورة الذي‮ ‬ازدادت مهمة نقله للسلطة صعوبة،‮ ‬أو الجيل الوسيط الذي‮ ‬لم‮ ‬يتمكن من بلورة القيادة القادرة على تمثيله التمثيل الصحيح،‮ ‬أو الجيل الثالث الذي‮ ‬قليلا ما استطعنا فهم توجهاته في‮ ‬ظل ما عَرَف من انقلابات عميقة على مستوى القيم والمبادئ،‮ ‬ناهيك عن التوجهات والخيارات السياسية التي‮ ‬يكاد‮ ‬ينفصل عنها‮… ‬اللهم أحفظ بلدنا من كل سوء‮. ‬

مقالات ذات صلة