حَراك الجزائر المبارك.. إلى أين يسير؟
“يا محمد مبروك عليك.. الجزائر رجعت ليك”.. مقطعٌ معبِّر لأغنية وطنية جميلة كثر ترديدُها بعد استعادة بلدنا العزيز الجزائر لاستقلالها الوطني سنة 1962 الذي عبثت به فرنسا طيلة قرن وثلث قرن من الزمان، لا يدانيه أو يعادله سوى ذلك المقطع الآخر لأغنية لا تقلّ عنها جمالا يقول فيه صاحبه ( الحمد لله ما بقاش استعمار في بلادنا…).
أستفتح مقالي بهذه الكلمات التي تعبِّر بصدق عن الروح المعنوية للغالبية الغالبة من الجزائريين الذين استرجعوا ثقتهم في وطنهم الذي كان على شفا حفرة سحيقة أعدَّتها وهيَّأتها له مخابرُ الدول الاستعمارية التي ساءها خروجه الآمن، ونجاته من تلك الألغام.
سُئل دوغول: لماذا تركتَ الجزائر؟ فردّ: “تركت فيها من هم أشد حبا لفرنسا من أبنائها”.. تصريحٌ يدل على الجهود الكبيرة التي بذلها مستعمر الأمس لمسخ شخصية بعض الجزائريين، حتى صارت مصالح فرنسا أسبق على مصالح بلدهم.. بل إن بعضهم لا يجدون حرجا في الاعتزاز بجنسياتهم الفرنسية التي يسبِّقونها على جنسياتهم الجزائرية الأصلية.
لعل الكثير من هؤلاء المشار إليهم يقيمون فوق تراب ضفتي المتوسط الذي لا يزال في نظر دهاقنة الاستعمار الحديث بحيرة فاصلة بين فرنسا وفردوسهم المفقود: جزائر الثورة.
لا يمكننا تناول حقيقة ما يجري في بلدنا من دون الإشارة إلى هذه النقطة بالذات التي تفسر بعض الغموض الذي يكتنف الحالة الجزائرية.. كما لا يمكننا أيضا إغفال حال ملايين الجزائريين الذين يعتزُّون ببلدهم أشد الاعتزاز، من أجل ذلك وحده خرجوا يوم 12/12/2019 وصحّحوا التاريخ..
الغوغائية والنسيان مرضان قاتلان.. من يمكنه نسيان الزمن القريب الذي كان فيه الجزائريون عبيدا في وطنهم؟ كل الأمراض المادية والمعنوية كانت مسلطة عليهم من طرف مستعمرهم بمباركة المستعمرين الآخرين. فهل يمكن لجزائري واحد أن يثق في الكلام المعسول الذي يبثه في روعه هذا المستعمرُ من جديد؟ كلا.. بلادي وإن جارت عليّ عزيزة، ولا يمكن مقارنتها بفرنسا أبدا.
لذلك قال رائد نهضتنا الإمام عبد الحميد بن باديس العربي الصنهاجي: “لو طلبت مني فرنسا أن أقول لا إله الله ما قلتها”. وكذلك يفعل كل جزائري..
غير أن بعض من زين لهم شيطانهم محبة عدوهم أفسدوا في البلاد، ونهبوا خيراتها، وأفقروا ساكنتها، ودفعوهم دفعا إلى اللحاق بأرض عدوهم، فرارا من طغيانهم، حتى أصبح بعض شباب الجزائر المغرر بهم يفضلون أن يكونوا وجبة للحوت بدل أن يعيشوا عالة تحت سلطان مستعمريهم الجدد.
لكن دوام الحال من المحال، فقد سخر الله للجزائر من يعيد لها كرامتها، فانطلق الحراك المبارك الذي اكتسح كل المدن والولايات الجزائرية. ظل متواصلا لا يقدر على كسره أو اختراقه عابث، بسلميته التي شهد لها العالم أجمع.. ورغم عمل المخابر الاستعمارية التي تبذل وما تزال جهدها الحثيث لإخراجه عن سلميته أعجزها، وسيُعجزها الحراك المبارك عن تحقيق مبتغاها، تماما مثلما أعجزت ثورة نوفمبر 1954 كل مخططات المستعمرين، واسترجعت الجزائر استقلالها.
لا يمكن لملاحظٍ أن يغفل الدور الحاسم الذي قام به الجيش الوطني الشعبي في مرافقة الحراك، ومنع اختراقه بما أوتي من وسائل مشروعة، رغم دعوات التشكيك المُعَدَّة في المخابر الأجنبية، التي ساءها عدمُ سقوط قطرة دم واحدة في حَراك الجزائر.
ظل الحراك المبارك يطالب بإسقاط العهدة الخامسة، فكان له ذلك..
ولما صار فراعنة الحقبة السالفة الذين يوالون فرنسا جهارا نهارا ـ إلى درجة أن بعضهم لا يجد حرجا في قضاء فترة شهر رمضان المبارك مقيمين في مساكنهم هناك ـ يُقدَّمون للمحاكمة العادلة، راح بعضُهم يشكك في تلك المحاكمات بعدما كان ينكر تلك الحالات في الأصل.
