الرأي

خبايا إجتماع الإليزي… ماذا أُخفي من اللقاء؟!

في صباح الجمعة الثامن عشر من سبتمبر 2026، اجتمع الرئيس إيمانويل ماكرون في قصر الإليزي مع قادة الأحزاب السياسية في لقاء وُصف بأنه “إطلاع وطني استثنائي”. استمر اللقاء أكثر من ثلاث ساعات، وحضره إلى جانب رؤساء الكتل الحزبية رؤساء الأجهزة الاستخبارية والعسكرية ومدير الطاقة. وبعد انتهائه، تحدث ماكرون أمام الصحفيين بلهجة جادة، محذراً من “تصعيد غير مسبوق” في التهديدات الأمنية، ومؤكداً استمرار دعم فرنسا لأوكرانيا، وداعياً مجموعة السبع لاجتماع استثنائي لمعالجة أزمة الطاقة العالمية.
لكن كل من استمع إلى الكلمات الرسمية شعر بوجود فجوة بين ما قيل وما كان يجري فعلياً خلف الأبواب المغلقة. فالاجتماع لم يُدعَ إليه لمجرد إطلاع القادة على تطورات دولية، ولم يكن مجرد محاولة لتوحيد الصفوف قبل انتخابات الرئاسة عام 2027. لقد كان هذا اللقاء محطة فاصلة في مسار الأزمة الفرنسية الكبيرة، حيث التقى الخطر الخارجي بالعجز الداخلي، وتداخلت الأسباب المباشرة الطارئة مع أزمات هيكلية تُراكمت لعقود. في هذه المقالة نكشف طبقات الحدث: ما أُعلن، وما سُرب، وما لا يزال محظوراً على الرأي العام معرفته.

1- الأسباب المباشرة — حين تنفد الخيارات وتضيق السبل
لم يحدث هذا الاجتماع في توقيت اعتباطي. ففي الأسابيع التي سبقته، تدهور الوضع على جميع الجبهات بشكل متزامن وسريع، حتى وصلت المؤشرات إلى ما وصفه المشاركون بأنها “مناطق الإنذار الأحمر”.

أولاً: انهيار الإمداد الطاقوي من الشرق الأوسط.

منذ بداية تصعيد التوترات في الخليج وإغلاق مضيق هرمز، توقفت تدفقات النفط والغاز التي تمر عبره، ومعها تعطلت المسارات البديلة في البحر الأحمر نتيجة الهجمات المتكررة. لم يكن هذا مجرد ارتفاع عابر في الأسعار؛ بل تغيرت قواعد اللعبة بالكامل: السفن التي كانت تصل في غضون أسبوعين باتت تحتاج إلى عبور رأس الرجاء الصالح، مما أضاف ما بين 15 إلى 20 يوماً إلى مد الرحلة، ومضاعفة تكلفة الشحن والتأمين. وفي حين يُعلن أن لدى فرنسا مخزوناً استراتيجياً يكفي لمدة 90 يوماً وفقاً لقواعد الاتحاد الأوروبي، فإن هذا الرقم يخفي حقيقة مرعبة: مخزون الديزل تحديداً — وهو وقود النقل والصناعة والزراعة — انخفض في بعض المناطق إلى ما دون مستوى الثلاثين يوماً، ولا توجد شحنات كافية قادمة لتعويضه قبل نهاية أكتوبر المقبل.

ثانياً: تزايد التهديدات الأمنية الهجينة.

في الإحاطة السرية التي قدمها رؤساء المخابرات، تم عرض سلسلة من الحوادث المنسوبة لجهات روسية: محاولة استهداف منشآت حيوية، هجمات سيبرانية استهدفت شبكات الكهرباء والاتصالات، وتعرض طائرات مدنية لعمليات تتبع واقتراب خطيرة في المجال الجوي الأوروبي. ولم يكن أخطر ما قيل هو وقوع الهجمات فحسب، بل التحذير من أنها لم تكن سوى “المرحلة الأولى”، وأن وتيرتها ستتصاعد مع اقتراب الانتخابات الفرنسية.

