حتى لا يَهزم “فيسبوك” مدرستنا
لعل أَهمَّ درسٍ نستخلصه للمستقبل من ظاهرة الغش أثناء الامتحانات والتسريبات المتكررة للأسئلة عبر وسائل الاتصال الجديدة، هو أنه ينبغي لنا، ليس فقط تغيير مُحتوى برامجنا التعليمية في المستقبل، إنما طريقة الامتحانات ذاتها بما في ذلك طبيعة الأسئلة، إذا أردنا أن نستبق المخاطر الكبيرة التي يمكن أن تنجرّ عن مثل هذه الظاهرة، إنْ على مستوى فرز المتفوِّقين عن غيرهم، أو عدم ظلم المواهب التي ترفض العمل بالأساليب غير المشروعة المطروحة أمامها، علينا القيام بعمل كبير حتى لا يهزم “فيسبوك” مدرستنا.
علينا أن نُتابع تجارب الأمم في هذا الجانب، وأن ننطلق من خصائص مجتمعاتنا لنجد حلا في المستقبل لمثل هذه المشكلة التي لها انعكاسات على واقعنا أكبر مما نتصور، لا توجد أمة من الأمم هي اليوم بمنأى عن ظاهرة تأثير التكنولوجيات الجديدة للإعلام والاتصال (TIC) على التعليم، والامتحانات جزء منه، سواء من حيث الغاية منها (الاختيار بين الأفضل) أو الغش فيها، من الصين إلى اليابان إلى أمريكا إلى أوروبا، كل بلاد العالم تعرف هذه المشكلة، وتعمل على مواجهتها، ولعلَّ الخلاصة التي أجمعت عليها هذه البلدان، أنه ينبغي إعادة النظر في طبيعة التكوين وطبيعة التقييم وبدائل التعامل مع التكنولوجيا، للتعرُّف على المتفوقين والتمييز بين الأفضل فالأفضل، سواء للالتحاق بالجامعات أو تَحَمُّل المسؤوليات.
آخر التجارب في هذا الميدان من الدانمارك التي وصلت إلى حد السَّماح باستخدام الأنترنت أثناء الامتحانات، لكن ذلك لم يتم إلا بعد أن تم الفصل في طبيعة الأسئلة، لقد تم وضع حد نهائي للأسئلة المطروحة بالشكل التقليدي الذي نعرفه جميعا، وتمّ التحول إلى نوع من الأسئلة تتعلق بالقدرة على الاستنتاج والاستخلاص، مما هو متوفر في الشبكة من معلومات، لم يعد السؤال يتعلق بتعريفات، أو تحديد معنى مصطلحات، أو مواقع بلدان، أو سرد قوانين معيّنة، أو استظهارٍ وحفظ، إنما أصبح يتعلق بكيفية استخلاص العبرة من تعريفات متوفرة ومن قوانين معلومة وتواريخ وخرائط منشورة، باختصار لقد تمّ تكييف التعليم والأسئلة المتعلقة به مع التطوّرات التكنولوجية الحاصلة للوصول إلى أسلوب ناجع للتمييز بين التلاميذ والطلبة، ولم يتوجّه الاختيار نحو محاولة مواجهة هذا التطوّر بأسئلة وأساليب أصبحت من الماضي.
أما الصين التي يتقدم بها أكثر من 10 ملايين تلميذ لشهادة gaokao للالتحاق بالجامعة (ما يماثل البكالوريا عندنا)، فإنها واجهت ظاهرة الغش تكنولوجياً عند مدخل كل قاعة بكاشفات الكترونية للمعادن تمنع إدخال أيّ شيء، وقامت بمراقبة الكترونية صارمة للأسئلة حتى لا تتسرّب، من خلال وسائل ملائمة للاكتشاف الفوري لهوية أيّ حاسوب يقتحم هذا الميدان، ثم التعرف المباشر على صاحبه، في اللحظة ذاتها لردعه أو إلقاء القبض عليه، مما منع المغامرة في هذا المجال أو على الأقل قلّل منها إلى حد كبير.
ومقاربة اليابانيين هي الأخرى تكنولوجية ومعرفية، تتمثل من جهة في وسائل التشويش المتطوِّرة، وفي التعرف على أي تسريب في حينه، ومعاقبة من يقوم بذلك عقوبات شديدة تصل إلى السجن ثلاثة سنوات فضلا عن الغرامات المالية. وتتمثل من جهة أخرى، في حرص الجامعات على انتقاء معرفي صارم لطلبتها من خلال أساليب أخرى للرقابة والتقييم، ما أدى إلى وجود عدالة بين التلاميذ للالتحاق بالجامعات الأهم فالأهم لا تقوم فقط على الحساب الآلي للمعدلات كما هو الشأن عندنا؛ إذ ليس من المقبول في الثقافة اليابانية الشعبية والحكومية أن يصل إلى الجامعات المتميِّزة من ليس أهلاً لها، فضلا عن كون هذه الأخيرة من خلال صرامتها ستلفظ كل من وصلها بطريقةٍ غير صحيحة ويكون مصيره الفشل والإقصاء بعد حين.
