-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

تشريعيات 2017: كيف ننظر لها.. وماذا ننتظر منها؟

تشريعيات 2017: كيف ننظر لها.. وماذا ننتظر منها؟
الأرشيف

ينبغي ألا نختزل الموقف في الانتخابات التشريعية المقبلة في سؤال المشاركة أو عدم المشاركة، علينا أن نُجيب عن سؤال أولي وأهم هو: كيف ينبغي أن تجري هذه الانتخابات؟ وهلسيكون برلمان 2017 استنساخا لما سبق من برلمانات أداءً ووظيفةً، أم سيكون بداية لانطلاقة سياسة جديدة لهذه المؤسسة الرمز لسلطة تشريعية أساس كل بناء ديمقراطي وعصري؟ وهل لدينا بديلا آخر للهيئة العليا لمراقبة الانتخابات لضمان نوعية جديدة من الرجال والنساء تُدير النظام السياسي وتُمكِّننا من الاختيار ليس بين الأسوأ والأسوأ منه إنما بين المفضول والأفضل منه؟

أمامنا خياران اليوم: إما أن نُعيد نَسخ البرلمان الحالي ومعه نعود إلى ذات الممارسات السابقة واللاحقة للعملية الانتخابية، أو نشرع في التأسيس لبرلمان حقيقي يكون بالفعل ركيزة أساسية في تعزيز أركان الدولة. الخيار الأول هو الأسهل على الإطلاق، يكفي الإبقاء على الآليات ذاتها التي تتحكم في العملية الانتخابية لنحصل على ذات النتائج: نفس الأغلبية ونفس الطريقة في التصويت والعمل، ونفس الدور المؤيد باستمرار للسلطة التنفيذية، ونفس العنوان الذي يبرر كل هذا: الحفاظ على الاستقرار ومنع البلاد من الدخول في متاهة التغييرات التي لم تترك بلدا من الجوار إلا وأحاطت به من كل جانب… أما الخيار الثاني فإنه الأصعب والأكثر إثارة للمخاوف، ولكنه في ذات الوقت الأكثر قدرة على تخطي عقبة الأساليب القديمة في ممارسة الحكم وتسيير الشأن العام والانتقال بالتدريج إلى أساليب جديدة من شأنها أن تؤسس لدولة قادرة على الاستمرار في ظل التقلبات الحاصلة في العالم على كافة الأصعدة.

بمعنى آخر أننا، في كل الحالات، في حاجة إلى برلمان، ومن خلاله لسلطة سياسية، نواجه من خلالها التقلبات والصعوبات في السنوات القادمة ولكن بطريقتين مختلفتين: الطريقة التقليدية التي استمر العمل بها خلال العهدات السابقة والقاضية بأن تتفرغ السلطة التنفيذية لتسيير شؤون البلاد مقابل دعم ثابت ومستمر للسلطتين التشريعية والقضائية لكل سياساتها ومواقفها مع هامش ضعيف للمناورة للحفاظ على الطابع الشكلي للفصل بين السلطات، أو طريقة أكثر تماشيا مع مشروع التأسيس لدولة عصرية، تقوم على تحمل البرلمان القادم لمسؤوليته التشريعية والرقابية كاملة وفق ما يقتضيه الدستور والمشاركة في إقامة فصل حقيقي بين السلطات يمنع أن تكون السلطة التنفيذية هي المتحكم الأوحد في مركز صناعة واتخاذ القرار.

ولكن، هل نحن أحرار في الاختيار بين الطريقتين؟ وهل يُعَد أمرا سهلا تطوير الأساليب القديمة التي إن لم تُثبِت قدرتها على تطوير النظام السياسي أثبتت قدرتها على الحفاظ عليه؟ وهل لا يُعد من المخاطرة اليوم اعتماد خيار القطيعة التامة مع ما سبق؟

في تقديري علينا أن نتعامل بحذر جديد مع مثل هذا الموضوع حتى لا نقع في المحظور، إذْ كما أننا في حاجة بحق إلى تغيير الممارسات والأساليب الخاطئة في عمل النظام السياسي نحن في حاجة إلى هذا النظام بمفهومه “نظاما” نقيضا “للفوضى”، وليس ممارسات سلطوية غير سليمة ومخالفة للقانون من خلال نوعية غير صالحة من الرجال والنساء على مستوى السلطات الثلاث وليس على مستوى التشريع فحسب.. هل مثل هذا الخيار ممكنا؟ وهل لدينا بحق فرصة لتغيير ممارسات النظام دون خيار القطيعة الكلية التي تطرحها بعض الأطراف؟

يبدو لي ذلك ممكنا لسببين على الأقل:

الأول: أننا نمتلك تاريخيا صورة لنظام سياسي وطني ما فتئنا نسعى باستمرار لتجسيدها في الواقع، تشكلت خلال ثورة التحرير وما فتئت مستمرة معنا نحلم بتحقيقها على الوجه الأكمل وإلى اليوم.

ثانيا: أن مشكلتنا في الجزائر لم تكن أبدا مع النظام السياسي الوطني الذي نحلم بأن يكون أداة الدولة الوطنية التي استرجعنا سيادتها بتضحيات جسام، إنما مع ممارسات سلطوية داخل هذا النظام السياسي لم تكن في مستوى تحقيق النموذج السياسي الذي ما فتئ يتطلع إليه الشعب الجزائري، وفي كثير من الأحيان مع “زُمَر” احتكرت السلطة ومَنعت التجديد بداخلها وعبّرت في أكثر من مرة عن خوفها من الخيارات الشعبية الحقيقية وأحيانا حتى على احتقارها للشعب.

