حتى لا نغرق في الجزئيات…
ما يحدث هذه الأيام من غَرقٍ في وَحْل التفاصيل والجزئيات، سواء تعلقت بقطاع التربية أم بسياسات مالية واقتصادية واجتماعية، يؤكد مسألة جوهرية، أننا بالفعل نتحرك من غير رؤية ولا إطار عام للفعل السياسي والاقتصادي والثقافي.
كل ما في الأمر هو محاولات هنا وهناك لسد هذه الثغرة أو تصحيح هذا الخطإ أو التراجع عن هذه الخطوة أو تسوية هذا الجزء من الطريق. كل ما هنالك هو أعمال متفرقة هنا وهنالك، تنم عن تفكك في النظرة الكلية وعن غياب مَن يُمكِن أن نُسمِّيهم بقادة المشروع الوطني القادرين على السير به قدما إلى الأمام… وهذا أمر خطير على مستقبل البلاد وعلى إمكانية اعتمادها سياسة وطنية متجانسة تُمكِّنها من تحقيق التقدم. لقد بدا وكأننا نتقهقر إلى الوراء، إلى عقود خَلَت حيث الانقسام الحاد بين فئات المجتمع، هذا يُصنِّف ذاك في خانة العمالة، وذاك يُصنِّف هذا في خانة الظلامية، ولا أحد منهما يتمكن من تحديد آفاق المستقبل المشترك وأساليب العمل لبلوغها. الجميع ينحدر إلى أضيق نقطة أمامه ويريد أن يقيم معركة ضمن حدودها الضيقة والضيقة جدا، ناسيا كل النسيان أنها معركة خاسرة بكل المقاييس…
لعل ما يحدث اليوم من نزاع حول التفاصيل يؤكد أننا قاب قوسين من أن يدخل الشيطان بيننا وعلينا أن ننتبه، علينا أن نَمنَع أنفسنا من أن نُصبح أسرى الجزئيات وننسى الكليات، والأساسيات والواقع الكبير الذي نعيشه جميعا. علينا أن نُسارع إلى جعل الكليات والمسائل الجوهرية تحتل المكانة اللائقة في عقولنا وقلوبنا. ما الذي نريده ببلدنا، وكيف ينبغي أن نأخذ بها إلى بر الأمان، وكيف علينا أن نَمنَع وقوعها في التشتت من خلال هيمنة الجزئيات على الكليات؟
والبداية ينبغي أن تكون بالبحث عن الرجال والنساء الذين يُحقِّقون الإجماع بيننا بدل أولئك الذين أصبحوا مصدر فتنة وتفرقة بين أبناء البيت الواحد، ومن خلالهم علينا طرح السياسات الجامعة لا المفرقة بيننا في أي قطاع من القطاعات… ولعلني لا أحتاج إلى تسمية هؤلاء بقدر ما أحتاج إلى التذكير بضرورة استبدالهم بالأكفإ والأصلح والأقدر على الجمع بين الناس.
ذلك أننا لا يمكن أن ننجو من حالة الاحتقان التي نكاد نضع فيها كل الناس، هذا خوفا على أبنائه، وذاك على المدرسة التي يدرسون بها، والآخر على مسكنه، ورابع على عمله، وخامس على صحته، وسادس على حقوقه التي لم يستعدها، إلا من خلال العودة مرة أخرى إلى مبدإ افتقدناه عنوانه جماعية التفكير وجماعية العمل… وحده هو صانع الأمل..