وقس على هذه التجارب الثلاث أكثر من تجربة في العالم، جميعها تطرح مسألة علاقة التكنولوجيا المتقدِّمة بمحتوى التعليم وطُرق التدريس والامتحان واختيار الأفضل فالأفضل، لا توجد تجربة في العالم اليوم أصبحت لا تبحث في كيفية تطوير محتويات برامجها مع التطور الحاصل على الصعيد التكنولوجي، فضلا عن تطوير أساليب عملها بما في ذلك الاختبارات، ذلك أن أيّ تجربة تعجز أمام هذا التكيّف، تعجز أمام المستقبل، ويكون مآلها الفشل والانهيار.
ولعل هذا ما يجعلنا نطرح اليوم، ضرورة التفكير في مستقبل تجربتنا على هذين الصعيدين: صعيد التعامل مع الوسائل التكنولوجية كالحواسيب والهواتف النقالة وما ارتبط بها من شبكات، وصعيد محتوى البرامج والأسئلة، الذي ينبغي أن يتكيّف مع هذه التطورات، إذ لا يُعقل أن نستمر في طرح الأسئلة بطريقة متخلفة عن تلك التي كُنَّا نَطرحها بها منذ 50 سنة خلت، وأحيانا بسذاجة كبيرة تُغري على الغش والنقل ولا تُراعي القدرة على استخدام التكنولوجيا الجديدة للإجابة سريعا عليها ونقلها للآخرين.
إننا لا يمكن أن نُبقِي على الأسئلة المباشرة التي يمكن أن يحصل بها التلميذ على العلامة الكاملة وتؤدي إلى ارتفاع المعدلات إلى ما يقارب العشرين على عشرين، في حين أن أصحابها لا يستطيعون القيام باستخلاص علاقات من معلومات تُعطى لهم في النص وصوغها صياغة جيِّدة!
مسألة القدرة على التحليل والاستخلاص ينبغي أن تُصبح جوهر التعليم لدينا، وتُلغَى تدريجياً المنهجية الحالية القائمة على الحفظ الببّغائي والحشو الذي لا طائل من ورائه؛ إذ لا يعقل أن نعُطي علامة عالية للتلميذ من خلال أسئلة مباشرة حَفِظها أو تسرّبت إليه ونحن نراه لا يستطيع كتابة خلاصةٍ بطريقة جيدة أو تحليلٍ متماسك بلا أخطاء في الورقة ذاتها!
وإذا كان هذا ينطبق على المواد الأدبية، فإن المواد العلمية هي الأخرى تحتاج إلى مراجعة، من حيث صوغ الأسئلة وطبيعة هذه الأسئلة، وطولها، والكمّ الكبير من المعلومات التي يُطلَب من التلميذ سردُها على الورقة، على حساب الخلاصات التي يمكنه أن يخرج بها، والفوائد التي تَعلَّمها، ومدى إدراكه لطبيعة الإجابة ذاتها التي قدَّمها وما الذي يمكن أن نستفيد منها!؟
وبطبيعة الحال، فإننا لكي نصل إلى إعادة النظر في طبيعة الأسئلة، علينا أن نُعيد النظر في نوعية التعليم المُقدَّم، والمنهجية المُقدَّم بها والكَمّ الهائل من المعلومات التي يُطلب من التلميذ استيعابُها حتى من غير فهم أو تطبيق؛ أي أن “الإصلاحات” التي يتم الحديثُ عنها ينبغي أن لا تمس شكل التعليم، إنما جوهره المتعلق بكيفية تشكيل عقول التلاميذ، لا كيفية ملئها بالمعلومات.
التجربة الدانمركية بفتح الأنترنت للتلاميذ إنما حَمَلت رسالة تقول إن المشكلة اليوم ليست في المعلومات، إنما في استخلاص النتائج منها، وكيفية الخروج بتطبيقات على الواقع من خلالها. الشبكة العنكبوتية بها ملايير المعلومات التي تتدفق كل ثانية إلى جانب المعلومات الهائلة السابقة، وليس مطلوبا منا أن نملأ بها رؤوس تلامذتنا ـمع استحالة ذلك ـ إنما أن نُعلّمهم كيف ينتقون منها الأفضل فالأفضل، وكيف يستخدمونها، وفي أي مجال من المجالات…
لقد أصبحنا في حاجة إلى إفراغ جزءٍ كبير من ذاكرة أبنائنا من الحشو الزائد، لكي نتمكّن من انتقاء ما نضعه بها انتقاءً محسوباً، حتى نُمكِّن ذكاءهم من الإبداع والابتكار.
أما بهذه الطريقة التي تَبقى بعيدة عن إيجاد نقطة التوازن بين التطوُّر الحاصل في الجانب التكنولوجي ومحتوى البرامج وكيفية التقييم، فإننا سنبقى نَعرف تعليما أعرجَ، يسهل كسرُه من خلال تسريبةٍ في الفيسبوك أو تغريدة في تويتر… والنتيجة من كل ذلك أننا لن نتمكن من التعرُّف على كفاءة أبنائنا وتوجيههم الوجهة السليمة، سنُغَالِط أنفسنا بمعدَّلات لا تعكس حقيقة مستوى التلاميذ، ونُغالطهم هم أيضا، وسَنملأ تخصصات بمن هم ليسوا أهلا لها، أي لن نَضع الكل في المكان الملائم له والذي يستحقه، وبذلك نهدر إمكانياتٍ ومجهودات كبيرة ونَمنع المجتمع من أن يكون منسجماً مع نفسه، ومِن أن يتطور. وهذا ما ينبغي أن يتغير.