رسالة توبيخ
في كلمات قليلة، وبأسلوب واضح، وجه الوزير الأول أحمد أويحيى توبيخا إلى وزير الصحة جمال ولد عباس. وفي رسالة صنعت الحدث في البلاد، استعمل الوزير الأول عبارات لا تدع مجالا للشك ليلوم وزيره على إفراطه في التكفل بمرضى السرطان… إن هذه الفئة من الناس تعاني المرض وتعاني اللامبالاة، وأصبحت مصيبتها مصيبتين، بل وتوسعت المأساة إلى مرضى آخرين لم يجدوا الدواء ولا الهياكل التي تتكفل بهم.
- جاء التوبيخ في مكانه، ولو أنه من الممكن أن نلوم السيد أويحيى لأنه تأخر قليلا في نشر الرسالة، التي جاءت بعد سلسلة من الفضائح. فرغم الأموال التي تخصصها الدولة لقطاع الصحة، ورغم المجهودات الكبرى التي تبذلها الوزارة، ورغم توصيات رئيس الجمهورية المتكررة في الميدان، فإن المستشفيات مازالت تعيش اللامبالاة، ومازالت تعاني من انقطاع في الأدوية، ومازالت الأجهزة ناقصة أو معطلة. إضافة إلى ذلك، يمكن القول أن قطاع الصحة يعاني من سوء تنظيم شامل، مما يؤدي إلى إضرابات متكررة تسلهم بدورها في تعطيل القطاع، وأن وزير الصحة لم يعرف كيف يواجه هذا الوضع الصعب.
- والحق يقال.. إن كل هذه المتاعب التي يواجهها السيد ولد عباس تشكل أكثر مما يمكن أن يتحمل وزير الصحة لوحده، فهو مضطر لمواجهة سلسلة من العواصف في نفس الوقت. إنه مضطر للبحث عن الأدوية، والتفاوض مع الأطباء المختصين، والتفاوض مع الشركات الأجنبية لشراء الأجهزة الطبية، وزيارة المستشفيات، وتدشين العيادات، ودراسة الخطة التي ستسمح للجزائر من إقامة صناعة في ميدان الأدوية، إلى جانب تلبية مطالب سلط الشبه الطبي، الشرعية منها وغير الشرعية، والتدخل في التلفزيون لشرح الإنجازات التي تم تحقيقها في إطار تطبيق برنامج رئيس الجمهورية والمشاريع الضخمة التي سيتم إنجازها عن قريب..
- ومن يعرف ضخامة هذه المهام التي يقوم بها وزير الصحة لا يمكن إلا أن يعاتب الوزير الأول.. هل من حقه أن يلوم وزير الصحة؟ أليس من الوقاحة أن يوجه انتقادات لرجل يحمل نصف هموم الجزائريين على ظهره؟ ومن هنا، بدأت التساؤلات: لماذا قرر السيد أويحيى نشر هذه الرسالة؟ ألا يريد الإساءة إلى السيد ولد عباس؟
- وذهب آخرون إلى أبعد من ذلك، فقالوا إن السيد أويحيى يريد أن يبرئ ذمته من تلك المشاكل المتراكمة في قطاع الصحة. وقال آخرون إن السيد أويحيى يوجه في الحقيقة رسالة إلى رئيس الجمهورية، ليقول له إن ولد عباس أخفق في مهمته، مع العلم أن ولد عباس من المقربين للسيد بوتفليقة. وفسر البعض هذا الكلام على أساس أن أويحيى يقول لرئيس الجمهورية: إن جماعتك لا يتمتعون بالكفاءة الضرورية لتسيير شؤون البلاد..
- ومهما يكن، فإن السيد أويحيى أظهر شجاعة كبيرة لما هاجم أحد المقربين لرئيس الجمهورية. ولا يمكن اليوم إلا أن نحيي رجلا يظهر بهذه الشجاعة، بل بهذه البسالة.. ومن يستطيع اليوم أن يواجه الرئيس بوتفليقة ويقول له أنه أخطأ، وأن الوزراء الذين اختارهم ضعفاء، وليست لهم الكفاءة اللازمة لتسيير شؤون البلاد؟ من يستطيع أن يقول هذا الكلام لرئيس استطاع أن يتغلب على الأقوياء ويدجن الجنرالات ويقضي على الأصدقاء والمعارضين؟
- والحقيقة أن القضية أثارت جدلا كبيرا، وانقسم القوم إلى مجموعات عديدة، من أنصار أويحيى وأنصار ولد عباس وحتى أنصار الرئيس.. واختلفت الآراء.. لكن مهما كان الاختلاف، فإن الإجماع مازال قائما حول نقطتين أساسيتين: إن السادة أويحيى وولد عباس ينتميان إلى نفس الحكومة منذ سنوات عديدة، ولو أن أحدهما أصيب بمرض لا قدر الله، فإن لن يتجه إلى مستشفى عين الدفلى للعلاج، بل سيختار مستشفى في فرنسا، لأن المستشفيات الفرنسية لا تعرف نقصا في الأدوية ولا عطبا في المعدات الطبية. ومن هنا، نفهم أن كل كلامهم حول المستشفيات الجزائرية والمرضى كلام زائد، لأن الأمر لا يعنيهم أصلا..