ثالثاً: الاحتجاجات التي بدأت تطل برأسها من جديد.

قبل أيام من الاجتماع، نزل الصيادون وسائقو الشاحنات إلى الطرق، وفرضوا حصاراً على مستودعات الوقود في مناطق متعددة. ولم يكن هذا مجرد تذكير بعودة “السترات الصفراء”؛ بل كان إنذاراً مبكراً بأن القدرة الشرائية وصلت إلى حد لا يُطاق، وأن أي ارتفاع إضافي في أسعار المحروقات قد يفجر الشارع من جديد. وفي استطلاعات الرأي التي نُشرت عشية الاجتماع، تصدرت مارين لوبن من اليمين المتطرف بنسبة تتراوح بين 33 و36 في المائة، متقدمة بفارق مريح على جميع منافسيها.

رابعاً: العجز عن اتخاذ قرارات حاسمة بمفرده.

في الأشهر الأخيرة، حاول ماكرون معالجة الأزمة بقرارات متدرجة: خطابات تطمينية، وعد بدراسة دعم الفئات الهشة، رفض خفض الضريبة على الوقود خشية انهيار التوازن المالي. لكن هذه الإجراءات بدت عاجزة عن إيقاف التدهور. وأدرك ماكرون أنه إذا استمر الوضع على هذا النحو دون توافق وطني واسع، فإن العب سيقع كاملاً على عاتقه وحده — وعلى الحزب الحاكم — قبل أشهر قليلة من الانتخابات.
فهذا الاجتماع لم يُعقد لأن الحال أصبحت جيدة، بل لأنها لم تعد تُحتمل. لم يكن نداءً للعمل المشترك بقدر ما كان اعترافاً صامتاً بأن الأدوات المعتادة للإدارة لم تعد تنفع.

2- الأسباب غير المباشرة — الجذور العميقة للأزمة
ما كُشف في الإليزي هو ثمرة عقود من التراكم. فالأبواب التي أغلقت اليوم لم تُقفل فجأة؛ بل كانت تُوصد واحدة تلو الأخرى على مدار سنوات، حتى لم يتبقَّ مفتاح لفتحها سريعاً.

أولاً: الاعتماد المفرط على سلاسل الإمداد العالمية.

لعقود، بُنيت السياسة الطاقوية الفرنسية على افتراض أن البترول سيكون متاحاً دائماً وبأسعار معقولة، وأن الأسواق المفتوحة ستوفر الحل دائماً. تم تقليص المخزونات الاستراتيجية لتخفيف التكاليف، وتقليل الاعتماد على المنتجين القريبين لصالح مصادر بعيدة وأرخص، وتجاهل التحذيرات المتكررة من هشاشة هذا النموذج. وقد سبق لسيغولان روايال أن حذرت منذ عام 2022 من أن “فرنسا تعيش فوق طاقتها في الأمان الطاقوي، وأن انقطاعاً مفاجئاً في الإمداد سيكشف عجزنا عن التحرك”. اليوم تحققت تنبؤاتها بالكامل.

ثانياً: القطيعة الاستراتيجية مع الجار الأقرب.

في حين تبحث فرنسا عن إمدادات من نيجيريا والنرويج والولايات المتحدة — وتستغرق الشحنات منها أسابيعاً — تبقى الجزائر، على بعد بضع ساعات بحرية من الموانئ الفرنسية، أكبر وأقرب مصدر للديزل والغاز في منطقة المتوسط. لكن العلاقات بين باريس والجزائر ظلت طوال السنوات الماضية في حالة توتر دائم: ملفات الذاكرة والاستعمار، التأشيرات، اتفاقيات الطاقة المنتهية أو التي كادت تنتهي، والموقف من الصحراء الغربية. لم يحدث أبداً أن قطعت الجزائر الإمداد؛ بل حدث الأسوأ: توقف التعاون الاستراتيجي المشترك. فحين اشتدت الحاجة، لم يكن هناك إطار تعاقدي سليم يمكن من خلاله زيادة الكميات بسرعة، ولم تكن هناك ثقة سياسية تسمح بصفقات استثنائية. وهذه المفارقة هي جوهر الأزمة الحقيقية: المنقذ موجود، لكن الجسر إليه مكسور.

