-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

دولة الأقليات في الوطن العربي

دولة الأقليات في الوطن العربي

حملت الاتفاقيات السرية البريطانية الفرنسية المتعلقة بتقاسمهما الوطن العربي اسمي المتفاوضين الدبلوماسي البريطاني مارك سايكس والدبلوماسي الفرنسي جورج بيكو اللذين وقعاها عام 1916 باسم “اتفاقيات سايكس – بيكو” التي كان من نتائجها تقسيم مجلس الأمن للأمم المتحدة فلسطين وقيام “الدولة العبرية” في 14 ماي 1948، وهاهي اليوم الهيئة نفسها تجتمع وتقرر تصنيف “الدولة الاسلامية في العراق والشام” ضمن التنظيمات الارهابية إلى جانب جماعات إسلامية مسلحة، والاعتراض ليس على التصنيف وإنما على إقحام العمليات التي تستهدف هذه المجموعات ضمن الفصل السابع (المواد 39- 51) من ميثاق الأمم المتحدة والتي يلجأ فيها مجلس الأمن إلى استخدام القوة ويلتزم الأعضاء بالاستجابة لتقديم ما تحتاجه قيادة أركان جيشه من القوات المسلحة، فلماذا اللجوء إلى القوة وبإمكان أعضاء مجلس الأمن استخدام “المعارضة” أو الحكام العرب للقضاء على هذه المجموعات المسلحة؟ ولماذا سمحت أمريكا لرئيس حكومة العراق السابق نوري المالكي بتشريد السنة واستئصالهم وإثارة الفتنة بينهم وبين الشيعة مما سمح بظهور أكثر من 15 فصيلا مسلحا تحت غطاء إسلامي حمل شعار “داعش” – دولة إسلامية في العراق والشام- ليحتوي الغضب الشعبي ويهيمن على المعارضين في العراق، ولماذا لم تساعد أمريكا المعارضة أو النظام في محاربتها لـ”داعش”؟ فهل تريد الدفع بمجلس الأمن إلى إعطاء شرعية التدخل وربما لإعادة تقسيم الكثير من الأقطار العربية؟

 

حرب “الأقليات” غير الإسلامية 

أعلن الرئيس جوج دبليوش بوش عشية احتلال العراق أن هدفه من الحرب هو تحويل العراق إلى نموذج “يقتدي به الشرق الأوسط الكبير” ودعت كونداليزا رايس أنصارها إلى نشر ما تسميه (الفوضى الخلاقة)، وفي الذكرى الأولى 2004 لاحتلال العراق سلمت الإدارة الأمريكية “مشروع الشرق الأوسط الكبير” إلى المشاركين في ثلاث قمم انعقدت في السنة نفسها وهي قمة مجموعة الدول الصناعية الثمانية الكبار التي عقدت بولاية جورجيا الأمريكية، وقمة حلف شمال الأطلس المنعقدة في تركية باسطنبول، وقمة الاتحاد الأوروبي التي انعقدت بالعاصمة البلجيكية ببروكسل، وهو مشروع يضيف إلى 22   دولة عربية ثلاث دول إسلامية (تركيا   باكستان أفغانستان) إلى جانب الدولة العبرية” .

إن المتتبع للشأن الاسرائيلي يكتشف أن هذه الفكرة وردت في كتاب شمعون بيريز الصادر عام 1993، وفي تصريحاته فيما بعد الداعية الى تحويل جامعة الدول العربية إلى “جامعة الشرق الأوسط”، وفي الوقت نفسه بدأ التفكير في تشكيل تكتلات ومنها المغرب العربي الكبير بإلحاق مصر به، وكأن مشكلة أمريكا هي أنها كانت غائبة في مشروع “سايكس بيكو” وتريد اليوم إعادة صياغته من جديد وفق رسم جديد للحدود تكون هي المستفيد منه، ففي الذكرى الثالثة لاحتلال العراق قام جو بايدن النائب الحالي للرئيس باراك أوباما بإلقاء خطاب في مجلس الشيوخ دعاهم فيه إلى تقسيم العراق إلى ثلاث مناطق ذات حكم ذاتي وهي الشيعة والسنة والأكراد، ولأن الأمريكيين لا ينظرون إلى العراق كدولة عربية وإنما كطوائف فهم يفصلون بين الشيعة والسنة بالرغم من أنهما عرب ومسلمون من أجل تعميق الهوة بينهما متجاهلين ما كان يتمتع به الأكراد من حكم ذاتي في عهد الرئيس المغتال صدام حسين.

المفارق العجيبة الأولى أنه في السنة نفسها 2006 نشرت مجلة (القوات المسلحة الأمريكية) مقالا بتوقيع رالف بيترز (رجل مخابرات متقاعد برتبة مقدم) يتحدث فيه عن مخطط جديد سماه “خريطة الشرق الأوسط الجديد” ينطلق من الادعاء بأن بريطانيا وفرنسا رسمتا حدود الدول العربية عشوائيا وبطريقة غير عادلة بالنسبة للأقليات وأنه حان وقت رفع الظلم عنها بإعادة رسم الحدود، وقدما تقسيما جديدا لخريطة خمسة أقطار عربية إذ جعل من السعودية خمس دويلات، ومن سوريا والعراق ثلاث دويلات أما اليمن فقد أعادها إلى ما كانت عليه قبل 1990.

