-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

“ثقافة القبور” في زمن “غزو الفضاء”

سلطان بركاني
  • 1528
  • 0
“ثقافة القبور” في زمن “غزو الفضاء”

تشهد السّاحة الإسلامية الجزائريّة في الأسابيع والأيام الأخيرة ما يشبه حالة الاستنفار بين بعض المنتسبين إلى الطرق الصوفية، للدفاع عمّا يمكن أن يصطلح عليه “ثقافة القبور”، وتسويغ كثير من الممارسات التي يتلبّس بها بعض العوامّ عند قبور الصّالحين، ممّا يصل في بعض الأحيان إلى حدّ الاستغاثة بأصحاب القبور، وطلب تفريج الكروب وشفاء الأسقام، ونجاح الأبناء وزواج البنات، ليس من الله مباشرة، إنّما من الموتى! بحجّة أنّ المستغاث بهم لهم وجاهة عند الله، تجعل طلب الحاجات منهم -مع اعتقاد أنّ الله هو من يملكها ويمنحها- أقرب إلى إجابة الدّعوات وتحقيق الأمنيات!

العجيب أنّ المنافحين عن هذه الممارسات، لا ينطلقون من آيات القرآن المستفيضة والمتضافرة التي تربّي المسلم على أن يتوجّه بدعائه إلى الله مباشرة، وتسقط من طريقه كلّ الوسائط والعلائق، ولا يعودون إلى المتواتر المشهور من سيرة النبيّ الأكرم -عليه الصّلاة والسّلام- وصحبه الذين تربّوا على ألا يسأل الواحد منهم النّاس شيئا ممّا هو في مقدورهم إلا للضّرورة، فضلا عن أن يسأل من مات وانشغل بنفسه في قبره!

المنافحون عن ثقافة القبور لا يجدون في آيات القرآن وأحاديث النبيّ العدنان ما يعضد توجّههم، لذلك يتمترسون خلف الردّ على الوهابية والحشوية والمجسّمة، لتسويغ تلك الممارسات التي تأباها العقول السّليمة المتحرّرة، كأنّهم بسلوكهم هذا يضاهون قول من قالوا من قبل: ﴿أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آَلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾!!! فكلّ من ينكر صنيعهم ويدعوهم إلى حقائق القرآن الرّاسخة، يتّهمونه بالوهابية، وينسبون إليه تحريم زيارة القبور، مع أنْ لا أحد من المسلمين حرّم زيارة القبور أو حرّم التوسّل إلى الله بحبّ الصّالحين، إنّما وقع النّكير على تبرير الاستغاثة بالمقبورين مع الله، وطلب الحاجات منهم مباشرة، ما يمثّل مخالفة صريحة لعشرات الآيات القرآنية التي تنكر أشدّ النّكير على أولئك الذين سوّل لهم الشّيطان توجيه الدّعاء إلى التماثيل، بحجّة أنّها تمثّل صالحين لهم مقام عال عند الله: قال تعالى: ﴿وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (النّحل: 19- 21)، وقال جلّ شأنه: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِين﴾ (الأحقاف: 5- 6)، وقال تقدّست أسماؤه: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ * إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِير﴾ (فاطر: 13- 14).
وقد أنكر الحقّ سبحانه صنيع أولئك الذين يبرّرون استغاثتهم بالصّالحين بأنّهم إنّما يتّخذونهم شفعاء ووسطاء بينهم وبين الله، فقال جلّ وعلا: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (يونس: 18)، وقال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ (الزّمر: 3).

لسنا في مقام تسوية المسلمين بالمشركين وعبّاد الأصنام، حاشا، إنّما الغرض التحذير من الأقوال والأعمال والأحوال التي تجعل المسلم يسيء الظنّ بربّه الكريم الذي فتح أبوابه لعباده، وقضى -سبحانه- أن يجيب من دعاه ويغضب ممّن غفل عن دعائه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (غافر: 60) ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (النّمل: 62).. يسيء العبد المسلم الظنّ بربّه القريب المجيب، ويظنّ به -جلّ وعلا- أنّه يحتاج إلى الوسطاء والشّفعاء، كما يفعل المستكبرون من خلقه!

