خلود الرجل الأسطورة في مخيال الأمة
قال عمر المختار قبل استشهاده عبارة خالدة تُخَطٌ بأحرف من ذهب: “نحن لن نستسلم ننتصر أو نموت، سيكون عليكم أن تحاربوا الجيل القادم والأجيال التي تليني، أما أنا فإن حياتي ستكون أطول من حياة شانقي”. بتاريخ 17 أكتوبر2024 يرتقي أبو إبراهيم في ساحة القتال وفي الصفوف الأمامية إلى الرفيق الأعلى بمعية رفاقه البواسل، فينزل الخبر كالصاعقة على الشرفاء من الأمة العربية الإسلامية، بينما يهلل أراذلها والمطبِّعون لخبر تصفية زعيم المقاومة، ويزهو الكيان أيضا، وينتشي بنصره المؤقت، ويتلقى عديد التهاني من أغلب شركائه في الإبادة من الدول الغربية على تصفية من كان “عقبة في استرجاع الرهائن”، وهنا قد يتساءل الناظر في هذا المقام: من هذا الرجل الذي عجزت عن الإمساك به أعتى قوة في العالم، واهتز العالم بأسره لموته؟ وما الذي حققه وقدمه للأمة من إنجازات ومشاريع؟ وكيف لنا أن نستثمر ميراث الرجل ونستلهم من مسيرته في سبيل إيقاظ ضمير الأمة وتحريرها من أغلال العبودية؟
أبصر الرجل نور الحياة بتاريخ 19 أكتوبر 1962 بمخيم خان يونس للاجئين بجنوب قطاع غزة، تلقى تعليمه في مدارس المخيم حتى أنهى دراسته الثانوية، ليلتحق فيما بعد بالجامعة ويتحصل على بكالوريوس في اللغة العربية. انضم مبكرا إلى جماعة الإخوان المسلمين خلال دراسته بالجامعة، ليؤسس سنة 1985 بمعية رفاقه الجهاز الأمني لجماعة الإخوان “مجد” بتكليف من الشيخ أحمد ياسين رحمة الله عليه بغرض ملاحقة الجواسيس وتطهير الحركة، اعتقل سنة 1982 ليسجن لمدة ستة أشهر بتهمة المشاركة في نشاطات أمنية ضد الكيان، ليعتقل مرة أخرى سنة 1988 ويُحْكَمَ عليه بأربعة مؤبدات بتهم عمليات اختطاف إسرائيليين وقتلهم، وأمضى الرجل 23 ربيعا في السجون الإسرائيلية، استغلها في تعلم اللغة العِبْرِيَة، ودراسة تاريخ الاحتلال، وفهم السيكولوجية الإسرائيلية، وترجمة وتأليف أربعة كتب وهي: -الشاباك بين الأشلاء – الأحزاب الإسرائيلية -رواية شوك القرنفل- المجد- حماس التجربة والخطأ. وفي سنة 2011 أُطلق سراح الأسير ضمن صفقة سميت بـ”وفاء الأحرار” التي أُفرج فيها عن1027 أسير فلسطيني مقابل إطلاق سراح الجندي جلعاد شليط، ثم انتخب سنة 2012 عضوا سياسيا في حركة حماس، ثم رئيسا للحركة بقطاع غزة سنة 2017، كما كان له الفضل في هندسة وقيادة ملحمة “طوفان الأقصى” التي أطاحت بخرافة “الجيش الذي لا يُهزم”. وفي شهر أوت من سنة 2024 اختير رئيسا للمكتب السياسي للحركة خلفا للقائد إسماعيل هنية المغتال في طهران، إلى أن ارتقى شهيدا إلى ربه في 17 أكتوبر 2024 بعد مسيرة مشرفة من الجهاد والثبات وتبوء العديد من المناصب والمسؤوليات خدمة للقضية، مقبلا غير مدبر، مرتديا بزّته العسكرية، ومتوشحا بالكوفية الفلسطينية، وممتشقا سلاحه، مع إخوانه لا متخفيا في الأنفاق أو مُحتميًا بدروع بشرية، خلافا لما روَّج له الإعلام الغربي من أن الرجل كان متسترا بالأنفاق ومُحتميا بالأسرى، بل إن المولى عز وجل وَفّقَ الرجل في نيل الشهادة كما تمناها ما جعل الكيان يُحرم من فرصة اعتقاله حيّا أو الاستثمار في موته بالتشويه والإساءة لسمعته.
