-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

حتى لا نَتنابز كالصّغار

حتى لا نَتنابز كالصّغار

على خلاف ما ينبغي أن يكون، يبدو بالفعل أن النقاش السّياسي في البلاد نَزل إلى التفاصيل ونَسي أمَّهات القضايا التي ينبغي أن تُطرح اليوم والبلاد بحق بحاجة إليها، والتفاصيل كما يقول المثل هي مدخل الشيطان، وسبب الفرقة، والطريق الأقرب إلى تعميق الجراح ومنع الجسد الوطني من أن يتعافى والروح الوطنية من أن تعود إلى دفة القيادة.

بدل أن يتركَّز النقاش حول غياب مشروع وطني يُمكِّن بلادنا من أن تَحتل مكانة لها بين الأمم الصاعدة، أو على الأقل تستعيد مكانتها الرائدة كما كانت قبل 40 سنة خلت تقود حركات التحرّر وتدافع عن نظام اقتصادي دولي جديد، وتتزعم حركة عدم الانحياز… وبدل أن نُفكر في الشروع في القيام بإنجازات كبرى كإقامة عاصمة جديدة للبلاد في قلب الصحراء، أو مدن كبرى في الهضاب العليا والمناطق غير الآهلة بالسكان تحلّ مشكلة السكن نهائيا، بدل أن نُقيم شبكة صناعية حقيقية تمتص البطالة، أو نُحيي مشاريع القطارات السريعة كسابقة في شمال إفريقيا تقضي على أزمة المرور، أو ننجز مفاعلات نووية جديدة لتوليد الكهرباء… بدل أن نسير باتجاه التفكير الكبير والعملاق الذي نحن أهلٌ له، ونصوغ رؤية مستقبلية للبلاد في جميع المجالات…

بدل كل هذا وغيره مما ينبغي أن يكون، ينزل بنا النقاش إلى البحث في خصوصيات الأفراد وأحيانا تلك التي لها صلة بعوراتهم التي سترها الله، أو عللهم التي يطهرهم بها قبل الموت، ونُفرغ خطابنا السياسي من أية عبارات ذات أبعاد وطنية حقيقية، ناهيك عن الرؤية البعيدة المدى أو المشروع الاستراتيجي، ونملؤه بمزيد من التنابز بالألقاب، والتلاعب بالكلمات والمواقف والأوصاف النابية التي يكيلها هذا ضدّ هذا، والأحياء ضد الأموات، ويُصبح الصراع ليس حول مشاريع البناء أو مواجهة التحديات الداخلية أو الخارجية الكبرى، إنما حول من يُضيف هذا الاسم أو ذاك إلى قائمة الذين سيَتَعرَّضون إلى الشتم أو التجريح اليوم قبل الغد، ويُصبح شغلنا الشاغل هو مَن نَصِفه بـ”الشخصية الوطنية” ومن نصفه بـ”النكرة”، وما الذي دفع بهذا أو بتلك إلى الانقلاب على من كان صاحب الفضل عليه بلا حياء ولا خجل، ونصل في آخر المطاف، نتيجة سيادة هذا المنطق، إلى أن نجد أنفسنا جميعا، من ساهم ومن لم يساهم، نَتَّجِه نحو هُوَّة سحيقة من الاهتمام بالتفاصيل ما لها من قرار، بدل أن نندفع نحو الأعلى بطرح بدائل كبرى، تعيد الأمل للناس، حتى وإن كان فيها اختلاف، يكون اختلافا بين الكبار، لا تنابزا بالألقاب بين الصغار.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • بدون اسم

    نحن أمة تعيش خارج التاريخ فلم تعد يشغلها غير الثرثرة و التنابز بالألقاب؟؟؟

  • الطيب

    الجزائر ستبقى تراوح مكانها بهذه الوجوه ! لا السلطة سلطة و لا المعارضة معارضة ! لا أثر للسياسة الراقية و لا للاقتصاد و لا للفكر و الثقافة و لا أثر لنقد من رجال لرجال أمثالهم و بمستوى عال ....كل ما نصبح و نمسي عليه هو جماعات غارقة في شتم و سب و كشف عورات بعضها البعض !! هذا المؤشر لوحده يؤكد جهلهم لمعنى المسؤولية ! و السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو : هل الجزائر فيها هؤلاء فقط !؟ أم أنها عقيمة أم ماذا !؟ هناك خلل ما حتى في المصلحين ذاتهم !