ذكرى الاستقلال ومعركة الذاكرة
انطلقت الاحتفالات بالذكرى الخمسين للاستقلال من الجانب الفرنسي… وقد بثت قناة “فرانس 2” France 2 يوم الأحد 11 مارس أول عمل أنجزه في هذا الإطار المؤرخ بن يمين سطورة Benjamin Stora، وستتواصل العملية من الجانب الفرنسي إلى غاية 5 جويلية، بهدف صنع الصورة الجديدة التي تريدها فرنسا عن هذه الحرب، خاصة لدى الأجيال الجديدة التي تعيش تلك المرحلة الدامية.
وقد جند الطرف الفرنسي كل ما يملك من قوة إبداعية. ومن المنتظر أن يتم إنتاج أفلام طويلة وأفلام وثائقية، وتنظيم معارض، وتجنيد المؤرخين وكل من عاش تلك المرحلة في محاضرات وملتقيات عديدة، إلى جانب استدعاء المؤرخين والخبراء في الدعاية وفي صنع الرأي العام. وستفتح فرنسا الباب لكل التيارات السياسية، من المناضلين من أجل استقلال الجزائر إلى أنصار منظمة الجيش السري OAS، مع التحكم الدائم في محتوى النقاش.
وقد حدد وزير الخارجية الفرنسي ألان جيبي Alain Juppé الإطار العام الذي سيتم فيه الاحتفال بهذه الذكرى، حيث قال إنه اتفق مع الرئيس عبد العزيز بوتفليقة على “الاعتدال” عند الكلام عن الثورة التحريرية. وأكد جيبي قبل شهرين أمام لجنة برلمانية فرنسية أنه اتفق مع الرئيس بوتفليقة من أجل الاحتفال بهذه الذكرى في “روح من الاعتدال وتجنب التطرف بكل أنواعه”. وأضاف: “اتفقنا على أن ننظر إلى المستقبل، ولنحاول أن نبني العلاقة بين الجزائر وفرنسا على المستقبل لا على الماضي“.
ويعني هذا الكلام أن الطرف الفرنسي سيحتفظ بنفس اللهجة التي تسود منذ نصف قرن عند الكلام عن حرب التحرير. ويرتكز الخطاب الفرنسي على نقاط أساسية منها أن الحرب أدت إلى انحرافات من الطرفين، وأن الجيش الفرنسي انتصر عسكريا لكن فرنسا خسرت سياسيا لأن عهد الاستعمار انتهى، وأن جزءا كبيرا من الجزائريين كان متعلقا بفرنسا لكن تطرف جبهة التحرير وكبار المعمرين لم يسمح بالتوصل إلى حل معتدل مقبول، وأخيرا أن جبهة التحرير لجأت إلى استعمال الإرهاب…
هذا الكلام الفرنسي، على قناة فرنسية، يبقى أمرا عاديا. إنه لم يتغير منذ عشرات السنين، ولا شيء يوحي أنه سيتغير. ومن المنتظر أن تحاول تيارات سياسية، منها اليمين المتطرف الذي تتزعمه مارين لوبان Marine Le Pen، واليمين التقليدي الذي يقوده الرئيس نيكولا ساركوزي، من المحتمل أت تحاول هذه التيارات استعمال خطاب أكثر تطرفا من أجل استغلال أصوات الحركى خلال الانتخابات الرئاسية في فرنسا، إلى جانب الضغوط من أجل منع بعض المحاضرات والملتقيات بحجة أن المشاركين فيها يعادون فرنسا…
لكن هذا لا يزعج. وقد قامت فرنسا بأعمال أكثر عداوة للجزائر، مثل المصادقة على قانون 23 فيفري 2005 الذي يمجد الاستعمار، ومثل ذلك التصريح الذي أدلى به وزير الخارجية الفرنسي الأسبق برنار كوشنار Bernard Kouchner لما قال إنه ينتظر اختفاء جيل نوفمبر لتعود العلاقات الجزائرية الفرنسية إلى وضع طبيعي…
أما ما يزعج، فهو ذاك الضباب الذي يحوم حول ما ستقدم الجزائر في إطار الاحتفال بالذكر الخمسين للاستقلال. هل سيتم الاحتفال بهذه الذكرى في جو من المصالحة مع فرنسا، أم أن الجو العام سيبقى متوترا؟ هل ستتميز فعلا الاحتفالات بالاعتدال مثل قال وزير الخارجية الفرنسي، مما يعني أن الرئيس بوتفليقة وافق على ذلك فعلا، أم أن السلطة الجزائرية ستطلق العنان للخطاب العدائي التقليدي لاستغلاله على الساحة الداخلية؟ ويجب أن نعرف كذلك هل أن السيد بلخادم، الذي جعل من توبة فرنسا تجارة رابحة، هل أنه يتكلم باسم السلطة الجزائرية ويعبر عن موقفها، أم أنه يستغل تجارة في غياب ردود الفعل؟
هذا الموقف الجزائري هو الذي يثير القلق. ولا تكسب الجزائر سينما ولا طاقة فنية ولا قوة إبداعية يمكن أن تواجه بها الطرف الفرنسي. ومن المحتمل أننا سنكتفي بموائد مستديرة يروي فيها عدد من المجاهدين ذكرياتهم، وهي الذكريات التي تختلط عندهم مع التاريخ… وسنشاهد كذلك مؤرخين وخبراء يحاولون إرضاء السلطة بتمجيد دور أهل السلطة في الثورة التحريرية… هذا ما يثير القلق فعلا، لأنه أحسن طريق يؤدي الجزائر إلى أن تخسر معركة الذاكرة، رغم عظمة ثورتها وكبرياء ملحمة نوفمبر.