الرجل كان مبدعا في أساليب النضال، ثاقبا في استشرافه، استطاع بقوة شخصيته وتأثيره أن يجمع كل الفصائل تحت هدف أوحد وهو تحرير فلسطين وتجاوز كل الخلافات الضيقة، كما نسّق مع كل الأطراف المجاورة لترسيخ وحدة الساحات والجبهات، متصديا لكل الصراعات المذهبية وموحدا للشيعة والسنة خلافا لما يخطط له الغرب من إذكاء الفتنة الطائفية، وكان مهندس ملحمة “طوفان الأقصى” التي كشفت عن فشل عسكري وأمني وإعلامي واستخباري مدوّي لجيش العدوّ.
إن الرجل كان مبدعا في أساليب النضال، ثاقبا في استشرافه، استطاع بقوة شخصيته وتأثيره أن يجمع كل الفصائل تحت هدف أوحد وهو تحرير فلسطين وتجاوز كل الخلافات الضيقة، كما نسّق مع كل الأطراف المجاورة لترسيخ وحدة الساحات والجبهات، متصديا لكل الصراعات المذهبية وموحدا للشيعة والسنة خلافا لما يخطط له الغرب من إذكاء الفتنة الطائفية، وكان مهندس ملحمة “طوفان الأقصى” التي كشفت عن فشل عسكري وأمني وإعلامي واستخباري مدوّي لجيش العدوّ، وأوقف مخطط التطبيع الذي كان يهدف إلى محو القضية بتواطؤ دول الجوار، وتمكين الكيان من مشروعه التوسعي الاستيطاني، فتمكن من القضاء على 1000 جندي، وجرح أزيد من 10 آلاف إسرائيلي، واستقبال مراكز إعادة التأهيل أكثر من 64000 مجند، عشرة آلاف جندي معاق، إجلاء ما يقارب 250 ألف إسرائيلي من منازلهم من الجنوب والشمال، إخراج أكثر من 1500 آلية مدرّعة عن الخدمة، تهجير أكثر من نصف مليون مستوطن إلى الخارج، خلق الرعب وظهور انقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي، وشلّ الاقتصاد بتجاوز كلفة الحرب 67.3 مليار دولار، فقد استطاع أن يبرز للجميع أن المشروع الصهيوأمريكي لا يستهدف باعتداءاته غزة فحسب بل يهدف إلى ابتلاع كل المنطقة ودول الطوق في المقدمة ليحقق الحلم المنشود وهو الاستيلاء على مقدرات الأمة لفرض السيطرة على العالم بمنطق الحكومة الواحدة ذات القوة الخارقة، والتصدي لقوى الشرق بزعامة الصين وروسيا، وهذا ما يتماهى مع ما قاله المستشار الأمريكي هنري كيسنجر: “الحرب العالمية الثالثة باتت على الأبواب وإيران ستكون هي البداية… على إسرائيل أن تقتل أكبر عدد ممكن من العرب وتحتل نصف الشرق الأوسط..”. مع الملاحظة أن كيسنجر المنبهر آنذاك بعظمة الجيش الأمريكي يلغي في تحليلاته فواعل المقاومة الموحدة ومدى إتقانها لحروب الاستنزاف وامتلاكها لعقيدة إيمانية للقتال بعزيمة النصر رغم البون الشاسع بينها وبين الطرف الآخر.