صحيح أنّ بعض من يسمّون الوهابية غلوا في محاكمة عباد الله وإساءة الظنّ بهم في بعض الأحيان، لكنّ شنآنهم في بعض أحكامهم ينبغي ألا يجعلنا نسوّغ ما يسيء إلى ديننا، نكاية بالوهابيين.. القرآن الذي أسّست آياته لنفي الوسائط والعلائق والشّفعاء إلا ما أذن الله به، هو كتاب الأمّة الخالد، وليس كتاب الوهّابيين، وديننا بهاؤه يكمن في عقيدة التوحيد التي تميّزه عن كلّ الأديان المحرّفة والديانات المخترعة، وهذه العقيدة هي سرّ جاذبية الإسلام، تجذب العقول المتحرّرة التي ترفض الخضوع للمخلوقين والخنوع لهم، وتتطلّع للخضوع إلى خالق لا يخضع لقوانين هو من خلقها وأوجدها، يختلف في ذاته وصفاته عن ذوات وصفات مخلوقاته، لا يستغنون عنه وهو الغنيّ عنهم، يحبّ لهم أن يسألوه ويستغيثوا به ويرجوه ولا يملّ من دعائهم ولا يغلق بابه دونهم.. في بعض الكتب أنّ الله تبارك وتعالى يقول: “أيؤمِّل غيري في الشّدائد والشّدائد بيدي؟! ويُرجى غيري ويُقرع بالفكر باب غيري وبيدي مفاتيح الأبواب وهي مغلقة وبابي مفتوح لمن دعاني؟! فمن ذا الذي أمّلني لنوائبه فقطعته دونها؟! ومن ذا الذي رجاني لعظيمة فقطعت رجاءه منّي؟! جعلت آمال عبادي عندي محفوظة فلم يرضوا بحفظي، وملأت سماواتي ممّن لا يملّ من تسبيحي وأمرتهم أن لا يغلقوا الأبواب بيني وبين عبادي، فلم يثقوا بقولي، ألم يعلم من طرقَته نائبة من نوائبي أنّه لا يملك كشفها أحد غيري إلا مِن بعد إذني، فمالي أراه لاهيا عنّي، أعطيته بجودي ما لم يسألني ثم انتزعته عنه فلم يسألني ردّه وسأل غيري؛ أ فيراني أبدأ بالعطاء قبل المسألة ثم أُسأل فلا أجيب سائلي؟! أبخيل أنا فيبخّلني عبدي؟، أوليس الجود والكرم لي؟! أوليس العفو والرحمة بيدي؟! أوليس أنا محلّ الآمال؟! فمن يقطعها دوني؟ أفلا يخشى المؤمّلون أن يؤمّلوا غيري، فلوا أنّ أهل سماواتي وأهل أرضي أمّلوا جميعا ثمّ أعطيت كلّ واحد منهم مثل ما أمّل الجميع ما انتقص من ملكي مثل عضو ذرة، وكيف ينقص ملك أنا قيمه؟!، فيا بؤسا للقانطين من رحمتي، ويا بؤسا لمن عصاني ولم يراقبني”.
إنّنا في زمن بدأت تتسرّب فيه الأفكار المادية إلى عقول شبابنا، حتّى غدا بعضهم يتبرّم من بعض شعائر الدّين التي لا يعرف الحِكم الكامنة خلفها، فهل يصحّ أن نزيد الطّين بلّة ونفتح أمامهم أبوابا أخرى من الفتنة، ونسوّغ لهم تلك الممارسات المشينة التي تحصل عند قبور الأولياء والصّالحين؛ كالتمسّح بأعتابها والتّصريح بأنّ ساكنيها يهبون الأموال والأولاد ويشفون المرضى، ونسوّغ لهم ثقافة التشبّث بالتراب وبما تحته، في زمن غزو الفضاء؟!

إنّنا بذلك نقدّم خدمة مجانية جليلة لدعاة الإلحاد والعلمانية الذين يجعلون أكبر همّهم إثبات مخالفة الدّين للعقل والمنطق، وهذا ما جعل كثيرا من مراكز الأبحاث الغربية يوصي بدعم الطرق الصوفية والترويج لثقافة القبور، ليس حبا للتصوّف والأولياء الصّالحين، إنّما لصدّ شباب الأمّة عن دينهم، بإظهاره دينا للخرافات والتعلّق بالأموات! المتربّصون بهذا الدّين يعلمون أنّه متى ما انتشرت الخرافة انتشر الإلحاد بين الأجيال الجديدة من المسلمين، وزهد الغربيون في الإسلام، ولذلك حينما أنكر بعض النّاس على جمعية العلماء المسلمين الجزائريين أنّها تهتمّ بالحرب على الطرقية ولا تهتمّ بمواجهة الإلحاد، ردّ الإمام الإبراهيميّ قائلا: “إنّ لفشوّ الخرافات وأضاليل الطّرق بين الأمّة أثرا كبيرا في فشوّ الإلحاد بين أبنائها المتعلّمين تعلّما أوروباويا، الجاهلين بحقائق دينهم، لأنّهم يحملون من الصّغر فكرة أنّ هذه الأضاليل الطّرقية هي الدين، فإذا تقدّم بهم العلم والعقل لم يستسغها منهم علم ولا عقل، فأنكروها حقا وعدلا، وأنكروا معها الدين ظلما وجهلا، وهذه إحدى جنايات الطّرقية على الدّين، أرأيت أنّ القضاء على الطرقية قضاء على الإلحاد في بعض معانيه وحسم لبعض أسبابه”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!