وعندما تتحول خمسة أقطار عربية إلى 14 قطرا جديدا فإن دول الجامعة العربية تصير فيها 31 دويلة وبالتالي يتم القضاء على الهوية العربية في أبعادها الدينية الاسلامية والمسيحية واليهودية.

والمفارقة الغريبة الثانية هي أن صحيفة نيويورك تايمز” أعادت نشر الخريطة وكأنها تذكر أمريكا بالمشروع فهل يتحقق لها ذلك أم أن الربيع العربي قد يطويه بتداعياته الأمنية والاقتصادية؟.

يعلق المفكر العربي الراحل عبد الوهاب المسيري على مشروع رالف بيترز قائلا: “إن تصور الشرق الأوسط ينطلق من ان التاريخ متوقف تماما بهذه المنطقة وأن الشعب العربي سيظل مجرد اداة بيد معظم حكامه الذين ينصاعون انصياعا أعمى للولايات المتحدة”.

لجأت أمريكا إلى تأسيس الجماعات المسلحة في حروبها ضد الاتحاد السوفييتي سابقا حتى تتمكن من تطبيق مشروعها الخاص الذي بدأ بإسقاط أفغانستان والقضاء على النظام الشيوعي لكن هذه المجموعات سرعان ما بدأت تتغير وجهاتها وميولها واهتماماتها وجاءت الحرب على أفغانستان والعراق لتدفع بها إلى الانتقام .

ولا أحد ينكر أن مبرر وجود الإرهاب في العالم هو وجود “إسرائيل” التي زرعت في الوطن العربي من أجل تشتيت العرب والمسلمين والاستيلاء على ثرواتهم، لكن الفضل في بقاء الشعوب متحدة وملتفة حول فلسطين عاصمتها القدس يعود إلى المقاومة الفلسطينية، وما عزّز مكانتها لدى شعوب العالم هو الانحياز الامريكي للنازية الجديدة الممثلة في الدولة العبرية اليهودية.

ربما سيستمر مشروع التقسيم في الفكر الغربي ولكنه بالنسبة للشعوب مجرد وهم صنعه الإعلام الغربي لزيادة التأثير على الحكام العرب ذلك أن الحرب الصليبية الجديدة يراد لها أن تمر عبر مشروع محاربة “الاسلام” تحت شعار مكافحة “الارهاب” الاسلامي وحملة مشروع الدولة الاسلامية” أو”الخلافة الاسلامية” عبر تنظيمات  ساهمت في خلقها وتمويلها.

إن ما يصيب المكونات الدينية والإثنية من مضايقات سببه الحقيقي “التضليل الإعلامي” حول الجماعات المسلحة التي تحمل أفكارا لا علاقة لها بالإسلام والمسلمين، فالذي يجرؤ على إجبار مسيحي على التخلي عن دينه أومطالبته بدفع الجزية في وطنه لا يمكن أن يكون مواطنا عراقيا أو سوريا أو مصريا أو جزائريا، فالمسيحيون العرب المشارقة هم الذين حافظوا على التاريخ العربي واللغة العربية، لكن دعم أمريكا والغرب للحكام العرب حوّل الأقلية أغلبية والأغلبية أقلية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
5
  • حنصالي

    هناك شيئ مهم يا دكتور ..من طبيعة الاشياء انها تحمل اسباب فنائها في جناباتها الفرق بين هذا وهذا ان الاول تفطن لمسببات الفناء لديه فعالجها بينما التانى لم ينتبه فنخرت جسده واهلكته

    لو نرجع للمجتمعات تحديدا سنقرئ ان النزاعات هي المسبب الاول الذى يودى بالمجتمعات الى الحرب والحرب هي فقدان السيطرة على التحكم في النزاعات بين الافراد والجماعات قد تكون منضومة حكم فاشلة او عدالة غائبة

    لابد من السيطرة على النزاعات فاذا تم فقد نجحت الجزائر الجزائر الى الابد وبهذا نبعد شبح الحروب وما شابه

  • أحمد-سطيف

    شكرا أستاذ على مقالك و تحليلك و ما يحتويه -كالعاده- من معلومات تاريخيه و ميدانيه حاسمه. و الله أنا -و بلا مجامله- من الذين يحرصون على متابعة كتابات الأستاذ و تدخلاته المفيدة و الرائعة على مختلف المحطات. أفدتنا و شرفتنا و الله يا أستاذ حفظك الله و رعاك.

  • فريد

    هده قراتك للتريخ و هنلك من يرى ان العرب خانوا العثمانين و الاسلام تامروا مع الغرب للقضاء على الخلافة الاسلامية الدين وعدوهم باقمة خلافة عربية يحكمها خليفة عربي يعيد عرب امجدهم

  • خالد السوفي

    شكرا استاذي على هذا المقال والسؤال المطروح هنا لماذا لا يتجنبوا الحكام العرب ويلات التقسيم بادارة المعركة في عقر دار الغرب فلديهم من المال والعنصر البشري المتمثل في الجالية العربية والاسلامية ما يمكنهم من كسب المعركة والمعروف عن العرب بالدهاء

  • Baki

    Rien a dire c'est tout a fait jute