فعلا إن صورة البطل المثخن بالجراح وهو يرمي بيده النازفة بآخر ما تبقى لديه من عصا على الطائرة المسيَّرة المتسللة إلى المبنى كانت أبلغ تعبير وأصدق صورة على تشبُّث الرجل بالأرض، وجرأته على مقارعة الأعداء إلى آخر رمق الأمر الذي رفع معنويات رجال المقاومة، وأكسب الرجل شعبية واحتراما منقطعي النظير على مستوى العالم أجمع.
كان السنوار دوما يحذِّر من تشظي الأمة الذي يُسَهّل على الصهيوأمريكي الانفراد بدول المنطقة الواحدة تلو الأخرى مستبيحا سيادة الدول ومستغلا لكل الخيرات، كما يستشف أيضا أنه بينما كان العدوّ يخصِّص فرقة مخابرات لترصد أخبار الرجل داخل الأنفاق لاغتياله، ثبُت أن هذا الأخير كان منذ شهور طويلة يقاتل رفقة جنوده، ويكون بذلك قد وجَّه رسالة لكل أفراد الأمة الإسلامية، أن القادة الحقيقيين هم من يتصدرون المعارك ويجازفون بأرواحهم، في سبيل الذود عن المقدسات. فعلا إن صورة البطل المثخن بالجراح وهو يرمي بيده النازفة بآخر ما تبقى لديه من عصا على الطائرة المسيَّرة المتسللة إلى المبنى كانت أبلغ تعبير وأصدق صورة على تشبُّث الرجل بالأرض، وجرأته على مقارعة الأعداء إلى آخر رمق، الأمر الذي رفع معنويات رجال المقاومة، وأكسب الرجل شعبية واحتراما منقطعي النظير على مستوى العالم أجمع، فكان نموذجا راقيا في التمثل بصفات جيل الصحابة رضوان الله عليهم وبطلا فذا من رعيل الأبطال العظام كصلاح الدين الأيوبي وقطز والظاهر بيبرس وثائرا شجاعا كشي جيفارا وفيدال كاسترو وجياب… كما أثّر الرجل بالإيجاب على ذهنية جيل الشباب الحالي وأذكى فيهم روح الجهاد ومهارة تحمل المسؤولية والثورة على الواقع العبثي والتطلع الى حياة العزّ والكرامة التي طالما حلم بها الرجل.
بناء على ما تقدم نخلص إلى أن الشهيد البطل الذي سيخلد اسمه في التاريخ الحديث بكفاحه المشرّف من أديب مناضل ثم أسير في سجون الاحتلال ثم سياسي متحرر ثم مهندس معجزة “طوفان الأقصى”، استطاع أن يجعل أقوى الجيوش العالمية بقيادة أمريكا تعجز عن تحقيق أهدافها عدا إبادة العزّل وقتل النساء والأطفال واغتيال الصحافيين وتدمير العمران، وتفشل في قنصه إلا بمحض الصدفة كما يقول العرب قديما (رُبَّ رَمْيَة من غير رَامٍ). لم يرتق الرجل إلى سبيل ربه إلا بعدما أسَّس مقاومة صلبة ومنسجمة لا تتأثر بفقدان القادة، وأيقظ الأمة من سباتها، وأحيا القضية الفلسطينية، وحماها من مكر التطبيع والنسيان، ورفع سقف العزة والكرامة عاليا، فكان بطيب هذه الخصال وباستثنائية هذه المواقف، مُلهما للأمة العربية والإسلامية للنهوض من كبوتها واستعادة سابق أمجادها وغابر عزها استعدادا لنصرة غزة ولبنان ودعم أهليهم الذين يرزحون تحت أوجاع الإبادة ومحارق نازية الكيان، والأمل يظل معقودا في استلام الجيل الحالي للراية والمضي قدُما على نهج الرمز البطل الذي سيظل حيا في الوجدان العالمي بكلماته الجريئة وأفكاره الثورية. يذكر أبو عبيدة الناطق باسم كتائب القسام: “نحن نعمل بإرادة الله وسيخلف القائد قادة والجندي عشرة والشهيد ألف مقاوم وهذه الأرض تنبت المقاومين كما تنبت غصون الزيتون”.