بعد استمرار الحراك طيلة العشرة أشهر الماضية، وبعدما حقق معظم ما رسمه من أهداف، وهو في طريقه إلى تحقيق ما بقي منها، ألا وهو بناء دولة جزائرية ديموقراطية اجتماعية في ظل المبادئ الإسلامية، ولا يكون ذلك سوى بالانهماك في العمل الجاد فعلا، ورص صفوف الشعب بمرافقة المؤسسات الشرعية، وعلى رأسها الجيش الوطني الشعبي، بدأت تبرز في الأفق الأبعد ظواهر ما كان لها أن تظهر لو استمرّ الحراك المبارك في متناول الأيدي الأمينة التي سطرته ابتداء.. ظهرت وسط هذا الحراك المبارك مجموعة الأقليات الساحقة التي بذلت وسعها في تحريفه عن مهامه الأصلية. وبعدما ظن الحراكيون الأصليون أنهم قاب قوسين من تحقيق معظم مطالبهم، شُبِّهت عليهم الأمور، وأوهمتهم ألا شيء تحقق من تلك المطالب، واستنسخت لهم مطالب تعجيزية جديدة لا عهد لهم بها.
في الوقت الذي أصبحت بعض تلك الأقليات الساحقة تصارع على قيادة الحراك، غادر جزءٌ معتبر من الحراكيين حراكهم المبارك، وهم يتطلعون من بعيد إلى مخرجات الصراع على قيادته بين الأقلية الساحقة التي ترفض كل شيء تحقق، وتسميه بغير مسمياته، وغالبية الحراك المبارك الذي لا يبلغ ذروته سوى بعد انتهاء صلاة الجمعة ولحاق المصلين المتوضئين به.
بذلت السلطة الوطنية الحرة للانتخابات التي هي إحدى ثمرات الحراك المبارك وسعها لإجراء انتخابات حرة، شفافة وذات مصداقية كبيرة، بدليل أن رعاة الأقلية الساحقة من مدعميها الاستعماريين لم يجرؤوا على توجيه مجرد برقية للرئيس المنتخب، في حين كانت تلك التحية مهيأة سلفا لرئيس العهدة الخامسة لو قدر له التمكن وتحقيق العصابة مبتغاها..
وخرجت الأغلبية الصامتة من أفراد الشعب الجزائري لتقول كلمتها الفصل في عدم ترك الفرصة لدعاة الأقلية الساحقة للتصرف بحرِّية في تحويل جزائر الثورة الوجهة التي تريدها، وهي وجهة مستعمِر الأمس الذي بقيت انتخابات 12/12 غُصَّة في حلقه، لم يستطع كتمها.
عندما سأل أحد المعتدى عليهم في فرنسا لمنعه من الانتخاب من يكونون؟ أجابوه بعفوية: نحن جزائريو فرنسا.. هؤلاء الذين أجاز بعضهم لنفسه إهانة علم الجزائر وسبّ حرة من حرائر هذا الوطن المفدى بقولهم لها: (أيتها العربية الوسخة)!
الآن بان الصبح، ولاحت أنواره البهية كبهاء جو الجزائر الذي قل ما يدانيه جو آخر.. أصبح للجزائر رئيسٌ شرعي، يدعو إلى الحوار والمصالحة، ويصرُّ على أن يعود الحراك المبارك إلى مرحلته الأولى، لكن بمهام جديدة هي مرافقة هذا الرئيس في وضع الأسس السليمة والصحيحة لبناء جزائر جديدة لا تتنكر لتاريخها المضيء، ومساهمة أفراده جميعا في هذه المهمة النبيلة التي يكون من مخرجاتها مواصلة الضغط السلمي لمحاسبة المفسدين، وما أكثرهم في بلادنا ممن يتخذون الحراك المبارك مطية لتحقيق أهدافهم الدنيئة.
إن أرض الجزائر المسقية بدم الشهداء الذي أساله أعداؤها الذين أزعجهم كثيرا موقف جيشها الشعبي الوطني بحرصه على عدم إسالة قطرة دم واحدة منه، ستعرف كيف تخرج من هذا المأزق الذي دبره لها أعداؤها. وبعدما طهَّر جيشنا صفوفه من دفعات (لاكوست) التي أسالت دماء الجزائريين أنهارا بالأمس القريب، لن يعدم الرئيس المنتخَب البطانة الصالحة لكي نشرع في بناء الجزائر الجديدة على أسس متينة أساسها تطهير صفوف مؤسسات الدولة من بقايا العصابة التي عاثت فسادا في أرض جزائر الشهداء.
ولبلوغ هذا الهدف النبيل، فلتذهب قيم العصابة المبتذلة في الجهوية، والعرقية، والمحسوبية كلها إلى فضاء مهملات التاريخ.
وليرجع الحراك كما كان دوما: جميلا، سلميا، خاليا من الألفاظ السوقية التي تمنع العائلات من المشاركة فيه.
وهو ما ننتظره، ونتوقعه في الجمعات القادمة.. ولتزل كافة مسببات عرقلة التنمية الوطنية التي انطلقت فعلا بانتخاب رئيس الجمهورية. ولينادي الجميع بحياة جزائر الثورة التي يتسع صدرُها للعفو، كما يتسع للجزاء.
وإن غدا لناظره لقريب..