-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

دَرْس وموعِـظـة من تـاريـخنـا الـقـديـم

الشروق أونلاين
  • 2886
  • 4
دَرْس وموعِـظـة من تـاريـخنـا الـقـديـم

مُعظم ما نعرف من البلدان، في وقـتنا الحاضر، لها نصوص تسميها “دساتـيـر”، هي عـندها أمّ ألقوانين كلها. بمبادئها، وبالمؤسسات الواردة فيها، وآلياتها التشريعية والتنظيمية يُـضبط، ويـُسيّر كل ما يتم في البلد من أعمال. وإنما يكون الاختلاف بينها في أن تلك النصوص هي عند البعض صرح مُحَصّـن، لا تمتد إليه يدٌ عابثة إلا أجمعت الأمة على تجريمها، وألحقت بها أشد العقاب.. بينما هي عند البعض الآخر مجرد أوضاع افتراضية، للحاكم مُطـْلـَق القدرة على التصرف فيها بالتعديل أو التأويل؛ وبالتحديد أو التجميد… كما يريد. فهي إذن، في جميع الحالات، عجينة رَخـْوَة يُطوّعها صاحب السلطة لحاجاته، ومصالحه الشخصية، ونزواته كما يـشـاء.

  •  غـيـر أن هاتيك البلدان، عـلى ما بينها من شاسع الفرق، وواسع الاختلاف، تـشـترك في أنها كلها، أو تكاد، تجعـل “الـشـعـب مـصـدرا للسـلـطـة”. ومعـنى هذا أن الترجمة “الفورية” لهذا المفهوم تقضي بأن يكون التطبيق الدقيق له هو استخدام واحدة من الكيفيات والطرائق المتبعة لدى الأمم التي سبقت إلى هذا النموذج في الحكم. وهو الذي يشهد له الجميع بأنه، في عالمنا، “أقـل الـنماذج سُــوءًا”، وأكثرها تقيدا بما تـُمليه إرادة الشعب، واحتراما لمفهوم “كلُّ سلطة للشعب”. ولعـل أبرز مظاهر امتلاك، بل احتكار الشعب إياها، بصفة فعلية، هي أنه هو الذي  يستطيع أن يختار حكامه في جميع المستويات، وهو الذي يَقـْوَى على أن تـنـْـحِـيَـتهم منها عندما يريد.
  •   فــما الذي، يا تـُرى، يمكن أن يَصِحّ لــنا شاهـدا على أن كـثرة ًمن تـلك “البلـدان الـسائرة في طريق التخلف”، التي تـُضَمِّن دساتيرَها مفاهيم التـقـدم والتحرر، (على سبيل التقليد والمحاكاة للمحلقين في الآفاق، المرتقين لأجـواز السماء)، يمكن أن يكون للشعوب فيها أيُّّ حق في امتلاك التصرف، ولو في قدر ضئيل من السلطة، بَلـْهَ احْـتـِكاِرها، أو أن تـكونَ هي المصدر الأوحد لها؟.. أنـَّى للشعوب المسكينة، وهي بين الجهل، والخوف، وخيانة نـُخبها المعلنة، وانحراف ممثليها المزعومين.. أن يكون لها أيُّ دَور، أو حتى شِـبهُ دَور، في مسرحية مُحْكمة الإخراج، يَـتِـمّ فيها تتويج الحكام، قبل تـرشـيحهم للحكم، في زاوية مظلمة من المسرح. ثم يخوضون حملاتهم ـ وقد صاروا في غـِنـًى عنها، ببرامج الكذب والخداع. وفي الأخير يَحُوزُون قـَصَبَ السبق بالـغـِشّ والتزوير؟.. ويوم الوليمة الكبرى، يُـشْـرف لهم على المطبخ، كبير الطباخين! ذلك الذي ليس له مثيل، لا في تجويد الأطعمة فـَحَسْب، بل وفي حسن التقدير، بخاصّةٍ، لما ينبغي أن يعَطـِّرَها به من الـتوابل، و يُـزيِّـنها به مما تـُنـْبتُ الأرض من طازَج خُضَـرها، ولذيذ بقولها، ه(قِـثــَّائِها وفـُومِها وعَـدَسِها وبَـصَـلِـهـا).
  • ومع كل هذا، يخرج الحاكم من احتفالية تنصيبه مكسور الجناح، فاقدا لطعم السعادة بالفوز، عديم الارتياح في قرارة نفسه، وأغوار ضميره، بنجاح مفبرك، هو أول من يعلم أنه لا قيمة له في ميزان الحق. فهو غير شرعي. وهو غير مشروع لأنه… مسروق!!