ثالثاً: تآكل سلطة القرار في الأشهر الأخيرة من الولاية الثانية للرئيس ماكرون.

لم يعد ماكرون يملك القوة السياسية التي كان يتمتع بها في بداية عهده. الأحزاب تعمل لحساب حملاتها الانتخابية لا لمصلحة الدولة، والبرلمان يُقاطع، والشارع لا يصدق الوعود. أي قرار صعب — سواء كان خفض الضرائب أو رفع الأسعار أو تقديم تنازلات خارجية — سيواجه بالرفض فوراً. وفي هذا السياق، لم يكن الاجتماع محاولة لتوحيد الصفوف بقدر ما كان محاولة لتوزيع المسؤولية: إذا كان لا بد من تحمل الألم، فليشارك الجميع في تحمل مسؤوليته.

رابعاً: ميراث الانقسامات المجتمعية العميقة.
ما حدث في نهاية عام 2018 مع حركة “السترات الصفراء” لم يكن مجرد احتجاج على أسعار الوقود؛ بل كان تعبيراً عن انفصال عميق بين النخبة الحاكمة والطبقات الشعبية والمناطق الهامشية. ولم تُعالج الأسباب الجذرية لتلك الأزمة، بل تم احتواؤها مؤقتاً. واليوم، حين ترتفع الأسعار من جديد وتظهر الندرة، لا يثق الناس في التفسيرات الرسمية. فهم لا يرون الأزمة دولية بحتة؛ بل يرون فيها دليلاً آخر على أن من يديرون البلاد لا يعيشون نفس الظروف التي يعيشها المواطنون العاديون.

3- ما جرى في الغرفة المغلقة — الحقائق والصمت
من الصعب تحديد ما قيل بالضبط في الاجتماع، فالقاعدة الذهبية كانت “ما يُقال هنا يبقى هنا”. لكن ما تم تسريبه وتأكيده من مصادر مشاركة يرسم صورة أوضح بكثير من البيانات الرسمية. ففي الجانب الأمني، كانت الرسالة واضحة وقاسية: فرنسا لم تعد في مأمن. التهديدات لم تعد مستقبلية بل حاصلة بالفعل، والقدرة على الرد محدودة، والمخاطر ستتصاعد قبل أن تتراجع. وطلب من الحضور ألا يستخدموا هذه المعلومات في حملاتهم الانتخابية، وألا يثيروا الذعر في الرأي العام — وهو طلب يدرك الجميع أنه سيواجه بالتجاهل التام.
في الجانب الطاقوي، عرضت الأرقام بوضوح: المخزون ينفد، البدائل البعيدة مكلفة ومتأخرة، ولا يوجد حل سحري. وهنا انقسم الحضور فوراً: طالب ممثلو اليمين واليسار المتطرفين بتخفيض فوري للضرائب على الوقود؛ ورد ماكرون بأن هذا سيكسر المالية العامة ولن يغير من حقيقة نقص الإمداد؛ واقترح آخرون تفعيل المخزون الاستراتيجي فوراً؛ فأجيبوا بأنه مصمم لأيام معدودة لا لشهور.
وفي ما لم يُذكر اسمها صراحة في المؤتمر الصحفي — الجزائر — لم تغب عن الحديث أبداً. فقد أدرك جميع الحضور أن أي تعويض سريع لا يمكن أن يأتي إلا من الغرب المجاور. لكن لم يجرؤ أحد على نطق الكلمة بوضوح أمام الكاميرات، لأن الجميع يعرفون الثمن السياسي الباهظ الذي ستطلبه الجزائر مقابل زيادة الإمداد: ملفات تاريخية، وملفات سياسية، وملفات إقليمية لا يمكن لأي رئيس أن يقدم عليها دون دفع ثمن فادح.
ولهذا غابت مارين لوبن عن الاجتماع شخصياً وأرسلت مندوباً عنها. لم يكن غيابها صدفة؛ بل كان موقفاً محسوباً: البقاء خارج دائرة المسؤولية، فلا تُلزم بأي موقف، وتظل في موقع “المعارضة النقية” التي يمكنها أن تعد بالحلول دون أن تضطر لتقديم تضحيات. وهكذا، فإن الاجتماع الذي دُعي لتوحيد الجبهة الوطنية كشف بدلاً من ذلك عمق الانقسام: المرشحة الأوفر حظاً تقف خارج النظام، والنظام عاجز عن استيعابها أو هزيمتها.

