.. تعرفوا غير تموتوا !
البرد يقتل مشرّدين ومحاصرين بالثلوج، والوديان تفيض وتقتل مارة ونزلاء الضفاف، و”القنطة” تقتل مناصرين بعد الإقصاء المذلّ للمنتخب الوطني، و”الحقرة” تقتل مواطنين في بلديات، والإقصاء من السكن يقتل مشطوبين بالخطأ، والتهميش يقتل إطارات هجرت ثم عادت لتدفن في أرض أجدادها، ونكران الجميل يقتل أناسا “دارو الخير وانساوه”.. !
فعلا، “الموت واحدة وتعددت الأسباب”، وفي خضمّ هذه الموتات”، يتذكر المتابع لمسلسل الموت، ما قاله “حسان طيرو” في رائعة “العفيون والعصا”، عندما قال مخاطبا أبناء بلده: “موتوا.. تعرفوا غير تموتوا”(..)، وكم كانت تلك الموتة بشرف وكرامة وعزة وأنفة وكبرياء، لأنها من أجل دحض مستعمر غاشم، لكن هل يُعقل أن يموت الآن جزائريون بالبرد أو الجوع؟
مسؤولون بوزارات وولايات ودوائر وبلديات، يتحملون ذنب هؤلاء الذين يقتلهم القنوط واليأس والفيضان والزلزال وغيرها من الكوارث، وإن كانت الموت قضاء وقدر، وحكمة الله على عباده، لكن تعددت “وسائل القتل” بسبب “البريكولاج” وسوء التسيير وتأجيل إبعاد الخطر أو الاستشراف به، إلاّ بعد حلول الكارثة ووقوع الفأس على الرأس !
لقد تحوّلت الاضطرابات الجوية الأخيرة، إلى “كارثة”، فقد سقط ضحايا في انجراف تربة وهيجان وديان وحصار ثلوج وحوادث مرور قاتلة، وهذا دون شك إرادة الله ومشيئته، لكن أليس ليد الإنسان نصيب في هكذا مصائب؟ ألا يتحمّل البعض مآسي البعض الآخر؟ إلى متى ولماذا يقتلنا التأجيل والتعطيل والقيل و”التبهديل” ؟
لو أدّت مصالح البلديات مهمتها كاملة، أو بشكل جزئي، على الأقلّ، لما أجبرت قوات الجيش والدرك والأمن على التدخل لانتشال العالقين وفتح الطرقات وإنقاذ المحاصرين في الجبال والمدن، وإن كانت هذه واحدة من المهام الإنسانية، إلاّ أن البلد في ظروف استثنائية تفرضها رهانات أمنية على الحدود، من المفروض أنها أهم وأخطر، لكن ككلّ مرّة “وليدات الشعب” في نجدة إخوانهم، بسبب تقاعس المتقاعسين وهذا أيضا مكتوب على الجبين !
لعلّ لسان المغبونين يردّد في كل ظرف طارئ: الحمد لله أن هناك “سلاك الحاصلين” في كلّ مرّة، وإلاّ لكانت حصيلة الكوارث أكبر في كلّ جرّة، وتضاعف عدد الضحايا، وتأجّلت الحلول إلى أجل غير مسمّى، والسبب هذا التسيّب والإهمال و”الجموفوتيست” الذي يزوّق عقول منتخبين ومسؤولين “مدنيين” يقتلوننا مرارا وتكرارا “ناقصين عمر” والعياذ بالله !