  •   حكام العالم المتخلف كلهم، أعني الذين وصفنا مسيرة وصولهم إلى الإمساك بما تيسر لهم من زمام السلطة، يعانون في دواخلهم الحميمة هواجس الشرعية المفقودة، المنقوصة، المبتورة، المسروقة، المغتصبة.. ويعيشون، ما دام لهم الحكم، مُكـْـتـَوين بنارها. ولذلك تراهم عاجزين عن اتخاذ القرارات الصعبة التي تتطلب قدرا من الشجاعة لمواجهة تبعاتها، والصمود في وجه الناقمين عليها في الداخل والخارج، مع أن فائدتها للمجتمع والوطن بادية للعيان!.. كما تراهم في أحيان كثيرة لا يقوون حتى على الوقوف أمام مجالس التصفيق والتأييد، ذات الولاء المضمون لهم، أو عرض بعض القوانين الحساسة عليهم لمناقشتها، مع يقينهم بأنها مؤكدة القبول؛ وأن الذين يناقشونها هم في أغلبهم إنما يمثلون دورا لا بد لهم من القيام به أمام عدسة التلفاز، ليراه الناخبون… إن شرعية الحاكم في عيون شعبه هي ركنه المتين، وسوره الحصين. وهي التي تمنحه تلك القوة  الضاربة التي يتسلح بها، في كل ظرف، للدفاع عن مصالح الأمة داخل الوطن وخارجه.
  • أذكر أننا كنا بالقاهرة، أواخرَ عام 1973، إثر حرب أكتوبر، ضمن وفـد يشارك في أشغال مؤتمر المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألـسـكـو)، وهي بعـد في بداية عهدها (أنشئتْ بصنعاء اليمن في شهر ديسمبر 1972). وكانت في يـد أحدنا جريدة “الأهـرام”، ونحن لا نكـُـفَُ عن التعليق، إعجابـًا بجُرأة هذه الصحيفة، لأنها كتبت أسطرا قليلة، بحرف رقيق، في أواخر صفحة داخلية، قد لا ينتبه لها إلا قراءُ الأخبار المحلية. ولكنها مع ذلك  أسطر جديرة بأن تكتب بالذهب، لما تكشفه من حقائق تسيير السادات لشؤون مصر، في تلك الظروف العسيرة التي انتهت إليها حرب أكتوبر، بعد العبور المجيد الذي تم في أولها، والنصر المُؤزَّر في أيامها الأولى.
  • جاء في تلك الصحيفة أن هـنري كِسَنـْجَـر، وزير خارجية أمريكا وقتئذ، أجاب من سأله عن صعوبة الوساطة التي يقوم بها بين مصر والكيان الإسرائيلي، لضبط ترتيبات توقيف القتال بينهما، فقال له، أنا في إسرائيل أفاوض رئيسة مجلس الوزراء، “غولدا مائير”؛ فأنا لا أستطيع تثبيت أية نقطة اتفاق معها حتى تـَعـقِـد اجتماعا لوزرائها، وتحصل على موافقتهم، بعد نقاش طويل، وجدل كبير… أما في مصر، فأنا أجتمع بالرئيس السادات، فآخذ منه الموافقة، وأعود إلى تل أبيب!. وما أكثر “السـادات” حين تعدهم في وطن العروبة والإسلام، وسائر أوطان المتخلفين!. ومن يبحث جيدا في طوايا الفـرق بين “غولـدا” و”أنـور” يجـد فيها معاني الشرعية كلها، وجودا وغيابا، متمثلة بكل وضوح.
  • والحق أن مشكلة الشرعية هذه ليست خاصة بنظاٍم، أو أسلوبٍ معين من أنظمة الحكم وأساليبه؛ ولا هي وقف على فترة زمنية دون أخرى. والأمثلة في التاريخ كثيرة، متكررة.. ولكننا نريد أن نتوقف بإيجاز عند واحد منها، قريبٍ جدا منا، يَـعنينا في الصميم من انتمائنا، لأنه جرى في بلاد الأندلس، وكان من الإرهاصات الأولى لضياعها النهائي، وإن بعد قرون.
  •   نحن الآن في قرطبة، عاصمة الخلافة الأموية في الأندلس، والجالس على العرش فيها خليفة عالم، اسمه الحَكـَم، ولقبه الرسمي المُسْـتـنصِر (بالله)، دامت خلافته من 350 إلى 366 هـ وكان منذ شبابه، وفي أثناء ولايته للعهد، مولعا بتحصيل أنواع العلوم والآداب التي كان والدُه العظيم، عبد الرحمن الناصر (350 – 300 هـ) قد واصل العمل على نشرها وازدهارها. وكان مما تميزبه الحَـكـَم المستنصر إقبالـُه على الكتب الفلسفية بصفة علنية، على الرغم من الحرب التي يشنها الفقهاء عليها، وكانوا في الأندلس ذوي سلطان كبير. وقد جلب الحَكمُ جُـلّ ما تـُرجم في المشرق من كتبها، كما جلب سائر الكتب الأخرى، ووضعها في مكتبته التي ضمّت عشرات الآلاف من المجلدات، وعُرفت في التاريخ بمكتبة الحَكـَم؛ فتعاطى الناس الدراسات الفلسفية في وَضَح النهار، بعد أن كانت محرّمة عليهم. وكانت شرعـيته دِرْعا واقـية لها.