وعليه فإنه إذا ما كان هناك من عمل كبير ينبغي أن نقوم به كمجتمع بجميع فئاته لأجل التوجه بالدولة نحو البناء  العصري وتطوير النظام السياسي بما يتلاءم مع هذه الدولة التي نتطلع إليها، فهو على مستوى اختيار الرجال والنساء الذين سيتولون مهام المرحلة القادمة، والتي ستقيم بالفعل الجمهورية الجزائرية كما تطلعت إلى تجسيدها كافة مواثيقنا الوطنية خلال قرابة قرن من النضال والكفاح الوطنيين.

وهنا تكمن أهمية الانتخابات القادمة سواء أكانت رئاسية أو تشريعية أو محلية، وعلينا أن نُحدِّد ضوابطها بكل وضوح إذا ما أردنا لمسار البناء ألا ينكسر وأن نتجاوز هذه المرحلة الحرجة من تاريخنا بسلام.

ـ أولا ينبغي أن نقوم بانتقاء حقيقي لنوعية الرجال والنساء الذين نقترحهم لتبوؤ مواقع المسؤولية من أعلاها إلى أدناها.

ـ ثانيا ينبغي تمكين الناس من الاختيار الحر والشفاف بين المفضول والأفضل منه وليس بين الأسوأ والأقل سوءًا، ذلك أن الأسوأ علما أو عملا أو سلوكا أو أخلاقا ينبغي أن يُستَبعد ومن غير أي تبرير أو تردد.

ـ ثالثا، ينبغي أن يبدأ ذلك من الأعلى إلى الأدنى، لنضمن مَن يُمكِّن مَن، مِن كل هذا؟ ذلك أنه إذا لم يتم تغيير الأعلى تفقد كلمة “ينبغي” أي معنى. مَن يضمن تحقيق مثل هذه الغايات؟

وعليه فإن الأحوط لبلادنا، أن تقرأ قراءة صحيحة المادة 194 من الدستور، وأن توكل مهمة رئاسة الهيئة العليا المستقلة لمراقبة الانتخابات(سواء أكانت رئاسية أو تشريعية)، لشخصية وطنية بالفعل تقوم بالسهر الحقيقي على تمكين الجزائريين من الاختيار بين المفضول والأفضل منه، وأن ترضى بموافقة تامة من جميع الشركاء السياسيين الذين يهمهم مستقبل البلاد، فضلا على أن يتم اختيار عناصرها فردا  فردا من غير محاباة ولا حسابات لتوجيه النتائج هذه الوجهة أو تلك. وفي هذا المجال ينبغي سد جميع الثغرات التي باتت واضحة في قانون الانتخابات وتصحيحها بما يخدم المصالح العليا للبلاد، وبعدها لتكن الانطلاقة الحقيقية نحو تصحيح الممارسات السلطوية والأخطاء في التسيير التي ارتكبت في حق أكثر من قطاع، كما يُمكن إعادة صوغ المشروع الوطني برمته ـ من خلال رؤية شاملة ومستقبلية ـ بما يكفل تحقيق تقدم حقيقي للبلاد، ويمنع من تكرار السيناريوهات السابقة التي كانت باستمرار هي أسهل البدائل التي يلجأ إليها المتحكمون في سلطة القرار لأجل تجاوز مراحل ضاغطة أو احتياطا للوقوع في بدائل غير مقبولة للبلاد.

هل سنستفيد من هذه الفرصة السانحة، ومن هذا الظرف التاريخي، ونقرأ قراءة صحيحة الواقع  السياسي والدستور القائم، ولا نكتفي بالحلول السهلة لهؤلاء أو الشروط المستحيلة لأولئك، والتي أثبتت دوما عدم نجاعتها؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
3
  • حسين

    سبحان الله.... بربك يا أستاذ هل عميت عن الشمس في رابعة النهار... لا يجب أن تخدع نفسك لقد تجاوزنا مرحلة التي أنت تتحدث عنها في هذا المقال.... مالكم كيف لا تبصرون

  • محمد

    الصراع على السلطة قد اندثر و تارشف في الدول المتقدمة..الكل يحلم بالمسؤولية في الاوطان دي الطابع الاجتماعي لانهم يوقنون بالعنصر البشري المؤهل علميا و ثقافيا و المقتدون بسابقيهم من السلف..ما يجب علينا كشعب و دولة هو تطوير منظور المواطن للمسؤول ما هي مميزاته ما يمكن ان يقدمه ما مشروعه و قبلها ما هي انجازاته..انتخاب ممثل له معايير بحيث لا يمكن ان يؤدي غيابه الى توقف عجلة الرقي.و هدا لا يحدث ابدا حتى يمر المنتخب على مستويات فكرية و منطقية لاتوجد الا في الدول المتقدمة..اول مستوى هو التخلي على حب الدات

  • الطيب

    يا أستاذ سليم جماهيرنا لم يكن لها الوقت ! و لم تتعود على مناقشة البرامج و لم تسأل عن مضامينها و لم تجد من تسأله و لم تُعرض عليها برامج أصلاً !! التي كانت تُعرض على الجماهير في الساحات و في وسائل الإعلام هي صور أشخاص !! انتخاباتنا ليست لها أي علاقة مع البحث عن الحلول لمشاكلنا التي نتخبط فيها ! الانتخابات عندنا هي وسيلة ينتظرها البعض منا على أحر من جمر ليصنع لنفسه مكانة مادية في المجتمع ! انتخابات 2017 مثلها مثل الانتخابات السابقة و لو بنسبة مشاركة أقل المهم هي ناجحة في النهاية و بتصفيقات حارة !!