4- النتائج الحقيقية — لا توافق، بل توزيع للمسؤولية
بعد كل ما قيل، ماذا حقق هذا الاجتماع؟ لم يخرج المشاركون بخطة مشتركة، ولم يُعلن عن إجراءات طارئة تُخفف من معاناة الناس. بل تحققت ثلاثة أشياء فقط:
أولاً، أُطلع القادة على الحقائق التي لم يكن معظمهم يدرك مداها، فلم يعد بوسع أي منهم القول بعد اليوم إنه لم يكن يعلم. وهذه الوظيفة الأساسية للقاء: تحميل الجميع المسؤولية مسبقاً.
ثانياً، تأكد الجميع من عدم وجود حل سريع. الأسعار سترتفع أكثر، والندرة ستظهر، والأسابيع القادمة ستكون صعبة — ولا مفر من ذلك.
ثالثاً، بدأت المعركة الانتخابية فعلياً من هذه اللحظة. فكل طرف سيغادر الاجتماع ليقول ما يشاء: ماكرون سيقول “لقد حذرتكم”، والمعارضة ستقول “لقد فشل في إدارة الأزمة”، ولوبن ستقول “أنا وحدي من يملك الحل”.
والحقيقة التي لا يجرؤ أحد على قولها بوضوح هي أن فرنسا تقف اليوم عند مفترق طرق لا خيار فيه سهل: إما أن تدفع الثمن السياسي لفتح الأبواب المغلقة مع جيرانها، أو أن تتحمل ثمن الندرة والانكماش الاجتماعي في الداخل. وكلا الطريقين مؤلم، وكلا الطريقين سيغيران وجه فرنسا لعقود قادمة.
لم يكن اجتماع الإليزي مجرد لقاء عادي بين رئيس وأحزاب المعارضة. بل كان لحظة كشف لجيل كامل من السياسات المتراكمة التي وصلت إلى طريق مسدود. فما بدأ كأزمة أسعار تحول إلى أزمة ثقة، وما بدأ كتهديد خارجي كشف عن انهيار داخلي، وما كان يُفترض أنه اجتماع لتوحيد الصفوف انتهى برسم خطوط المعركة الانتخابية.
والأيام القادمة هي التي ستُجيب على السؤال الحقيقي: هل ستستيقظ فرنسا في الوقت المناسب لتصلح ما أفسدته السنوات، أم ستظل تدور في حلقة مفرغة — كل فكرة جديدة أسوأ من سابقتها، وكل تأجيل يُدني من النهاية أكثر؟ وماكرون الذي بدأ عهده بوعد “تغيير فرنسا”، قد يغادر السلطة وقد غيرته الأحداث بدلاً منه، تاركاً لمن سيأتيه إرثاً أثقل وأكثر تعقيداً مما وجده. فالمسألة لم تعد “من سيحكم فرنسا بعد اليوم”؛ بل أصبحت: “هل ستجد فرنسا طريقها للخروج من النفق قبل أن ينفد ما بقي من وقود؟”. وعلى هذا الجواب سيتوقف مستقبل البلاد بأكملها.

مقالات ذات صلة