  •   وكان في بدايات تولي الحَـكـَم الخلافة شابٌّ أندلسيّ طموحٌ، يسمى محمد بن أبي عامر، (سيعرف بعد ذلك بالمنصور)، مشغوفٌ بطلب العلم، أفاد من جو التسامح فأقبل أيضا على الاشتغال بالثقافة الفلسفية.. وكان يجلس في دكان له بساحةٍ مقابلة لقصر الخلافة، لكتابة العرائض للمشتكين الذين يريدون التظلم للخليفة، وعرض التماساتهم وقضاياهم عليه. وكان لابن أبي عامر هذا قلمٌ ساحر التعبير، سرعان ما لفت إليه كتـّاب الديوان الملكي. وتحدث حراس القصر عن إقبال الناس عليه حتى انتهت أخباره إلى السيدة صُـبْـح، زوجة الخليفة، وأم ولي العهد هـشـام، فاستأذنت الخليفة في توظيفه لتسيير أملاك ولي العهد. فسطع نجمه، وأعانته أم هشام فمكنته من الاقتراب من الخليفة، فأخذ يترقى في المناصب بسرعة، حتى صار ينافس حاجب الخليفة (رئيس وزرائه)، جعفر المُصْحَفي، فلما مات الخليفة الحَكـَم استغل ابن أبي عامر وظيفة إشرافه على ولي العهد الصبي، وحَظوته عند أمه صُـبْــح، فعـزل المُصحفي، وتولى الحجابة بدلا منه، وحَجَر على ولي العهد في قصره، ولم يبق له من جهة يخشاها إلا سطوة بعض الفقهاء الذين كانوا أقدر من في البلاد على الاعتراض على اغتصابه شرعية المُلك من أصحابه، فكانت وسيلته لاسترضائهم، وتحييدهم هي تدمير الذخائر الفلسفية في مكتبة الحكم، والشدة على من يتعاطى تلك العلوم. مع أنه، كما أسلفنا، كان ممن له فيها نصيب!  
  •   قال المؤرخ ابن عِذاري “وكان المنصور أشد الناس في التغـيُّر على من عَلِمَ عنده شيئا من الفلسفة، والجـَدَل في الاعتقاد، والتكلم في شيء من قضايا النجوم وأدلتها… وأحرق ما كان في خزائن الحَكـَم من كتب الدُّهريّة، والفلاسفة، بمَحضر كبار العلماء؛ منهم الأصِـيلىّ وابن ذكـْوان والزَّبيدىّ، وغيرهم. واستولى على حرق جميعها بيَده” (كتاب البيان المُغـْرب. ج 2 / 292)
  •   ومع أن الحاجب المنصور كان قائدا عظيما، فإنه تمادى في اغتصاب الشرعية، وظل يتصرف تحت الضغط من هواجسها، فجعلها وراثية في أبنائه، وما كاد أمرها يصل، بعده، إلى الثاني من أبنائه حتى اندلعت الفتنة العظمى في كل أرجاء الأندلس، فتمزقت البلاد، واستقل فيها كل حاكم بمدينة أو ولاية، فسقطت الدولة التي أقامها عظماء الأمراء الأمويين، وقامت دول ملوك الطوائف القـزمة. فكان عمل ابن أبي عامر بداية النزول إلى الجحيم!!
أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
4
  • محمد الراضي تيميمون الجزائر

    الف تحية ..استاذنا متى تعود إلى صرح العلم والمعرفة بالجزائر لتنقذ التربية والتعليم انضم الى حزب الآرند لتفي بالغاية . فالغاية تبرر الوسيلة والله من وراء القصد .

  • أ. محمد

    بارك الله فيك أستاذنا الفاضل وأشكرك على مقالاتك العميقة فكرا الجميلة أسلوبا

  • من الصحراء

    اسلوب رائع وجذاب ووصول الى الفكرة بتوأدة فمزيدا يادكتور
    اذن الواقع السياسي هو نفسه وان تغير المكان والزمان

  • خلي في خليج المكسيك

    شكراً سي محمد. ذكرتني ب "الإسراء من قصور الصنوبر إلى قصور غرناطة"